الخميـس 18 رجـب 1423 هـ 26 سبتمبر 2002 العدد 8703
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نوادر المخطوطات العربية في خزائن العالم

«مجمع الأقوال في معاني الأمثال» للعكبري من أضخم كتب الأمثال في الأدب العربي

جليل العطية

المثل: قول، موجز، سائر، صائب المعنى، تشبه به حالة حادثة بحادثة سالفة. والامثال: مصابيح الاقوال.

قال ابراهيم النظام (ت 231 هـ):

تجتمع في المثل اربعة لا تجتمع في غيره من الكلام:

ايجاز اللفظ، واصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة.

ولدينا بعض النصوص القديمة التي تدل على ان العرب في جاهليتهم كانوا يدونون حكمهم وامثالهم ـ غير ان حركة تدوين الامثال عندهم، لم تبدأ الا في منتصف القرن الاول الهجري، وكان حصادها ثلاثة كتب لثلاثة من علماء الاخبار والانساب والتاريخ وهم: صحار بن عياش العبدي، عبيد بن شرية الجرهمي، علاقة بن كرشم الكلابي، لكن هذه الكتب ضاعت ولم يبق لنا منها الا مقتبسات قليلة.

التأليف في الامثال استمر ثم توج بظهور الامثال المولدة وامثال العامة.

واورد (د. عبد المجيد قطامش) في كتابه (الامثال العربية ـ دراسة تاريخية تحليلية ـ دمشق ـ 1408هـ ـ 1988م) 41 كتابا في الامثال الفت منذ بدء التدوين وحتى نهاية العصر العباسي الثاني لم يبق لدينا منها سوى عشرة (تقريبا) اقدمها:

امثال العرب للمفضل بن محمد الضبي (ت نحو 170هـ). الأمثال لمؤرج السدوسي (195 هـ). الامثال لابي عبيد القاسم بن سلام (224 هـ). 4 ـ الامثال لابي عكرمة الضبي (250 هـ)، يقول المستعرب الالماني (رودلف زلهايم) في ختام دراسته الرصينة:

الامثال العربية القديمة ـ ترجمة د. رمضان عبد التواب ـ ط 2 ـ بيروت 1402 هـ ـ 1982 ص 218:

ـ اذا نظرنا في النهاية الى تراث الامثال عموما، فاننا نصل الى (انه: لا ينتظر ان نعثر على مادة جديدة مهمة، في الامثال القديمة، في الكتب الضائعة المؤلفة في هذا الفن).

والمؤكد ان هذا الحكم القديم الذي اصدره (زلهايم) سنة 1953 ـ موعد اعداده رسالته الجامعية لم يكن دقيقا.

والدليل على ذلك ظهور مخطوطات تحمل الجديد بينها:

ـ مجمع الاقوال في معاني الامثال لمحمد بن عبد الرحمن بن ابي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري.

وعكبرا التي ينسب لها المؤلف مدينة معروفة. قال (ياقوت الحموي): هي من نواحي دجيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ.

قرئ على سارية بجامع عكبرا:

لله درك يا مدينة عكبرا

أيا خيار مدينة فوق الثرى

معجم البلدان (مادة عكبرا)

لكن تحول مجرى نهر دجلة ازال هذه المدينة العريقة التي لا تزال بقاياها ماثلة للعيان حتى اليوم قرب بغداد.

محمد بن عبد الرحمن بن ابي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، لم ينل العناية التي يستحقها من المؤرخين، فلم نحصل له في كتب القدامى الا على ترجمة وجيزة انفرد بها ابن الغوطي، المتوفى سنة 723هـ وصفه فيها بانه: من فضلاء الزمان، سمع جده ابا البقاء (شارح مقامات الحريري)، تأدب ونظم الاشعار الرائعة، وبعد ان اورد نماذج من شعره قال: واستشهد في الواقعة (اي سقوط بغداد) سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة ومولده سنة ستمائة تقريبا.

معجم الالقاب ـ طبعة طهران ـ 1416 هـ ـ الجزء الثالث ص 146 ـ 147 ـ (رقم 2366).

وقد وهم ابن الغوطي في ذكر سنة وفاة العكبري. والدليل على ذلك ان مخطوطة (مجمع الاقوال) التي وصلت الينا بخط المؤلف جاء في ختامها:

تمت المجلدة الثالثة على يد مؤلفه الفقير الى رحمة ربه... في جمادى الآخرة من سنة خمس وستين وستمائة. وهذا يعني انه سلم من مذبحة التتار التي وقعت، كما هو معروف سنة 656 وتوفي بعد 665 هـ. وهذا ما تنبه له خير الدين الزركلي ـ رحمه الله ـ في ترجمته للعكبري (الاعلام ـ ط ع ـ الجزء السادس ـ ص 191و 192).

وصلت الينا قطعة كبيرة من كتابه (مجمع الاقوال في معاني الامثال) مكتوبة بخطه ـ كما اسلفنا ـ وهي محفوظة في مكتبة شستربتي في دبلن بايرلندا رقمها 3669 تقع في 364 ورقة هي المجلدة الثالثة بلغ فيه المؤلف حرف الشين واشار الى ان المجلدة الرابعة تبدأ بباب الصاد.

ويبدو ان هذا الكتاب يعد من اضخم الكتب المؤلفة في الامثال العربية، ومن الادلة على ذلك ان حرف الهمزة وحده يضم الفين وستمائة وستة وثلاثين مثلا.

ساق العكبري في مقدمته القصيرة التي عقدها لكتابه اسماء المصادر الاساسية التي عول عليها في تأليف سفره ومنح كل واحد منها رمزا:

بحيث يحيط الناظر علما ويتقنها دراية وفهما على حد قوله. ومن هذه المصادر:

المفضل الضبي، المفضل بن سلمة، ابن الانباري صاحب الزاهر (نشر)، ابو زيد الانصاري، ابو سعيد الضرير، مؤرج السدوسي، ابن الحرون، عيون الامثال لابن خلاد، الاصمعي، ابو عبيدة (معمر بن المثنى)، ابو عبيد (القاسم بن سلام)، الطبري، وغيرها كثير.

واضافة الى هذه القائمة استعان بكتب ليست خاصة بالامثال اورد اسماءها. ومن بين المصادر التي ذكرها في مقدمته وصلت الينا منها تسعة، يبقى سبعة عشر كتابا نعرف اسماء قسم منها، في حين كشف لنا اول مرة طائفة منها ومن ذلك كتب:

ابن الحرون، الفارابي، الجويني، الراغب الاصفهاني، والموصلي والجرجاني. واغلب الكتب التي اكتفى بذكر اسماء مؤلفيها تحمل اسم: كتاب الامثال.

واضافة الى هذا استعان بعدد من الكتب المجهولة المؤلف. وقدم لنا مقتبسات من كتب موجودة بين ايدينا، لكنها لا تضم النقول التي قدمها، مما يدل على انه كان يمتلك نسخة اتم من المتوفرة اليوم. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ كتاب امثال العرب للمفضل بن محمد الضبي.

ـ في تفسير مثل (كراغية البكر) ذكر المؤلف لنفسه اسم كتاب آخر له هو:

نقض (ذم الخطأ في الشعر لاحمد بن فارس).

ـ قدم المؤلف ضروب الامثال مجردة لكل الحروف واعقبها ذكر ايام العرب في الجاهلية والاسلام. ثم تناول الامثال مفصلة، موثقة، وللاسف شابت المخطوطة بعض الخروم لكنها قليلة.

ومن فوائد موسوعة الامثال هذه، ان العكبري صحح اخطاء عدد من المؤلفين ومنها شرح مثل (بيضة البلد) الخطأ الذي وقع (الديمرتي) في تفسيره.

ومن ذلك قول المؤلف في تفسير (هذا أوان الشد فاشتدي زيم):

وكذا روى في الحماسة (لابن تمام الطائي) بحق سماعي على جدي (ابي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري).

فهذا يمنحنا لمحة عن حياة وثقافة المؤلف. وبانتظار ان يتجرد احد الباحثين الى تحقيق مخطوط (مجمع الاقوال في معاني الامثال للعكبري) وتقديمه الى هواة الامثال وعشاق التراث نقدم نموذجا منه:

في دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها. قالوا: ان اول من قال ذلك (جارية) من (مزينة) وذلك ان (الحكم بن صخر الثقفي) قال:

خرجت منفردا، فرأيت بإمَّرةٍ ـ وهي موضع ـ جاريتين اختين لم ار كجمالهما وظرفهما، فكسوتهما واحسنت اليهما، قال:

ثم حججت من قابل ومعي اهلي، وقد اعتللت ونصل خضابي، فلما صرت بإمَّرةٍ اذا احداهما قد جاءت فسألت سؤال منكرة، قال:

فقلت: فلانة؟

قالت: فدى لك ابي وامي، وأنىّ تعرفني وأنكرك؟

قال: قلت (الحكم بن صخر).

قالت: فدى لك ابي وامي، رأيتك عام اول شابا سوقة، واراك العام شيخا ملكا و(في دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها) ـ فذهبت مثلا:

قال: قلت: ما فعلت اختك؟ فتنفست الصعداء وقالت:

قدم عليها ابن عم لها فتزوجها وخرج بها، فذاك حيث تقول:

اذا ما قفلن نحو نجد وأهله

فحسبي من الدنيا قفولي الى نجد

قال: قلت: اما اني لو ادركتها لتزوجتها، قالت: فدى لك ابي وامي ما يمنعك من شريكتها في حسبها وجمالها وشقيقتها؟ قالت: قلت: يمنعني من ذلك (كثير):

إذا وصلتنا خلّة كي تزيلها

أبينا وقلنا: الحاجبية أوّل

فقالت: كثير بيني وبينك، أليس الذي يقول:

هل وصل عزة الا وصل غانية

في وصل غانية من وصلها خلف؟

قال (الحكم):

فتركت جوابها وما يمنعني من ذلك الا العِيّ!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال