الثلاثـاء 01 رمضـان 1421 هـ 28 نوفمبر 2000 العدد 8036
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حوارات مع عبد الهادي بوطالب أستاذ الملك الحسن الثاني ومستشاره «1» ــ لا أعلم هل قرأ الملك الحسن الثاني كتاب «الامير» لمكيافلي وليس كل من قرأه يصبح مكيافلي النزعة

حوارات مع عبد الهادي بوطالب

من يقرأ كتاب «وزير غرناطة» الذي يروي سيرة حياة ذي الوزارتين الشاعر الاندلسي لسان الدين بن الخطيب، وهو نص ادبي كتبه ذو الوزارات عبد الهادي بوطالب، يخيل له ان هذا السياسي المغربي المخضرم يروي فيه تجربته في الحكم على لسان ابن الخطيب. لكن المحقق هو ان بوطالب كتب هذه السيرة سنة 1952 ولم يكن وقتها قد خاض غمار العمل السياسي في القصر والحكومة، وان كان قد مر بالمعهد المولوي استاذا لولي العهد الامير مولاي الحسن.

وقد ربط قراء هذه السيرة بين حياة ومسار الرجلين الاديبين، بل منهم من رأى فيها «قارئة فنجان» لمستقبل بوطالب السياسي الذي تخللته حالات من المد والجزر شبيهة في بعض الاوجه بحالات عاشها وزير غرناطة. ويرى بوطالب الذي كان وما زال معجبا ومتعاطفا مع مأساة ابن الخطيب الذي شغل الناس في حياته ومماته، انه اذا كان هناك تشابه او نوع من الالتقاء بين شخصيتيهما، فذلك من صدف التاريخ.

واذا كانت نهاية ابن الخطيب مأساوية، لان الرجل قتله الرعاع خنقا واحرقت جثته بعد ان قطع شعرة معاوية مع بلاط بني الاحمر في غرناطة، وغضبت عليه الدولة المرينية في فاس، فان بوطالب خرج سليما معافى بعد خمسة عقود من العمل في حمأة السياسة وأتونها. وفي ذلك يقول «الحمد لله على ذلك، لان الحكم في بلادي الان ليس مثل حكم بني مرين وبني الاحمر.. فعلاقتي بالملك محمد الخامس لم تشبها اية شائبة تدعم كلمة «المأساة»، ونفس الامر مع الملك محمد السادس الذي تجمعني به علاقة طيبة قوامها الحب والتقدير، في حين كانت حياتي مع الملك الحسن الثاني رحمه الله، حياة لقاءات وتذكر وتفهم وتعاون صادق واسداء النصيحة وقبولها، الى ان جاءت فترة معينة بدا فيها ان شخصيتي تصطدم قليلا مع عظم شخصيته الفذة، وانا لم اقصد ذلك ابدا لانني كنت اعمل بالحكمة القائلة «قل كلمتك وامش». ويضيف قائلا: «كنت اقول الكلمة، لا تلك التي تسهل لي استمرار البقاء حيث انا، ولكن تلك التي يمكن ان تسبب لي الابتعاد عما كنت فيه». قد تكون هذه الحكمة مفتاح شخصية بوطالب الذي يشكل نموذجا متميزا لعلاقة المثقف والسلطة. فهو رجل لا يتنازل عن مبادئه وافكاره قيد انملة، و ظل متشبثا بها حينما قرر المشاركة في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والانسحاب منه، وحين اعتذر عن عدم المشاركة في مجلس الدستور وفي حكومة محمد الخامس التي خلفت حكومة عبد الله ابراهيم، وحين تصادم ايام كان وزيرا للعدل ثم وزيرا للتعليم مع الجنرال محمد اوفقير حفاظا على حرمة العدالة وكرامة اسرة التعليم. وايضا عندما اكتشف وهو وزير لخارجية بلاده انه كان اخر من يعلم بشأن فحوى الاتفاق المغربي ـ الجزائري بعد لقاء تلمسان عام .1970 ونفس الشيء عندما قرر عدم ترشيح نفسه لولاية جديدة على رأس برلمان 1970 لانه علم ان قرار حله اصبح وشيكا، وبالتالي لم يسمح له كبرياؤه السياسي ان يقال عنه انه كان «رئيس برلمان محلول».

كل هذا نقط في وادي تجربة بوطالب الغزيرة رواها لـ«الشرق الاوسط» على مدى اسبوعين في منزله بالدار البيضاء. كان خلالها سيل الذكريات يتدفق من علياء ذاكرته، وقلما استعان بوثائق خاصة.

في تلك الاثناء بدا لي ان الحسن الثاني، هذا الملك الذي كان وما زال في خواطر المغاربة وقلوبهم، حاضرا معنا. فبوطالب رافقه وعايشه في اشد مراحل المغرب حساسية وحرجا، مثلما بدا لي التاريخ حاضرا ايضا. فكل شيء في بيت بوطالب يفوح بعبقه، اوسمته التي تلقاها من رؤساء الدول، صوره مع كبار العالم وساسة المغرب، لكن الصورة التي لفتت نظري هي صورة للملك الحسن الثاني كتب عليها اهداء يقول فيه «الى استاذنا ووزيرنا السيد عبد الهادي بوطالب كرمز محبتنا وتقديرنا لشخصه داعين له بدوام التوفيق والسعادة (نوفمبر 1965)». والى جانبها بدت شهادة تخرج بوطالب من جامعة القرويين في فاس وقد وقع عليها السلطان محمد بن يوسف الذي كتب ايضا كلمة بخط يده قال فيها «سلمنا هذه الشهادة بيدنا الشريفة لصاحبها مجازاة له على اجتهاده واعتناء بالعلم الشريف. توقيع: محمد بن يوسف امير المؤمنين اعزه الله وايده».

.. يسترسل الحديث، تحضر اسماء وتغيب اخرى، وذاكرة بوطالب دائما متقدة وخصبة وموشومة. وفي ما يلي بعض من الأجوبة على اسئلة المغرب الحديث.

درست العاهل المغربي الراحل اللغة العربية وتفسير القرآن والتاريخ الإسلامي

* عايشتم اللحظات الحرجة التي أدت إلى استقلال المغرب. والمعروف أنكم انخرطتم في العمل الوطني في سن مبكرة. فماذا بقي في ذاكرتكم حول حركة النضال الأولى؟

ـ التحقت بخلايا العمل الوطني وأنا في سن مبكرة ـ كما قلتم ـ وهي خلايا كانت تلقننا ـ نحن التلاميذ الذين كان يطلق علينا اسم «براعم كتلة العمل الوطني ـ دروسا في الوطنية. وكان يشرف علينا داعيتان وطنيان جليلان هما إبراهيم الوزاني رحمه الله، الذي اختُطِف واغتيل إثر استقلال المغرب من قبل عصابات كانت تقوم بتصفية الوطنيين المنتمين لحزب الشورى والاستقلال (حزب المعارضة)، والهاشمي الفيلالي أمدَّ الله في عمره، وهو أحد أركان حزب الاستقلال.

تربيت إذن في أحضان الكفاح الوطني، إضافة إلى أنني ترعرعت في بيت متدين تلقيت فيه من والديَّ وجوب التمسك بالدين والحرص على أداء شعائره، كما تربيت فيه على عدم الاطمئنان إلى الأجانب وعدم الرضا بأن يحكموا المسلمين. وكنت قد حفظت القرآن كله في الكُتَّاب القرآني وأنا ابن تسع سنوات. ومن خلال هاتين المدرستين شبَّت فيَّ غريزة الكفاح وأصبحت أتطلع إلى المساهمة في تحرير بلادي من سيطرة الأجنبي. وكما تعلمون فإن المغرب ظل على امتداد تاريخه الطويل مستقلا تحكمه ملكيات وأمبراطوريات وطنية عظمى. ولما قرر الاستعمار الدولي دك قلعته واحتواءها أخذ يعمل على إنهاء سيادته الوطنية التاريخية وقسَّمه إلى ثلاثة أجزاء: كان هناك استعمار فرنسي في منطقته الجنوبية السلطانية، واستعمار إسباني في منطقته الشمالية الخليفية، وآخر دولي في طنجة، وبذلك تفرق دم المغرب في «القبائل» الاستعمارية.

ولقد أسعدني الحظ أن أرى تحقيق نتائج الكفاح الوطني حيث شاركت في أول حكومة وطنية مغربية أٌعلنت عند عودة السلطان محمد بن يوسف من منفاه وأنا في الحادية والثلاثين من عمري. وما أزال حتى الآن وأنا في سن السادسة والسبعين أساهم بالقلم والكلمة في أن أجعل من هذا الاستقلال استقلالا حقيقيا يكرس بتطبيقاته في الحياة اليومية المبادئ التي كافحنا من أجلها: مبادئ الديمقراطية حتى لا يُستبدَل بالاستعمار الاستبداد، وحتى يكون المغرب في عهده الجديد مغربا حداثيا منخرطا في قيم العصر يوفر لمواطنيه الكرامة والحرية والعدل والمساواة. وهي المبادئ التي كنا نؤمن أنها لا تتحقق للمغرب إلا بالاستقلال.

* ارتبطتم منذ الأربعينات بعلاقة مع القصر الملكي المغربي. وأود في البداية أن تحكي لي قصة تعرفك على الملك محمد الخامس؟

ـ الفترة التي تشيرون إليها ـ وهي تبتدئ من نهاية سنة 1943ـ كان الملك فيها يعرف بالسلطان سيدي محمد بن يوسف. وكان القصر ينعت بالسلطاني أو قصر السلطان أو دار المخزن. ولم يتحول اسم السلطان إلى الملك واسم النظام إلى الملكية إلا بعد الاستقلال وخاصة بعد صدور أول دستور سنة 1962 ينظم مسؤولية الملِك والملَكية. وقد بدأت علاقتي بالسلطان محمد بن يوسف رحمه الله في ظروف أعتبر أنها كانت لي فرصة العمر، لأنه كان يمكن ـ لولا الحادث الذي سأتحدث لكم عنه ـ ألاّ أكون قريبا من القصر الملكي طيلة ما يناهز نصف قرن في خدمة العرش والبلاد تحت قيادة العاهلين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، وقريبا من الأمير سيدي محمد (الملك محمد السادس). بدأت قصتي مع السلطان محمد بن يوسف حينما أنهيت دراستي العليا في جامعة القرويين بفاس. وكان عمري آنذاك 19 سنة ونصفا. وأضيف لأول مرة إلى مواد امتحان التخرج من التعليم العالي لنيل الإجازة أن يلقي الطالب المتخرج الحامل لشهادة الإجازة درسا جامعيا إذا نجح فيه يحصل على لقب «العلاّمة» الذي كان يعني آنذاك الدكتور. وكان الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله مديرا للجامعة، ومعروفا بتعصبه لاستعمال اللغة العربية، ولا يقبل أن يتسرب إليها الدخيل من مفردات اللغات الأجنبية، وبالتالي عرض على المجلس الأعلى للجامعة أن لا يُطلَق على حامل الشهادة العليا لقب «الدكتور» بل مرادفه في العربية وهو لقب «العلاّمة»، في حين يُطلَق على من يحمل شهادة الإجازة لقب «العالم». وبذلك يصبح حامل الإجازة والدكتوراه معا «العالم العلامة» أي «الأستاذ الدكتور». ولأنني كنت المتفوق الأول في امتحان التخرج في الامتحانين الشفوي والكتابي للإجازة من شعبة الدراسات الإسلامية في الفقه والحديث وأصول الدين وما يتصل بها من علوم الشريعة، فإن الدرس الجامعي الذي ألقيته حضره السلطان محمد بن يوسف تكريما لأول فوج يتخرج من جامعة القرويين بعد نظام الإصلاح الذي أُدخِل على الجامعة بمقتضى ظهير (مرسوم ملكي) صادر عام .1930 وكان السلطان يتغيَّى من حضوره معرفة نتائج هذا الإصلاح وجَنْي ثمار ما زرعه باتخاذه مبادرة الإصلاح الذي انتزعه من الحماية الفرنسية. وتابع السلطان الدرس الجامعي الذي ألقيته وحضر أيضا وقائع الأسئلة والأجوبة في الحوار الذي أجرته معي اللجنة العلمية وحصلتُ بعده على نقطة (20 على 20) برتبة حسن جدا. وكانت اللجنة العلمية تأتلف من خمسة أساتذة وعلماء كانوا من بين قِمم العلم والمعرفة بالمغرب آنذاك. وجرت العادة قبل هذه السنة أن يوقع شهادات الجامعة رئيس الجامعة ووزير العدل في حكومة المخزن التي يرأسها السلطان. لكن السلطان محمد بن يوسف رحمه الله قال لهيأة الامتحان: «لا أريد أن يوقع شهادة هذا المتخرج المتفوق على قرنائه أحدٌ غيري». فوقع الشهادة وكتب عليها كلمة بخط يده جاء فيها: «الحمد لله.. سلمنا هذه الشهادة بيدنا الشريفة لصاحبها السيد عبد الهادي بوطالب مجازاة له على اجتهاده وتفوقه واعتناءً منا بالعلم الشريف». وكان الإمضاء «محمد بن يوسف أمير المؤمنين أعزه الله وأيده». وهذه الظاهرة لم يتقدم لها نظير ولم تتكرر لأي متخرج آخر فيما بعد. وإنني أحتفظ بهذه الشهادة العليا باعتزاز كبير كشهادة تاريخية لا نظير لها.

* بعد ذلك، أين مضت بك الأيام؟

ـ بعد تخرجي من القرويين، بدأت أعطي دروسا طوعية في جامعة القرويين. وهي دروس كانت مفتوحة في وجه العموم في إطار ما كان يسمى آنذاك بنظام «الحلقات» يحضرها مآت من سكان مدينة فاس من مختلف المستويات حيث توجد جامعة القرويين، يجيؤون إليها ويَتداعَوْن للحضور إليها ليستمعوا إلى أصغر أستاذ جامعي عرفته الجامعة. وكانوا منبهرين أن يكون في سني المبكرة. وكانت العادة أنه لا يقتعد كراسي العلم في القرويين إلا الكهول أو الشيوخ. وكنت أدرِّس كتاب «نور اليقين» للخضري في مادة السيرة النبوية.كنت أركِّز في درسي على ملاحم الإسلام الكبرى، وعلى غزوات الرسول الكريم وسيرته الطاهرة، وأُجلّي صور الصحابة الكبار كنماذج يُقتدَى بها. كما كنت أركِّز على استعداد المؤمنين في العهود الأولى للجهاد والفداء لنصرة المثل الإسلامية. واعتبرها الفرنسيون تعبئة للشعب للقيام بثورة ضدهم، فطلبوا مني أن أتوقف عن إلقاء تلك الدروس لكنني رفضت. وقال لي المراقب العسكري الفرنسي في فاس (الكومندان كوجيي) الذي استدعاني لمكتبه (وكان مساعدا للجنرال الحاكم الفرنسي العسكري الأعلى) مهدِّدا: «إذا لم توقف هذه الدروس فسيكون مصيرك مثل مصير علال الفاسي الذي كان يُلقي نفس الدروس في نفس المكان التي تدرِّس فيه، ويُدرِّس نفس الكتاب الذي تُدرِّس. وأنت تعرف أين يوجد الآن». وكان علال الفاسي رحمه الله آنذاك منفيا في الغابون منذ سنة .1937 فكان جوابي «لا شَبَه بيني وبين السيد علال الفاسي. فهو زعيم حزب سياسي وأنا عالم مرشد أقوم بشرح الدين الإسلامي وتاريخ الإسلام للمغاربة وأبث فيهم مبادئ التعلق بدينهم وتاريخهم ليس إلا».

* ماذا كان مصير هذه الدروس؟

ـ بعد أيام من توقيفي هذه الدروس بسبب عطلة عيد الفطر في أوائل يناير (كانون الثاني) 1943 بعث إليَّ السلطان محمد بن يوسف رسولا هو السيد محمد الغزاوي الذي كان يشرف على تصريف شؤون القصر الملكي بمدينة فاس وأخبرني أنني مدعو إلى القصر الملكي بالرباط ليستقبلني السلطان لأمر خاص. ورافقت الغزاوي إلى الرباط على متن سيارته التي كان يقودها وقال لي ونحن نقطع المسافة إنه لا يعلم أي شيء عن سبب دعوة السلطان لي. وعند وصولنا للقصر الملكي قال: «إن عليَّ أن أتوقف بمكتب وزير المعارف الحاج أحمد بركاش (وكان مكتبه بين «بنائق» الوزراء بمدخل القصر الملكي) فهو الذي سيرافقني إلى لقاء السلطان». وفعلا أخذني الوزير إلى قاعة العرش، حيث خلعنا في مدخلها الحذاء كما تقضي بذلك المراسم. ووجدت السلطان جالسا على عرشه وسُبْحته بين يديه وقد استقبلنا إثر صلاة المغرب. وعندما كنا نتخطى مدخل القاعة قال لي الوزير: «لاحظ كيف سأنحني أمام السلطان وكيف سأقبل يده لتفعل مثلما أفعل». وكان الأمر كذلك. فأشار إلينا السلطان بالجلوس على (السجاد) الزربية المبسوطة. ولم يكن آنذاك مسموحا بالجلوس أمام السلطان على الكراسي. وتلطف بي السلطان سائلا عن صحتي وأسرتي وكأنما لاحظ علي الدهشة فلكل داخلٍ دهشةٌ كما يقول المثل أو الحكمة. ودهشة الداخل لأول مرة للقصر السلطاني ومثوله بين يدي السلطان تفوق كل دهشة.

وفتح السلطان الحديث فقال لي: أريدك أن تنضم إلى أساتذة ولدي (سْمِيَّتْ سيدي) أي اسم سيدي. وهكذا كان القصر يتحدث عن ولي العهد مولاي الحسن لأنه يحمل اسم جده الحسن الأول (وسيدي تفيد معنى جدي في اللهجة المغربية). كما كان يُتحدَّث عن الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد بنفس الاسم، لأنه يحمل اسم الجد (محمد الخامس). وزاد يقول: «إنه ما زال يتذكر الدرس الذي ألقيته بين يديه يوم تخرجي من الجامعة، وأن ذلك هو ما جعله يقرر تسميتي أستاذا بالمعهد الملكي». وتمنى لي النجاح في مهمتي. وكانت هذه الالتفاتة الكريمة من لدن جلالته مفاجأة لي. لكن كان من شأنها أن تُحوِّل مجرى حياتي وتقلب ميزان حساباتي، حيث كنت قد بَرْمَجْتُ الالتحاق بالخارج للانتماء إلى إحدى الجامعات الفرنسية للتخصص. فغالبت نفسي وتجرأت على الاعتذار لجلالته عن قبول هذا المنصب مخبرا جلالته بالسبب لكنه ألح علي. وأضاف: «إن في المعهد الملكي أساتذة متخصصين في شتى شُعَب المعرفة يمكنك أن تستفيد منهم. وستقيم بداخلية المعهد بجانب ولدي، وسيكون لك الوقت لمتابعة دراستك العليا بالرباط من المعهد». وعندما لاحظ وزير المعارف ترددي وبدا عليَّ أني مشفق على نفسي من هذا التكليف الكبير صرخ الوزير في وجهي: «سيدنا نصره الله يكلفك وأنت تتردد. قُمْ (هكذا بصيغة الأمر) فلا يقبل الكرامةَ إلا الكريم». ووجدتُني أذعن لهذا القرار وأغادر صحبة وزير المعارف القصر لأتعرف لأول مرة على الأمير ولي العهد مولاي الحسن في المعهد المولوي. هكذا كان اسمه. فالمولى كان لقب السلطان بينما كان يطلق على نظام السلطان بالفرنسية اسم الأمبريالي أي الأمبراطوري وهو النعت الذي أُطلِق على المعهد بالفرنسية. وكان يقال عن أمبراطورية المغرب إنها الإيالة الشريفة. كنت شاهدت بعض صور ولي العهد قبل أن ألقاه، وتمَّ لقائي به في المعهد بعد صلاة المغرب في مسجد المعهد في ليلة 4 أكتوبر 1943 عندما قدمني إليه الوزير بركاش وجها لوجه. وقد أُعِدَّت لي غرفة بجوار الأمير أقمت فيها ما يزيد على سنتين. وكنت ألتقي معه على الغداء والعشاء وأرافقه ومعه أخوه الأمير عبد الله في رحلاته، ويأخذني رفقته في السيارة الملكية لصلاة الجمعة في موكب والده الرسمي. وأراجع معه دروسه العربية التي كان يلقيها أساتذة آخرون بالإضافة إلى التي كنت ألقنها إياه في قواعد اللغة العربية وتفسير القرآن ومادة تاريخ الإسلام وأحيانا تاريخ المغرب. آنذاك تخيلت أن السلطان محمدا بن يوسف بقي مُعجَبا بشكل الأداء الذي قدمت به أمامه وأمام لجنة العلماء درس التخرج من الجامعة. وهو الدرس الذي كان مصدر توقيعه بنفسه على شهادة تخرجي، وأنه بسبب ذلك نادى عليَّ للتدريس في المعهد المولوي. وبقيت أعتقد ذلك حتى وفاتِه رحمه الله. فهو لم يحدثني أبدا بالسر الذي كان وراء مناداته علي. وعلمت فيما بعد من جليسه وصهره الأمير مولاي الحسن بن إدريس السبب الحقيقي حينما سألني هذا الأمير ذات مرة: «هل تعرف لماذا التحقتَ بالمعهد المولوي آخرَ سنة 1943؟» فقلت «لا». فقال الأمير: «لقد جاء المستشار المخزني الفرنسي عند السلطان وأخبره أن سلطة الحماية قررت اعتقالك لأنك رفضت التوقف عن إلقاء الدروس الثورية في جامعة القرويين، وأنهم يخشون أن تثير هذه الدروس فتنة في مدينة فاس. فسألهم السلطان: «من هذا الذي تتحدثون عنه؟» فقالوا: «اسمه عبد الهادي بوطالب» فتذكرني وقال لهم: «لا تقبضوا عليه. سأكفيكم إياه وسآخذه إلى جانبي ولن يُشوِّش عليكم منذ الآن». هذه إذن بداية العلاقة بيني وبين القصر الملكي من خلال الحادثة التي حدثتك عنها ولم تكن لي يد فيها، ولكن الأقدار هي التي صنعتها.

* هل لكم أن تتحدثوا لنا عن المعهد الملكي ببعض التفاصيل؟

ـ كنت أحد أساتذة المعهد المولوي ولم أكن الأستاذ الوحيد فيه. فقد سبقني إليه أساتذة آخرون، منهم الحاج محمد باحنيني الذي أصبح بعد الاستقلال وزيرا للعدل وأمينا عاما للحكومة، والفقيه خليل الورزازي الذي كان يدرّس الفقه، ومحمد الفاسي، (أول وزير للتربية الوطنية في عهد الاستقلال) وكان آنذاك مديرا لجامعة القرويين وكان يدرِّس تاريخ المغرب، وعبد الرزاق البرنوسي الذي كان أستاذا للنحو والصرف، هذا إلى أساتذة التعليم الثانوي من الفرنسيين.

كان المعهد المولوي جزءا من القصر، وتابعا إداريا وماليا لإدارة المعارف أو إدارة التعليم العمومي التي كان يشرف عليها مدير عام فرنسي. والمعهد عبارة عن مدرسة فيها قسم ابتدائي كان يدرس فيه الأمير مولاي عبد الله الابن الأصغر للسلطان، وقسم ثانوي يدرس فيه الأمير ولي العهد مولاي الحسن. وكانا يقيمان في المعهد ويخضعان لنظام داخلي، رفقة 20 تلميذا مُنْتَقَيْن من مدارس المغرب من بين أكثر التلاميذ نجابة وأقواهم دراية وكفاءة، وينتمون إلى عامة الشعب، وفيهم من كان آباؤهم يتبوأون مناصب عليا في مدينة من المدن.

كان عدد التلاميذ 20 تلميذا بالإضافة إلى الأميرين: عشرة بكل قسم، يشرف عليهم ما يناهز 20 أستاذا. وانضممت إلى أساتذة القسم الثانوي لأساهم بتلقين المواد الدراسية التي أشرت إليها للأمير ولي العهد مولاي الحسن. ومنذ الوهلة الأولى كان الأمير بشوشا معي. ولاحظت أنه كان مرتاحا إلى أن أكون من بين أساتذته. وفعلا كان يعاملني كما لو كنت صديقا له أو مرشحا لأصبح صديقا له، بحكم أن فارق السن بيننا لم يكن كبيرا بينما كان الأساتذة الآخرون إما في آخر طور الشباب أو في الكهولة أو الشيخوخة.

وفي أول اتصال لي مع مدير المعهد الفرنسي السيد ديفال (أستاذ الفلسفة لكن لم يكن يعطي أي درس بالمعهد) وحضره الحاج أحمد بركاش رحمه الله عند وصولنا معا إلى المعهد إثر لقاء السلطان أخبرني المدير أن عليَّ أن ألقن قسم مولاي الحسن بعض المواد باللغة العربية، وأنني سأخضع بدوري لنظام داخلي مثل التلاميذ لأشرف على سير الحياة الخاصة للأميرين مولاي الحسن ومولاي عبد الله، وهو ما يسمى باللغة الفرنسية Percepteur وعلى واجبات ولي العهد ومراقبته عند القيام بواجباته الدراسية وهو ما يطلق عليه اسم المعيد repititeur أما المواد التي عُهد بها إليَّ فسألقيها برتبة أستاذ Professeur وعندما كان السلطان يخرج كل أسبوع لصلاة الجمعة في المسجد المجاور للقصر بحي تواركة كنت أرافق الأميرين على متن السيارة الملكية التي كانت تتبع مباشرة العربة الملكية. لقد شَغلت بالمعهد المولوي إذن عدة وظائف كنت فيها أقرب الأساتذة إلى ولي العهد وأخيه: وظيفة الأستاذ، ووظيفة المربي الملازم، ووظيفة المساعد الساهر على قيام ولي العهد بواجباته المدرسية. وبلغ مجموع الدروس التي كنت ألقيها 11 ساعة في الأسبوع، وشملت مواد تفسير القرآن وتاريخ الإسلام والنصوص العربية. وهي نصوص كنت أعالج فيها مع التلاميذ قواعد اللغة العربية من نحو وصرف وتركيب وإنشاء. وكنت أتناول الطعام غالب الأوقات مع التلميذ مولاي الحسن. واستمر الأمر كذلك أزيد من سنتين. من حسن حظي آنذاك أن السلطان كان يحضر بعض دروسي في تمام الثامنة صباحا. وكان يخرج راجلا من قصره الذي لا يبعد عن المعهد المولوي إلا حوالي 200 متر، يرافقه بعض أعوانه الخاصين. وعندما يدق الجرس الساعة الثامنة يكون حاضرا معنا في قاعة الدرس حيث يخصص له مقعد عادي ويتقدم الصفَّ الأول أمام التلاميذ.

وكان السلطان محمد بن يوسف قد هيأته الأقدار لتولي مقاليد العرش في سن مبكرة جدا. فعندما بويع كانت سنه 17 أو 18 سنة. وتلقى دروسه الأولية في القصر السلطاني. وهي دروس عربية دينية كانت تتخللها دروس مبادئ اللغة الفرنسية. وكان الفقيه المعمري هو الذي يلقنها له، وهو من أصل جزائري، وكان يشرف في عهد السلطان محمد بن يوسف على القصور السلطانية كما كان يتولى الترجمة عن السلطان وإليه أثناء الاستقبالات الرسمية التي كان السلطان يخص بها المقيمين العامين أو المستشار المخزني الفرنسي أو حينما يستقبل الزوار الأجانب. والمعمري كان وفيا للسلطان وأسرته. وظل السلطان متعلقا بالدراسة وحب المعرفة وفي شوق إلى تعميق الدراسة التي كان بدأها ولم يمهله تربع العرش مبكرا لمتابعتها.

إن عدم تمكنه من إتمام دراسته كان أحد الأسباب التي جعلته ينشئ لابنيه معهدا خاصا بقسميه الابتدائي (وكان يغشاه الأمير مولاي عبد الله) والثانوي (وكان يدرس فيه الأمير ولي العهد مولاي الحسن). وأظن أنه كان يرغب في أن يوفر ما افتقده لأبنائه، إذ كان يريد أن يكون ابناه الأميران مكتملي الدراسة بالغَيْن أعلى مستويات تحصيل المعرفة.

* كيف كنت تعامل الأمير ولي العهد مولاي الحسن؟ وهل كنت تتصرف معه كتلميذ عادي أم كأمير؟

ـ عندما التحقت بالمعهد المولوي في سني المبكرة كنت أحمل أفكارا حداثية وحتى ثورية. فقررت أن أعامل ولي العهد نفس معاملتي لبقية التلاميذ. وكانت العادة أنه إذا دخل ولي العهد إلى القسم يقف التلاميذ ويقف الأستاذ احتراما فقطعت هذه العادة فيما يخصني، وأمرت التلاميذ أن لا يقفوا له عند دخوله فهو في القسم تلميذ وخارج القسم أمير يُعامَل بما يليق بمقامه من تكريم تُراعى فيه البروتوكولات التقليدية. كنت أعامله معاملة التلميذ دون أن أُخِل باحترامه، لم يطلب مني قط أن أُطْلعه مثلا على مواضيع الامتحانات قبل مواعد إجرائها. ولم أكن أحابيه في النقط، إذ كان يأخذ النقط التي يستحقها. ولم يكن يأخذ دائما النقطة الأولى في دروسي. وهذا لا يمنع من القول إنه كانت له مؤهلات عجيبة وقدرة خارقة للعادة على امتلاك المعرفة والتحصيل. لذلك عندما كان يأخذ في امتحاناته عندي الرتبة الأولى ـ وما أكثر ما أخذها ـ كان يستحقها عن جدارة. لقد كان متوقد الذكاء حريصا على التعلم، مثابرا على العمل الدراسي. وكانت له ميول أدبية أكثر من ميوله الرياضية. ولذلك كان متفوقا في الأدب الفرنسي والأدب العربي والجغرافية والتاريخ وغيرها من المواد الأدبية أكثر مما كان متفوقا في دروس الرياضيات والهندسة.

كان إذا تأخر ـ وقلَّما كان يقع ذلك ـ عن الحضور إلى المدرسة بـ10 دقائق أو 15 دقيقة فلأنه كان له عمل مع أبيه. وأغلبية الأساتذة كانوا ينتظرونه حتى يصل. أما أنا فلم أكن أنتظر معتبرا أنه تلميذ. وكل ذلك يتم في جو من الاحترام وإعطاء التلميذ مكانته كأمير وكولي عهد المغرب. ولكني لم أكن أخلط بين المهمتين أو بين الدورين. فدوري كان هو أن يحس الأمير أنه أمام أستاذ يقوم بعمله بروح وضمير المهنة. وأستطيع أن أقول إنني اكتسبت في هذا الجو صداقته من جهة وهيبة واحتراما لشخصي عنده من جهة أخرى. وظل هذا الاحترام يسود علاقاتنا إلى أن تركت العمل معه بالقصر الملكي مستشارا لجلالته ثلاث سنوات قبل وفاته رحمه الله. لقد كان ذكيا إلى درجة أن بعض الأساتذة الذين كانوا يَتملَّقونه أو يتساهلون في التعامل معه لم يكن يضمر لهم الاحترام. وبذلك كان يفرق بين أساتذته الجادّين الذين كانوا يعاملونه معاملة التلميذ ويقومون بواجبهم المهني متجرِّدين عن كل اعتبار آخر وبين المتساهلين.

* قلتم إنه كان يتم اختيار 10 تلاميذ من خيرة نجباء أبناء المغرب في كلٍّ من قسمي المعهد المولوي. لماذا 10 تلاميذ؟

ـ كان السلطان محمد بن يوسف يؤمن بضرورة تنافس التلاميذ بعضهم مع بعض ليدرسوا بجدية. لذلك حرص على أن يرافق ابنَه قرناء في سنه ومستواه من المتفوقين في مدارسهم ليتم هذا التنافس. فيهم من جاء من البوادي والجبال، وفيهم من كان آباؤهم قُوَّادا أو باشوات (القائد حاكم القرية والباشا حاكم المدينة)، وفيهم من كانوا ينتمون إلى الأسرةِ العلوية أسرةِ السلطان. كان من بين التلاميذ عبد الله غرنيط (مراكش)، وأصبح فيما بعد وزيرا في عهد الملك الحسن الثاني، والأمير مولاي يوسف (ابن أخ السلطان محمد بن يوسف الأمير مولاي إدريس خليفته على مدينة مراكش). وكان هناك آخرون من عامة الشعب. كما التحق بالمعهد المولوي في آخر مرحلة دراسة الأمير الثانوية رفيقا لولي العهد التلميذ أحمد عصمان الذي جاء من وجدة (شرق المغرب) وكان من بين تلاميذي في السنة الأخيرة التي تنتهي فيها الدراسة الثانوية بالمعهد. وهو اليوم زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار. وتولى منصبي الوزير الأول ورئيس البرلمان. وكان النظام المتبع آنذاك هو نظام البكالوريا على سنتين. وعصمان التحق في السنة الثانية من البكالوريا، وبقي ملازما لولي العهد عندما التحق بالجامعة وأصبح من أصدقائه المخلصين. وبيني وبينه اليوم صلات مودة وتقدير مشتركة.

المهم أنه كان هناك تنويع ولكن كانت هناك أيضا وحدة المقاييس، أي أن يكون التلميذ نجيبا متفوقا حتى يتنافس ولي العهد مع من يضاهونه على أن يكونوا في نفس السن. إذن، المعهد الملكي كان من جهة نخبويا لأنه معهد أمراء، ومن جهة ثانية شعبيا لأن المرافقين للأمراء كانوا من أبناء الشعب. وكان القصد من هذا المزج هو تربية الأمراء تربية شعبية.

* هل لك أن تحدثني عن الأسماء الأخرى التي درست مع ولي العهد؟

ـ كان من بين التلاميذ أيضا مولاي سلامة بن زيدان وكان والده مؤرخا وصاحب مؤلفات مشهورة خاصة في تاريخ الدولة العلوية وكان يُعتبر مؤرخ القصر الملكي دون أن يحمل هذا اللقب رسميا، وعبد السلام برشيد وكان والده قائدا في برشيد (محافظة سطات)، ومحمد حاجي (أصله من منطقة حاحا، ووالده أيضا كان قائدا في محافظة سطات)، وعبد الحفيظ القادري الذي كان من صميم الشعب وعمل في عدة وظائف سامية في عهد الملك الحسن الثاني.

* هل سبق أن وقع لك احتكاك مع التلميذ الأمير أثناء إلقائك الدرس؟

ـ الدرس لا يكون فيه احتكاك. لقد كنا نقضي طول اليوم في المعهد. وحتى عندما كان يتفرغ لمراجعة دروسه كنت قريبا منه للمراقبة والمساعدة. ولم يكن هناك قط احتكاك بل كانت علاقتنا دائما طيبة جدا.

* قال الملك الحسن الثاني في كتابه «ذاكرة ملك» إنه إلى حدود العاشرة أو الثانية عشرة من عمره تلقى ضربات بالعصا. وكان يسعده أن يتلقاها من أبيه لا من غيره. هل سبق لك أن ضربته بالعصا أو كدت تفعل ذلك؟

ـ عندما كان الأمير مولاي الحسن في العاشرة من عمره لم أكن أنا قد التحقت بالمعهد المولوي. وعندما كان في العاشرة من عمره لم يكن المعهد نفسه موجودا. وربما حدث ما قاله داخل القصر الملكي. وتأديب الأطفال من لدن فقيه الكُتَّاب كان تقليدا متبعا. ومما أُثِر عن الرسول عليه السلام أنه أوصى بتربية الأولاد البالغين سبع سنوات على الصلاة وضرْب البالغين عشر سنوات إذا تركوها. والمراد بالضرب الذي لا يكون مبرحا ومؤذيا ويعطي به المربي فقط المثال للصبي حتى يشعر أن لوالده أو الفقيه مربيه سلطة عليه. وربما تعرض الأمير للضرب بالعصا عند الفقيه في المسيد (الكُتَّاب) الذي كان في القصر، شأنه في ذلك شأن تلاميذ عصره.

* هل كان الأمير حريصا على إنجاز واجباته الدراسية في الوقت المطلوب؟

ـ هذا مؤكد. لأنه كان يفهم لماذا هو محاط بتلاميذ آخرين. وكان بالتالي يريد أن يتغلب في منافستهم عن استحقاق وجدارة. وأذكر أنه كان أقوى التلاميذ تألقا من حيث الحفظ. فقوة الذاكرة أو «الحافظة» عنده كانت تغلب عليه، إذ يكفيه أن يسمع جملة أو شعرا أو حتى نصا أدبيا ليعي ما يسمعه بسرعة ويحتفظ به بذاكرته. وعند الاقتضاء يستعرض عن ظهر قلب مخزون ذاكرته، هذه الذاكرة بهذا المعنى هي التي تُسمى في اللغة العربية الحافظة، وهو تعبير تنفرد به اللغة العربية. فاللغات الأخرى لا يوجد بها إلا تعبير الذاكرة memoire بالفرنسية أو Memory بالإنجليزية.

* من كان أقرب زملائه في المعهد الملكي حميمية إليه؟

ـ جميع الذين كان يزاملهم ويتعايشون معه كانوا يقدرونه ويتفاهمون معه. الجو في المعهد لم يكن جو مشاكسة أو خصام. ولا أعلم أنه وقعت له مشادة أو خصومة مع أحد زملائه. فقد كانوا يعيشون في المعهد كأسرة واحدة.

* هل كان الأمير صبورا؟

ـ نعم كان صبورا وذا قدرة خارقة على التحمل، وإلى جانب ذلك كانت له قدرة المثابرة. وكان يرغب في أن ينظر إليه زملاؤه على أنه يستحق الإمارة، ويعمل كل شيء من أجل ذلك. كان عليه أن ينال رضى والده لأنه كان يعلم أن والده لن يرضى عنه إلا إذا كان مثالا وقدوة. فوالده بقدر ما فتح المجال للتلاميذ العشرة الآخرين لخوض التنافس مع الأمير كان يريده أن يكون أحسنهم، لأنه مهيأ لغير ما هم مهيؤون له، أي خلافة والده وتَسلُّم مقاليد حكم المغرب. لذلك كان يحرص على إعطائه التربية الحسنة التي يتأهل بها للقيام بدوره كمساعد وخلف لأبيه. وكان الأمير يبذل الجهد الكبير ليكون أهلا لهذه الثقة مستجيبا لتطلع والده ونظرته إليه.

* يقال إن الأمير مولاي الحسن كان في بداية شبابه غَضوبا؟

ـ لم يكن غضوبا أمام أبيه أو أمام أساتذته بقدر ما كان في جميع أحواله قوي الشكيمة، شديد المراس، لا يمكن تطويعه بسهولة. كان متخلقا بالأخلاق التي يجب أن يكون عليها الأمير. وكان يعامل زملاءه معاملة طيبة، يعطف عليهم ويُهدي لهم ويُدلِّلهم. وخلال الدرس كان مثال المنسجِم المنتظِم الذي لا تصدر منه أية بادرة سوء في حق هذا التلميذ أو ذاك. أما من تحدثوا عنه بأنه كان شديد الغضب فإنهم لم يفرقوا بين قوة شكيمته وبين اعتزازه بنفسه وحرصه على أن يعطي عن نفسه مثال الرجل الكامل.

* ما هي الكتب التي كان يقرأها أثناء دراسته في المعهد؟

ـ لقد كان يميل إلى مطالعة الكتب الأدبية، وتَلَذُّ له قراءة التاريخ والأدب باللغتين العربية والفرنسية، ويستظهر ما وسعه جهده من الشعر باللغتين، ويردد ما يسمع من معلقات الشعر الجاهلي والشعر الأندلسي الذي حببه إليه محمد باحنيني أستاذه في الأدب العربي. وكان باحنيني شغوفا بشعر ابن زيدون وما قاله في حق حبيبته ولاَّدة بنت المستكفي. وكان الأمير مولاي الحسن يردد ما يسمعه من أستاذه بإعجاب ويحفظ أشعار ابن زيدون ويطرب لها. أما الأستاذ باحنيني فكان له تضلع في الأدب العربي بالرغم من أنه تخصص في الحقوق ودرس باللغة الفرنسية، لكنه أصبح متبحرا في اللغة العربية لدرجة أنه كان يكتب العربية بأساليب أدباء العرب في القرون القديمة، إذ تأثر بكتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي وبالأغاني للأصبهاني وغيرهما. ولعلك إذا قرأت خطب العرش الأولى التي كان يكتبها للسلطان محمد بن يوسف وفيما بعدُ للملك الحسن الثاني لوجدتها من حيث السجع والتطريز الأدبي من نوع الأدب العربي القديم. وكان يستعمل المثلَّثات، أي يكرر الجملة الواحدة بثلاث صيغ. وطريقة الأداء اللغوي هذه كانت تدل على تَبحُّر صاحبها في فنون الأدب والنثر مما تصعب محاكاته وفي غالب الأحيان تعسر ترجمته إلى لغة أخرى.

* يُنسب إلى المهدي بن بركة قوله إن الأمير مولاي الحسن كان مهتما أكثر بقراءة كتاب «الأمير» لمكيافلي. ما تعليقك؟

ـ أولا، أنا لا أعلم ما إذا كان الأمير مولاي الحسن قد قرأ هذا الكتاب أو لم يقرأه. وإذا كان قرأه فربما كما قرأ العديد من الكتب الأخرى. ولا أدري ما اذا كان ابن بركة يقصد بذلك إن صح ما قلتَه عنه. وإذا كان هذا الذي نُسب إليه صحيحا وكان المراد منه نعت الأمير بالمكيافلي فهذا استنتاج غير دقيق. فليس كل من قرأ كتاب الأمير يصبح مكيافلي النزعة.

* كان بن بركة زميلا لك في المعهد المولوي. فما هو الفرق الذي لمسته بين بن بركة مدرس الرياضيات، وبن بركة الخصم السياسي ثم الحليف داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟

ـ زمالتي مع بن بركة في المعهد لم تطل أكثر من ثلاثة أشهر. وكانت بيننا علاقة رجلين ينتميان إلى حزبين مشاكسين، ويُعرَف عن كل واحد منا أنه متعصب لحزبه. وماضينا مطبوع بالتجاذبات السياسية، ولكننا تعايشنا أثناء تزاملنا بالمعهد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال