الاحـد 15 ذو القعـدة 1423 هـ 19 يناير 2003 العدد 8818
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المذكرات حين تغدو وثائق اجتماعية ـ تاريخية

طبعة ثانية من «الزاوية» التي صدرت قبل ستين سنة واعترف بها أخيرا كشهادة على تحولات بالغة الأهمية

إبراهيم الخطيب *
عندما شرع التهامي الوزاني (1903 ـ 1972) في كتابة سيرته الذاتية فإنه لم يكن ليتخيل أن جنسا أدبيا تم تدشينه حينئذ على صعيد الكتابة في المغرب. لقد كانت «الزاوية» أول كتاب يصدر له منذ انشائه أسبوعية «الريف» في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، وهي الصحيفة التي ستغدو منبره الصادح، ووسيلة لا غنى عنها لنشر كتاباته السياسية والتاريخية والأدبية، وكذا ترجماته.

لقد قوبلت «الزاوية» (1942)، اثر صدورها في كتاب، بلامبالاة محبطة، لكن السنين الطويلة التي قضتها نسيا منسيا في الأرفف لم تفتأ ان أنضجتها، ومنحتها وجودا جديدا، الى أن اعترف بها مؤخرا كنص بالغ الأهمية على الصعيدين التكويني والتاريخي. ومع أنه يصعب، في الوقت الراهن، ادراك أسباب ذلك التجاهل على نحو موضوعي، إلا أنه من المحتمل الظن أن ظهور كتاب عن تجربة التهامي الوزاني الصوفية في ظرف عقدي هيمنت فيه السلفية، وفي ظرف تاريخي هو الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على منطقة الحماية الاسبانية، ما كان بإمكانه أن يثير اهتمام أحد، خاصة وقد اختار الكاتب شكلا مخضرما يقع بين «الفهرسة» والسيرة الذاتية، وخطابا ينحو منحى الخروج من منطقة الصمت الى مجال الاعتراف والكشف.

أما سياق التحول في استقبال «الزاوية»، الذي حدث بعد لأي، فيمكن ارجاعه إلى تنامي رغبة عميقة لدى المثقفين المغاربة في القيام باعادة نظر في تراثهم الكتابي المعاصر بغية استيعابه داخل سلمية التجنيس التي اقترحتها الدراسات الحديثة. وتعكس الواقعتان التاليتان، في رأينا، أبرز مراحل السياق المذكور: أولاهما، المقالة التي نشرها عبد الجبار السحيمي بصحيفة «العلم» في أواخر الستينات (1969) حيث تساءل عما إذا كان من الجائز اعتبار «الزاوية» أول نص سير ذاتي مغربي. ويبدو أن هذه المقالة لقيت هوى في نفس التهامي الوزاني الذي احتفظ بها بين أوراقه بعد قراءتها قراءة متأنية، يؤكدها وضعه خطوطا بقلم أحمر تحت بعض الجمل أو العبارات الواردة فيها. أما الواقعة الثانية فتتجلى في ظهور نقاد وباحثين جامعيين اهتموا بتأصيل النثر السردي في المغرب، وقاموا بالحفر في تشكلاته الجنينية، من أبرزهم أحمد اليبوري وأحمد المديني وعبد الحميد عقار وعبد القادر الشاوي الذي خص «الزاوية» بدراسة تحليلية تحمل عنوان «الذات والسيرة» (1996).

غير أنه إذا كانت الواقعتان السالفتان تبرزان طبيعة استيعاب النقد لنص «الزاوية»، فإن هذا النص يتعدى وضعيته ككتابة استحضارية مندرجة في شكل توليدي تخومي، ليغدو وثيقة عقدية واجتماعية وتاريخية، وذلك ما تنبه إليه المستعرب الفرنسي جاك بيرك في كتابه: «المغرب الكبير: تاريخ ومجتمع»، حيث أبرز خاصية الكتاب كشهادة داخلية ثمينة على تحولات تربوية وسلوكية عرفتها بنية التقاليد في المغرب أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

لقد غدا كتاب «الزاوية» معروفا، في الوقت الراهن، لدى العديد من المهتمين بالرواية وسوسيولوجيا الفكر في المغرب خاصة بعد صدور طبعته الثانية (1999)، لكن الظروف المحيطة بسيرورة ظهوره، وكذا عدم صدور الجزء الثاني منه، ماتزال منغلقة على أسرارها.

إننا لا نعرف بالضبط تاريخ كتابة هذا النص الذي لايوجد مخطوطه بين اوراق التهامي الوزاني المودعة بأمر قضائي لدى «الخزانة العامة» بتطوان، إلا أن القرائن توحي بأنه ليس من الصعب التخمين بأنه قد يكون كتب في الأشهر الأخيرة من سنة 1940 أو الأشهر الأولى من سنة 1941: لقد كان من عادة التهامي الوزاني، الذي تفتح عطاؤه ككاتب بموازاة شروعه في اصدار أسبوعية «الريف» المستقلة (1936)، أن ينشر نصوصه مباشرة بعد تدوينها، كما أنه لم يكن يخضع تلك النصوص لأية مراجعة حرصا منه على تزويد الصحيفة المذكورة بها في أسرع وقت ممكن. إن هذه الوضعية الاستثنائية تفسر، من جهة، طبيعة الانزلاقات التي ينطوي عليها سرد «الزاوية» وخاصة على صعيد الاستطراد، كما تفسر، من جهة ثانية، الانقطاع الذي شكل مصير عدد من كتب التهامي الوزاني التي ظلت مبتورة أو تم التوقف فجأة عن نشرها. مع ذلك يبقى من الصعب جدا معرفة ما إذا كان الكاتب قد كتب «الزاوية» كاملة قبل الاقدام على نشرها على صفحات «الريف»، أم أنه، خلافا لذلك، بادر الى نشر ما تم تدوينه منها قبل الفراغ من النص جملة. إن قرائن القياس، في هذا الصدد، متضاربة: فبعض مؤلفات التهامي الوزاني تمت صياغتها كاملة قبل الشروع في نشرها فصولا، وهناك كتب أخرى وقع الانقطاع عن نشرها على نفس النحو فظلت ناقصة لأسباب مجهولة. بينما توجد حالة ثالثة لافتة للانتباه: وهي وجود مخطوط كامل، لكنه لم ينشر إلا على نحو جزئي.

لقد تتبعنا عملية نشر «الزاوية» بصحيفة «الريف» (وقد صدرت فيها تحت عنوان «كيف أحببت التصوف» الذي سيغدو عنوانا فرعيا في نص الكتاب) فلاحظنا وجود انقاطاعات محدودة منذ الشروع في النشر يوم 14/11/1941 (عدد 269). بيد أن هذه العملية، وعلى حين غرة، ستتوقف كلية بعد 1942 ـ 4 ـ (عدد 292) مع أن النص لم يكن قد استوفى غايته. إن تأويل هذا التوقف، في غيبة اطلاعنا على مخطوط «الزاوية»، يظل ضربا من ضروب المجازفة: فهل عدل التهامي الوزاني عن إتمام نشرها فصولا استعجالا لاصدارها في كتاب؟ أم أنه توقف عن ذلك لأن اهتمامات كتابية أخرى صرفته عن انجاز تدوين الكتاب كاملا، كما سيحصل، بعد سنة واحدة، مع كتابه «فوق الصهوات» (1943)، وبعد أربعة عشر عاما، مع مخطوطه الأبتر «الرحلة الخاطفة» (1957)؟. في أواخر سنة 1942 صدر الجزء الاول من «الزاوية» عن «مكتب النشر» في كتاب مستقل يتألف من 215 صفحة، وينتهي بعبارة: «انتهى الجزء الاول ويليه الجزء الثاني» (هكذا). ويبدو أن القراء القليلين الذين اقتنوا هذا الجزء كان عل1يهم أن ينتظروا طويلا قبل أن يعتريهم اليأس من صدور الجزء الثاني. هكذا ظلت سيرة التهامي الوزاني الذاتية ناقصة يتعذر التكهن بمسارها وتحولاتها خاصة وأن الجزء الصادر منها، الذي يبدأ بسرد مرن يحكي مجريات حياة الراوي داخل البيت وخارجه ويستبطن أوهامه وتطلعاته وسعيه في البحث عن شيخ، ينتهي فجأة بسيرة المتصوف محمد الحراق جد ادريس الحراق، شيخ الزاوية الذي عاصره التهامي الوزاني وكان صديقا له: على هذا النحو وجد الكاتب نفسه منساقا لمعاينة لحظات الاحتكاك التي يلتحم فيها الوجود الفردي بسياقات التاريخ الجماعي، وحيث يغدو الراوي مجرد صوت ضمن جوقة الأصوات التي هي ذاكرة المجتمع.

لقد وضعت «الزاوية»، باعتبارها كيانا نصيا، اللبنات الاولى لسيرة ذاتية لا تروم مقاربة الحقيقة، وإنما تلمسها وراء ركام التحولات التي لا تفتأ تطرح اسئلتها على الأنا، معيدة صياغتها. إن سرد الذات يعني هيكلة الماضي على ضوء مستقبل غير منظور، ومن شأن ذلك أن يجعل التجربة المستعادة تعبيرا ضمنيا عن الإكراهات التي تنتظر الكتابة.

* كاتب وناقد مغربي

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال