الجمعـة 18 ربيـع الاول 1423 هـ 31 مايو 2002 العدد 8585
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

إبراهيم العريض.. قرن من الزمان من أزقة الهند لمرابع الأدب العربي

الدمام: ميرزا الخويلدي
شيعت البحرين امس شاعرها ورمزها الادبي ابراهيم العريّض الذي تحالف مع اللؤلؤ والشعر، فعرف بهما. كان ابراهيم عبد الحسين العريض، الذي رحل البارحة الاولى، عن 94 عاماً، ودفن في الجزيرة التي احبها وعشق بحرها منذ تلقن على يدي والده مبادئ الغوص والبحث عن اللؤلؤ والمحار في ريعان شبابه، قد ابدع فنون الفصحى شعراً ونثراً ونقداً ودراسة، وهو لم يزل فتى غض العود، حتى شبّ واكتملت مداركه، واحتشدت اهتمامات الادب الاجنبي في عقله وتفكيره.

ولد ابراهيم العريض في 8 مارس (اذار) عام 1908 في مدينة بومبي الهندية، من ابوين عربيين، فابوه تاجر اللؤلؤ الذي يلقي مراكبه في الهند للتجارة، وامه سيدة عراقية من مدينة كربلاء، لكن القدر الذي تربّص بالطفل المولود في بلاد الغربة، اختطف امه وهو بعد لما يكمل شهره الثاني، لتتولى سيدة هندية رعايته لكنها ايضاً لقيت ربها والطفل في عامه الرابع، لترعاه من جديد عاملة هندية تعمل (غسالة) لديهم وتتولى العناية به.

* غربة

* وعلى مدى ما يقارب القرن من الزمان كان اديب الخليج الاكبر ابراهيم العريض يقاسي مرارة الغربة زمنا بعد زمن، فما ان وجد نفسه يتنفس الهواء في حجر والدته في بلاد لا يعرفها ولا يحسن لغتها او ثقافتها، حتى عاجلت والدته يد المنون، ليتنقل بين الايدي الحانية في بلاد الهند التي كانت لغزاًَ حيّر الرحالة السابقين من عرب الخليج، فكان على ذلك الفتى ان يفك طلاسم اللغز.

وقد تمّكن من ذلك الى درجة انه اغرم بالهند حضارة وادباً وانسانية ايضاً، وليس سرّاً ان افتتاحية ديوانه «شموع» التي كتبها باللغة الانجليزية، وهو الديوان الذي احتوى على اجمل قصائد الغزل، قد اهداها لمحبوبته (الهندية) ساحرة الجمال التي هام بها عشقاً.

في بداية شبابه، ظّن انه تخلّص من همّ الغربة، فراح ينطلق بين مراتع الشعر ومرابع الشعراء، في جزيرة الاساطير، لكنه ايضاً سريعاً ما وجد قامته تطول وتطول حتى لم تعد الجزيرة رغم فتنتها قادرة على وقف جنوحه، فمد ابداعه نحو المحيط العربي، متصلاً وبشكل مبكر بادباء الخليج امثال صديقه الراحل محمد سعيد المسلم الذي عاش في القطيف والعراق، وعبد الرزاق البصير اديب الكويت الراحل والذي وصف العريض بانه «رمز للادب الخليجي كله»، وعلامة المملكة الراحل حمد الجاسر. كما اتصل بادباء العرب في مصر امثال امير الشعراء احمد شوقي، ولبنان ميخائيل نعيمة، وشعراء المهجر ايليا ابو ماضي، وشعراء العراق امثال الراحل محمد مهدي الجواهري. وظل يكتب الشعر والنقد في مجلات مصر ولبنان والعراق ويحضر المؤتمرات والندوات.

ولكي يبدد غربته الادبية، كان الشاعر يتنقل بين اطياف الادب العالمي: العربي، الهندي، الفارسي والانجليزي.

* سيرة الادب

* وحتى عامه الرابع عشر، كان ابراهيم العريض يكبر في بلاد الهند يتنقل بين احيائها ويتعلم تراثها وعلومها الانسانية، كما تعلم اللغات والآداب. وفي العام 1922 عاد الى البحرين لاول مرة، حيث انطلق للتعلم في مدرسة الهداية الخليفية في المنامة من جهة، ومن جهة اخرى يعمل مع والده في تجارة اللؤلؤ. وفي العام 1926 وكان عمره 18 عاماً وبعد اقل من ثلاث سنوات على عودته للبحرين وتعلمه العربية، القى اول محاضرة في مدرسة الهداية، وهو العام الذي شهد انطلاقته الادبية، حيث تفتحت مداركه لقصائد الشعراء الكبار، فعكف يقرا ابو تمام وابو فراس الحمداني وايليا ابو ماضي، كما تاثر بعدد من الشعراء الانجليز من بينهم «شكسبير» و«شللي» و«بايرون» وكذلك «والت ويدمان» و«تي . اس . اليوت». وفي ديوانه «الذكرى» ترجم للشاعر الايرلندي توماس مور وتاثر بنحو خاص بالشاعر الانجليزي «فيتزجيرالد».

وعكف يقرا اشعار ورباعيات الخيام الفارسية، واهتم كثيراً بدراسة الادب الفارسي حتى استطاع في مراحل اخرى من حياته كتابة اهم دراسة عربية في شعر عمر الخيام وكانت باسم «رباعيات الخيام» كتبت بين عامي 1933 ــ 1934 وطبعت سنة 1966، واضاف للترجمة رونقاً جميلاً للشعر الفارسي لانه اهتم خلالها بروح عمر الخيام الشعرية (روح النصّ)، وهي مخالفة لفكرة الترجمة التي وضعها الشاعر الانجليزي «فيتزجيرالد» والتي اعتمدت على مخطوط للخيام ظهر في كلكتا بالهند بعد خمسة قرون من وفاة الخيام، ولذلك فقد جاءت ترجمته لهذه الرباعيات باعتبارها اولاً: فتحاً في مجال الترجمة ونقل النصّ، وثانياً: لانها اول عمل عربي متميز لرباعيات الشاعر الفارسي.

كما كتب الشعر والمسرحية والنقد، ففي العام 1931 قدم اولى بواكيره الشعرية، ديوان «الذكرى» وكانت مسرحيته «وا معتصماه» اول عمل مسرحي يقدم في البحرين.

سيرة ذاتية بدأ ابراهيم العريض حياته العملية في البحرين مدرسا للغة الانجليزية في مدرسة الهداية الخليفية في المنامة 1927، فنائبا للمدير في المدرسة الجعفرية سنة 1930، وافتتح مدرسة اهلية خاصة به في سنة 1932 وظل يديرها مدة ثلاث سنوات.. ثم انتقل الى العمل في دائرة الجمارك امينا للصندوق حتى 1937، انتقل بعد ذلك الى العمل في شركة PCL للنفط رئيسا لقسم الترجمة حتى سنة .1967 وخلال الحرب العالمية الثانية درّس في المدرسة الثانوية للبنين وبعد ذلك عمل في اذاعة البحرين ثم اذاعة دلهي في عام 1943 وانتخب رئيسا للمجلس التأسيسي عام 1972 والذي كانت مهمته وضع اول دستور لدولة البحرين. وفي عام 1974 عين سفيرا متجولا ثم سفيرا مفوضا فوق العادة في وزارة الخارجية.

وحاز ابراهيم العريض العديد من الاوسمة، ففي عام 1976 منحه امير البحرين السابق الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وسام الكفاءة من الدرجة الاولى. وفي سبتمبر (ايلول) 2001 قلده الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين وسام الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة امير البحرين الراحل من الدرجة الاولى تقديرا لجهوده المتميزة في مجال الثقافةوالادب ودوره ابان عمله سفيرا في وزارة الخارجية

* انتاجه الادبي والثقافي:

* بدأ العريض نشر مقالاته وقصائده في صحف العراق والشام ومصر في مرحلة مبكرة من عمره. واختارته الجامعة الاميركية في بيروت كأحد اربعة هم: ميخائيل نعيمة، محمود تيمور، وجبرائيل جبور، لالقاء محاضرات حول الادب العربي وقضاياه، وقد عهد اليه بالتحدث في موضوع: الشعر وقضيته في الادب العربي الحديث، وكانت هذه الجولة اول مؤتمر يحضره خارج الخليج.

في عام 1973 وضع معادلتين للتقويمين الميلادي والهجري، لمعرفة ايام الاسبوع عبر التاريخ، كما صمم لوحة برونزية تدور فتغطي التقويم الهجري قرنا كاملاً سنة بعد سنة (من 1401 حتى 1500هـ).

في الشعر (باللغة العربية):

العرائس (1946)، قبلتان (1948)، ارض الشهداء (1951، شموع (1956)، رباعيات الخيام (1966)، الخياميات (1996)، يا انتَ (1998). كما كتب: «في هيكل الحب» وهو ديوانه الثاني بعد «الذكرى».

الشعر (بغير اللغة العربية):

ديوان كلباري (بالاوردو) (1931)، Sonnets (بالانجليزية) (1995).

المسرحيات الشعرية:

وا معتصماه (1932)، بين دولتين (1934).

الدراسات النقدية:

الاساليب الشعرية (1950)، «شعراء معاصرون» وهي دراسة تضم حوالي عشرين دراسة حول عشرين شاعرا (1950)، الشعر والفنون الجميلة (1952)، الشعر وقضيته في الادب العربي الحديث (1955)، جولة في الشعر العربي المعاصر (1962)، فن المتنبي بعد الف عام (1963)، الدراسات الفنية عند مترجمي الخيام (1998)، دراسات في الادب والنقد.

المقالات:

كتب سلسة (صور من حياتنا الفكرية) ونشرها في مجلة (الاضواء) وتحتوي على حوارات ادبية وفكرية.

كتب عشرين حلقة ضمن سلسلة الروافد، وهي مجموعة مقالات ادبية نشرت في مجلات مختلفة كالرسالة المصرية والآمال والعروبة اللبنانيتين وغيرها.

* قالوا في الاديب الراحل

* وصفه الشاعر احمد زكي ابو شادي رائد مدرسة «ابوللو» في دراسة اعدها عنه عام 1951 انه (منصف العربية وطاقتها الحضارية، كما ينصف عصره ونفسه.. وهو واحد من كثيرين يكاد كل منهم بتنوعه واستقلاله يكّوّن مدرسة خاصة به).

وفي عام 1952 كتب الشاعر القروي لابراهيم العريض يقول: ولكم انا معجبٌ باناملك الصنّاع تنسجُ هذا المطرف الفضفاض من سبعة خيوطٍ من الشعر.

وفي عام 1962 كتب اليه ميخائيل نعيمة: انت تأخذ بيد القارئ برفق لتسير به في شعاب يطّل منها على مواطن الجمال في الشعر، وانعم بكَ من رفيق ودليل، ولولا انك اهتديتَ الى مواطن الفتنة في الشعر من زمان لما كنتَ ذلك الرفيق الانيس والدليل الامين.

وحين الفّ ابراهيم العريض كتابه الشهير (فن المتنبي بعد الف عام) عام 1962، كتب العالم والناقد التونسي عبد السلام مسدي يقول: كتاب ابراهيم العريض عن المتنبي حديقة من النقد الادبي سياجها التاريخ وارضها تربة فنية زرعت ارهاصات من الحداثة كاوضح ما تكون الانباءات، وهو كتاب الف في مطلع العقد السادس ليقرأ بعد ان يكون الوعي العربي قد استوعب الغزارة الفكرية التي زودت بها المناهج الحديثة العملية النقدية).

* بلال عبد الهادي: شعر لا يستقر في مكان

* بيروت ـ «الشرق الأوسط»: ومن لبنان يقول الاكاديمي بلال عبد الهادي، استاذ مادة الألسنية في الجامعة اللبنانية، «ان إبراهيم العريّض يمثل التراث البحريني الشعري، فقد عاش، تقريباً، قرناً من العطاء الشعري والنقدي، وكانت ثقافته العميقة مؤثرة في بنية قصيدته، كما كانت ترفد نظرته النقدية برؤية تشمل العربي كما الغربي.

يمتاز ابراهيم العريّض بشيء نادراً ما امتاز به شعراء آخرون في هذا القرن، فهو فضلاً عن معرفته للغة الانجليزية كان يتقن اللغة الاوردية واللغة الفارسية. وهو ما جعله شرقياً حتى العظم وتبدى ذلك في تضاعيف شعره وأعطاف كلامه، وخوله ان يكون ممثلاً نقياً لتعدد الثقافات الاسلامية، على عديد انحائها ونكهاتها. وتعتبر، على سبيل المثال، ترجمته لرباعيات الخيام من بين افضل الترجمات، لنقاء عروبة اسلوبها من جهة، ولمعرفته بالمخزون اللغوي والثقافي الفارسيين من جهة اخرى. لا انسى ان كتابه عن المتنبي من ألطف الكتب وأدمثها عن هذا الشاعر الاستثنائي، لانه عرف ان يقرأ ذاتيات المتنبي بحنو ماهر، لا يخلو من مكر. رحمه الله ونضّر ضريحه.

ولكم تعوزنا، في هذا الزمن اليباب، شخصيات من طراز ابراهيم العريّض، الذي جعل من الهم الثقافي والادبي هماً يومياً معاشاً، اذ كان يرفض إلا ان يرى الشعر يمشي في الارض، لا ان يكون محض خيال لا تربطه بالارض صلة.

يمكن لي ان اقول انه كان يحمل في طيات روحه خيالاً عملياً استغل او استثمر من قبل البحرين حين عين سفيراً متجولاً، واصبح الرجل، بفعل هذا المنصب، شعراً لا يستقر الا في التجوال».

* من قصائده:

اتبقى كذا؟

في زمانكَ ظلاً تعيشُ بتقليدِ ما جاء نقلا تكّفرُ من ينكرُ النقلَ اصلاً ومن فوقَ دُنياكَ شاهدتَ جاهه بنى هو اقماره واستناره وها انتَ، لاهٍ كما كنتَ قبلاً واني لاعلمُ منذُ متى كان ذاكْ احقاً امام خطانا؟

امامَ خطاكَ وجدتَ الصراطَ طريق هدانا، طريقُ هداكْ جداراً؟

اكان مصير البشرْ..

بأن يتطورَ للاحسنِ؟

فطالتْ خطاهُ وامَّ القمرْ ليبحث في الكونِ عن مامنِ حارسى حبالهْ؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال