الاحـد 09 ربيـع الاول 1424 هـ 11 مايو 2003 العدد 8930
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مسؤول في المتحف العراقي لـ«الشرق الأوسط»: الأميركيون يعرضون علينا المال للسكوت على السرقات

العراق لم يسرق متحف الكويت في حرب الخليج الثانية ولدينا وثائق من الأمم المتحدة تثبت ذلك

لندن: وحيدة المقدادي
لم يترك ما ادلى به الدكتور جون كيرتيس مدير قسم الشرق الادنى في المتحف البريطاني، الذي عاد من بغداد بصحبة زميله الدكتور دوني جورج مدير الابحاث في المتحف العراقي، أمام المئات من الصحافيين وعلماء الاثار في المتحف البريطاني، مجالاً للشك في ان القوات الاميركية تعمدت تعريض المتحف العراقي للنهب. بل ربما عملت على حراسة اللصوص وهم يقومون بالجريمة. واصبح السؤال هو: هل كان لدى القوات الأميركية أوامر بتحاشي حماية المتحف؟

حرص الدكتور دوني جورج على ان لا يوجه من لندن اتهاماً مباشراً للقوات الاميركية بالتواطؤ. الا ان اسئلة الصحافيين في اللقاء الذي حضرته «الشرق الأوسط» واستنطاقهم له وتسلسل الاحداث، كشف طبيعة الدور الاميركي. فالقوات الاميركية كانت تقف على بعد 60 متراً.. وحدثت عمليات نهب وحرق لمؤسسات مجاورة مهمة مثل وزارة الخارجية ووزارة الاسكان.

ويوم الثلاثاء 8/4 اقتربت الدبابات الاميركية من المتحف في اليمين واليسار. وقفزت بعض عناصر المليشيات الى حديقة المتحف وصارت تصوب رصاصها نحو الدبابات الاميركية. فغادر الموظفون وبقي الحارس محسن كاظم. في يوم الخميس 10/4، بعد يوم من اسقاط تمثال صدام حسين، تجمهرت جماعات من اللصوص خارج المتحف، فذهب الحارس الى القوات الاميركية ورجاهم ارسال حماية للمتحف الا ان مترجمهم الذي كان يتحدث بلهجة خليجية قال له: «يقولون انه ليست لديهم اوامر بحماية المتحف»، بينما قال اللصوص للجنود الاميركيين ان الحارس من «فدائيي صدام».. وحرضوهم على قتله.

وقال الدكتور جورج ـ وهو عراقي مسيحي من مواليد الحبانية ـ مخاطباً الحضور الصحافي في المتحف البريطاني بلندن: «سمعنا من الاخبار ان المتحف سرق.. فذهبنا انا والدكتور جابر خليل مدير دائرة التراث الى مركز المارينز، وتحدثنا الى الكولونيل زاركون وطلبنا ارسال حراسة الى المتحف حفاظاً على ما تبقى من موجوداته فقال لنا اذهبوا وستلحق بكم الحماية، فعدنا لكنهم لم يأتوا... كان هذا يوم الاحد 13 /4، وبقينا ننتظر حتى وصلت الحماية يوم الأربعاء».

وذكر الدكتور جورج الحضور بأن القوات الاميركية كرست وزارة النفط منذ اول يوم دخلت فيه بغداد. واشار الى ان الادارة الاميركية كانت لديها خرائط ورسائل من اليونسكو وعلماء الاثار المختصين بوادي الرافدين في الجامعات الاميركية تناشدها حماية المواقع الاثرية. وتابع جورج: «حدود العراق كانت مفتوحة طوال الحرب وحتى لحظة قدومنا الى لندن. وعندما وصلنا الحدود العراقية اكتفى الجنود الاميركيون بالنظر الى الجوازات، واحد عراقي وواحد بريطاني، من دون وضع تأشيرة او تفتيش الحقائب.. السيطرة الاميركية كانت صفراً.. لكن الاردنيين كانوا اكثر تشدداً. اذ فتشوا حقائبنا واخبرونا بعدما عرفوا هوياتنا انهم ضبطوا 12 شخصاً، وهؤلاء كان يفترض ان يضبطهم الجنود الاميركيون على الحدود العراقية..». واردف «بعض القطع الاثرية واللوحات سرقها صحافيون اميركيون ولقد سلمنا ممثلين عن الجنرال تومي فرانكس صوراً لهذه المسروقات».

رداً على استفسار عن هويات هؤلاء اللصوص قال دوني جورج: «نعتقد انه كان هناك نوعان من اللصوص. النوع الأول جاء ليأخذ اي شيء ذي قيمة حتى الكومبيوترات والاثاث.. وهؤلاء بدأ بعضهم بإعادة المسروقات بعدما ناشدناهم من خلال المساجد والاذاعة وبالفعل استعدنا قطعاً مهمة جداً بعضها عاجية أو ذهبية، منها اناء سومري من الوركاء (5000 ق.م) يصور الحياة الزراعية في بلاد سومر. وجاءنا ايضاً مواطنون يحملون قطعاً كانوا قد احتفظوا بها لحمايتها من اللصوص.

أما النوع الثاني من اللصوص فنعتقد انهم عصابات دولية محترفة وخبيرة في الآثار بدليل انهم لم يأخذوا النسخ الجبسية... لأنهم يميزون القطع الأصلية عن انساخها. ولقد وجدنا في الحديقة كومة مفاتيح غير مفاتيحنا... ووجدنا ايضاً اربع سكاكين خاصة بقطع الزجاج (وعرض الدكتور جورج احدى هذه السكاكين على الحضور). لقد اخترقوا 120 غرفة في المتحف وهشموها، وبعثروا ومزقوا الوثائق والسلايدات الخاصة بالارشيف وهؤلاء هم الذين هربوا المسروقات الى الخارج».ورداً على سؤال لمراسل صحيفة الـ «نيويورك تايمز» حول ما اذا كانت الجماعات الصدامية قد نهبت المتحف، اجاب الدكتور جورج: «صدام حسين كان مهتماً بحماية التراث والمتاحف. واذكر لكم مثلاً انه عندما قامت مجموعة من اللصوص بقطع وسرقة رأس ملك آشوري في احد متاحف الموصل، أمر بأن تقطع رؤوس اللصوص بنفس الآلة التي استخدموها».

* تفجير المتحف

* ثم تكلم الدكتور جون كيرتيس مسؤول قسم الشرق الأدنى في المتحف البريطاني فقال «وجدنا ان اللصوص جمعوا القاصات في مكان واحد وهذا يوحي بأنهم كانوا يريدون تفجير المتحف. سنحتاج الى ما لا يقل عن ستة اشهر لتقييم حجم الاضرار ورصد المسروقات. نواجه صعوبة كبيرة لعدم وجود كومبيوترات وتقطع التيار الكهربائي». من ناحية اخرى، قالت وزيرة الثقافة البريطانية تيسا جاويل رداً على سؤال مراسل برنامج «نيوز نايت» الذي يقدمه جيريمي باكسمان من قناة «البي بي. سي الثانية» حول ما اذا كانت مستعدة لتحمل بعض مسؤولية ما حدث للمتحف. قالت الوزيرة «لقد تناقشت مع وزير الدفاع جيف هون ونحن متفقان على ان قوات التحالف تتحمل المسؤولية». واضافت «ان العالم والعراق اصبحا افقر بضياع هذه الآثار». الا ان مراسل مجلة «در شبيغل» الالمانية هزأ من كلام الوزيرة البريطانية واطلق ضحكة مسموعة في القاعة. وقال لـ «الشرق الأوسط» لاحقاً «ان هؤلاء الناس يبكون على المتحف الآن مع انه كان بايديهم حمايته» في حين ذكر الدكتور منير بوشناقي ممثل اليونيسكو انه سيجتمع مع كوفي انان الامين العام للأمم المتحدة بهدف وضع اجراءات تمنع استيراد القطع العراقية.

* كلام ماغريغور

* ثم وجهت «الشرق الأوسط» خارج المؤتمر سؤالاً الى البروفيسور نيل ماغريغور مدير المتحف البريطاني حول مصير الرسائل التي وجهها المتحف الى وزارة الدفاع البريطانية لحماية المواقع الاثرية في العراق، اجاب: «وجهنا اكثر من رسالة قبل الحرب وخلال الحرب. ومهمتكم كإعلاميين ان تكشفوا لماذا لم تأخذ القوات الاميركية في بغداد بهذه الرسائل..». ثم اضاف: «المهمة امامنا كبيرة ونحتاج الى ستة اشهر لتقدير حجم الكارثة». هل سرق العراق متحف الكويت؟

بعدها التقينا بالدكتور دوني جورج قبل ان يغادر لندن عائداً الى بغداد وسألناه عما تردد عن ان سرقة المتحف العراقي جاءت «رداً» على سرقة عراقيين متحف الكويت في حرب الخليج الثانية، فأجاب: «العراق لم يسرق ابداً متحف الكويت. العراق كان بلداً محتلاً، والمعاهدات الدولية تنص على ان من مسؤولية البلد المحتل حماية المواقع الأثرية والمتاحف. وبناء على ذلك قمنا بإخلاء متحف الكويت واخذنا المحتويات الى بغداد. وبعد انتهاء الحرب أعدناها الى الكويت كاملة وتم هذا بإشراف الأمم المتحدة». واضاف: «لقد اشرفت شخصياً على اعادتها الى الكويت، ولدينا وثائق موقعة من الامم المتحدة ومن الدكتور مؤيد سعيد المدير السابق للمتحف العراقي. لقد اعدنا حوالي 25 الف قطعة مشتراة من المزادات العالمية، وتمثل مختلف مناطق العالم، وكان بينها خزفيات عراقية من مدينة سامراء الاثرية».

وحول مسؤولية القوات الاميركية بالنسبة لما حدث للمتحف العراقي اوضح جورج: «لدينا معلومات دقيقة من مواطنين عراقيين كانوا قد شاهدوا القوات الاميركية وهي تفتح ابواب اللجنة الأولمبية (التي يرأسها عدي صدام حسين) وبعض القصور وتسمح للصوص بدخولها. نحن لا نستبعد ابداً ان تكون هناك جماعات منظمة جاءت من الخارج بهدف النهب وقد تركت القوات الاميركية الحدود مفتوحة لتسهيل مهمة اللصوص في تهريب المسروقات. ونحن لا نستغرب تجاهل القوات الاميركية استغاثتنا بها لحماية المتحف قبل الحادث وبعده، ونتساءل هل كانت لديها اوامر بعدم حماية المتحف ولكن حتى لو لم نكن استغثنا بها فهذه القوات مسؤولة عن حماية المواقع الاثرية طبقا لمعاهدة جنيف الرابعة ومعاهدة لاهاي اللتين تنصان على واجب القوات المحتلة في حماية المواقع الاثرية، خصوصاً انه لم تكن هناك سلطة عراقية». واوضح جورج انه عندما تأخرت القوات الاميركية في الوصول الى المتحف اضطر الى العودة الى «فندق فلسطين» واستخدم هاتفاً فضائياً تابعاً للقناة التلفزيونية البريطانية الرابعة واتصل بزميله الدكتور كيرتيس في المتحف البريطاني الذي تحدث الى مدير المتحف البروفيسور ماغريغور ويبدو ان ماغريغور اجرى اتصالات على مستوى عال، فجاءت الحماية الاميركية للمتحف ولكن بعد مرور اربعة ايام. واختتم الدكتور جورج كلامه لـ«الشرق الأوسط» بالقول «ان مسؤولاً ثقافياً اميركياً كان قد جاء مع الجنرال جاي غارنر الى بغداد اصبح يزور المتحف يومياً ويبدي استعداده لتقديم ما نطلبه من مال لكي نسكت على الفضيحة». واردف «ان كل ما نطلبه من اميركا هو استخدام نفوذها الدولي لاعادة الاثار الى المتحف، فالآثار المسروقة اكثر من المحطمة.. ولهذه الاثار قيمة انسانية وتاريخية لانها تؤرخ لنصف مليون سنة من حياة البشرية».

* معلومات عن المتحف العراقي

* بدأ الفرنسيون التنقيب العشوائي في العراق في حوالي عام 1840 وتبعهم الانجليز. الا ان الالمان بدأوا التنقيب العلمي المنظم في حوالي 1902.

* أسس المتحف العراقي عام 1923 بمبادرة من غيرترود بل «الخاتون» مستشارة الحكومة البريطانية في بغداد التي كانت على علاقات واسعة بالعشائر العراقية ودفنت في بغداد.

* يحتوي المتحف العراقي على اثار سابقة للحضارات السومرية والبابلية والاشورية، تعود لفترة ما قبل التاريخ، وتصور تطور الانسان من الكهوف، الى السهول، الى الاستيطان، فالزراعة، فابتكار الفخار والتعدين حيث توجد آلات واوان وعظام تؤرخ لنصف مليون سنة.

* يحتوي المتحف البريطاني على اكبر مجموعة من المنحوتات الجدارية الاشورية، بينما يحتوي متحف اللوفر الفرنسي على آثار سومرية من مدن لكَش (لغش) وتل اللوح، منها تمثال الملك السومري غوديا والواح الكتابة المسمارية السومرية، واثار بابلية مثل مسلة حمورابي الشهيرة التي تمثل اول قانون مدون.

* يحتوي متحف برلين على اول اشكال الكتابة التي عرفها الانسان وهي الكتابة الصورية السابقة للكتابة المسمارية. وهي مدونة في رقم طينية عثر عليها في مدينة الوركاء السومرية.

* توجه الى بغداد بعد الاعتداء على المتحف العراقي ستة اثاريين بريطانيين في حملة صيانة يقودها المتحف البريطاني واليونيسكو وبدعم من متاحف روسيا وايطاليا وسويسرا وفرنسا والمانيا.

* يرأس الدكتور جابر خليل دائرة التراث والاثار التي ينتمي اليها المتحف العراقي الذي ترأسه الدكتورة نوالة المتولي. ويرأس الدكتور دوني جورج دائرة الابحاث والنشر في المتحف.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال