الخميـس 21 صفـر 1424 هـ 24 ابريل 2003 العدد 8913
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حزب إسلامي سني يظهر في الموصل بعد سنوات من القمع خلال حكم صدام

الموصل: ديفيد رودي *
انبرى مشعل شهاب أحمد، المواطن العراقي الذي كان قد اشترك في الحرب العراقية ـ الإيرانية، بعد طول انتظار، منطلقا من مسجد الحي الذي يقطنه، وقد بدت على ملامحه علامات الحرية. فبعد أعوام طويلة من القمع ها هو، مشعل، 40 عاما، يطلق العنان للحيته تعبيرا عن تمسكه بالإسلام. خلال سنوات صدام حسين، لم يجرؤ مشعل، كما قال، على إطلاق لحيته. وقد استجوبته الشرطة السرية مرتين واعتقلته بشبهة الأصولية. إما في ظل الإدارة الأميركية المؤقتة، فقد بات حرا في ممارسة شعائر دينه كما يحلو له. لكن استفادته من اجواء الحرية قد لا تتطابق مع ما يتوقعه الأميركيون، حيث أوضح قائلا: «ديمقراطيتنا ليست كديمقراطيتكم. فنحن نريد أن يحكمنا القرآن الكريم».

مشعل، وهو مسلم سني، ليس الوحيد في الموصل. فالحديث يدور في هذه المدينة حول تأسيس قانون إسلامي. وقد ظهر مجددا تنظيم سياسي يدعو لإقامة نظام إسلامي من خلال العملية الانتخابية. لكن بعد عقود من النظام المستبد، هناك أيضا شعور عام قد يقضي على الاتجاه نحو الأصولية. ويبدو إن هناك حالة من فقدان الثقة، التي عبر عنها مشعل وآخرون، في أي حزب سياسي قد يسعى لفرض أسلوب معين من العيش والعمل والعبادة، على الناس. هذا التنظيم السياسي الجديد هو الحزب الإسلامي العراقي، وهو تنظيم إسلامي سني أعيد تأسيسه مؤخرا بعد حظر استمر عدة عقود من الزمن. وعلى بعد بضعة أميال من مسجد الحي الذي يقطنه مشعل، بدا أنصار الحزب منهمكين في توزيع مطبوعات تدعو إلى إقامة نظام إسلامي بوسائل سلمية. فبرنامج التنظيم يعارض اللجوء للعنف ويدعم ديمقراطية تعدد الأحزاب، لكنه يريد تشكيل حكومة إسلامية في العراق. وقال إدريس الحاج داوود، أحد قادة الحزب: «الاسلام أسلوب حياة. وتنظيم هذه الحياة سيتطلب قانونا أساسه الإسلام».

مسؤولون أميركيون قالوا إنهم مدركون للأنشطة الإسلامية وليس لديهم خطط لإعاقتها. لكنهم أعربوا عن أملهم في التقليل من أهمية هذه الأنشطة بتوفير فرص العمل والاستقرار وحرية التعبير. وأوضح مسؤول أميركي اشترط عدم ذكر اسمه: «لا بد أن يعي المرء ان هذا الأمر يحمل في طياته شيئا من الحداثة. وهي مسألة قد تهدأ مع الوقت». وتوقع هذا المسؤول أن تستقطب الحكومة العلمانية اهتمام العراقيين متى ما قدمت لهم الرخاء.

لبعض الوقت، يمضي هذا الحزب الإسلامي في اتجاه الأحزاب السياسية الإسلامية المعتدلة الموجودة في مصر وباكستان. وباعتبارهم يؤدون واجبا دينيا كما انهم اداة تجنيد، يقوم أعضاء الحزب بجملة من المهام الخيرية. فخلال الأيام العشرة الماضية، افتتحوا عددا محدودا من العيادات الطبية، ونظموا حملات مراقبة للتصدي لأعمال النهب، واشتركوا في توزيع التبرعات للفقراء والمستشفيات. وقد تمكن هذا الحزب، في مدينة الموصل، التي ما زالت تعاني من شحة الوقود وما زالت الطاقة الكهربائية والمياة النقية غير متوفرة بالشكل المطلوب، بعد عشرة أيام من انقطاعها، من أن يصبح مركزا للدقة. فقد سيطر على المكاتب السابقة التابعة للجنة العراقية الأولمبية، التي كانت تمثل رمزا للحكومة، والتي كان نجل صدام حسين الأكبر، عدي، يرأسها. في الطابق الأرضي، يرتدي موظف الاستقبال معطفا وربطة عنق وبطاقة هوية أعدت حديثا. أما في الطابق الثاني، فقد تجمع الشباب من الرجال أمام آلات الكومبيوتر والطابعات وآلة النسخ التي تبرع بها رجل أعمال من المنطقة، وهم يعدون المطبوعات. وجميع مقابلات الدكتور داوود يتم تسجيلها بالصوت والصورة بواسطة أحد مساعديه الذين يستخدمون آلة تصوير رقمية جديدة من نوع سوني.

وقد قال مسؤولو الحزب إنهم حصلوا على المال من تبرعات رجال الأعمال في المنطقة وان لا شيء منها أتى من خارج العراق. يقول الدكتور داوود إن الحزب تأسس عام 1960 لكن الحاكم العسكري للعراق حينئذ قرر حظر نشاطه. وقد اضطر العديد من أعضاء الحزب للفرار، لكن الدكتور داوود، وهو طبيب ملتح، 68 عاما، بقي في البلاد وواصل العمل السري في الموصل، كما قال. وقلل الدكتور داوود من أهمية تركيز صدام حسين على الإسلام خلال السنوات الأخيرة، معتبرا ان ذلك كان مسعى بذله حاكم ضعيف لاستغلال الإسلام. فقد واصلت المساجد غلق أبوابها بعد نصف ساعة من أداء الصلاة، كما قال، من أجل منع الناس كما يبدو من العبادة. وأضاف ان أعضاء حزب البعث واصلوا مراقبة المصلين، وفرضوا عليهم الدعاء لصدام إجباريا خلال كل صلاة.

وبينما مرت قافلة من عربات الفرقة 101 المحمولة جوا والتابعة للجيش الأميركي، أمام مكتب الحزب الإسلامي، صباح اول من امس، لم يخف أعضاء الحزب شعورهم بالمرارة لوجود الأميركيين. حيث قال محمد عبد الله حسن، رجل الأعمال، 37 عاما، وعضو الحزب: «إنهم محتلون. الأميركيون يحتلوننا الآن. وهذه حقيقة».

في تلك اللحظة لاحظ جندي أميركي عابر وجود حارس أمام مكتب الحزب وهو يحمل رشاشا آليا مشحونا بالذخيرة من نوع كلاشنيكوف. ومع تحليق مروحيتين في أجواء المنطقة، اقترب الجندي من الحارس وطلب منه الدخول إلى المبنى بعيدا عن موقع يمكنه من إطلاق النار باتجاه القوات الأميركية.

وفي تلك اللحظة، قال الرجال الموجودون داخل مقر الحزب إن الأميركيين يستفزونهم بهذه الإجراءات. وفي الجانب الآخر من المدينة حيث المسجد الذي اعتاد مشعل التردد عليه، استمعنا إلى آراء متشددة حول الولايات المتحدة. فقد قال محمد هاشم، وهو سائق سيارة أجرة: «لقد أصبحنا الآن كالفلسطينيين الذين يحتلهم الإسرائيليون».

لكنه ومشعل وآخرين في المسجد لم يقبلوا تأسيس حزب إسلامي، أو أي حزب سياسي لنفس الغرض، موضحين الصعوبات التي قد يواجهها الأصوليون هنا. وانتقد مشعل أية أحزاب دينية تلجأ إلى العنف، وقال إنه بإمكان المسلمين التعايش مع المسيحيين واليهود وأتباع الديانات الأخرى. وعندما سألناه عن الحزب الإسلامي هز رأسه وقال إنه يخشى من أن يستغل السياسيون الدين لأهداف شخصية، كما فعل صدام حسين. واستطرد موضحا: «إذا ما اردت عبادة الله بشكل نزيه، لا يمكنك تحويل الدين إلى قضية سياسية».

* خدمة «نيويورك تايمز» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال