الاربعـاء 08 شـوال 1424 هـ 3 ديسمبر 2003 العدد 9136
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

صدام حسين: حزب البعث جاء إلى العراق ليحكم 300 سنة

صدام يقرر الاحتفاظ بحصة كولبنكيان (5%) من عائدات النفط المؤمم بحساب خاص في الخارج يشرف عليه بنفسه * المبلغ المتراكم من حصة كولبنكيان وصل في نهاية عام 1990 إلى 31 مليار دولار

جواد هاشم
مع قرار تأميم النفط في العراق يعود جواد هاشم مرة ثانية وزيرا للتخطيط عبر بوابة «السيد النائب» الذي عمل كمستشار اقتصادي له. في الحلقة الخامسة من كتابه «مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام» يتحدث الدكتور جواد هاشم عن فترة عمله كمستشار في مكتب الشؤون الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة الذي كان تحت اشراف صدام حسين، والمراحل التي سبقت قرار تأميم النفط ويكشف عن سر حصة كولبنكيان التي كانت تبلغ 5% من عائدات النفط والتي تم تأميمها ووضع عائداتها بحساب خاص لصالح صدام حسين بحجة استفادة الحزب والثورة من عائداتها، كما يتطرق الى قصة تطور العلاقات بين فرنسا والبعثيين للحصول على المفاعل النووي وطائرات الميراج.

مضت بضعة أشهر على إعفائي من الوزارة وأنا منغمس في العمل الأكاديمي. وخلال هذه الفترة عاد الدكتور فخري قدوري من ألمانيا، وتم تعيينه عضواً في مكتب الشؤون الاقتصادية التابع لمجلس قيادة الثورة. كان للمجلس عدد من المكاتب الاستشارية، غالبيتها مجرد أسماء وظيفية يُعيَّن فيها بعض قياديي الحزب، غير أن مكتبين فقط هما مكتب الشؤون الاقتصادية ومكتب الشؤون القانونية، كانا يمارسان العمل الاستشاري الفعلي. وكان لهذين المكتبين دور فعال في اقتراح أو تصفية كثير من التشريعات التي أصدرها مجلس قيادة الثورة.

وكلمة حق يجب أن تقال بحق من عملوا في هذين المكتبين اللذين كان لهما دور فعّال ومُجدٍ في تسيير دفة الحكم، فمكتب الشؤون القانونية كان برئاسة عبد الفتاح زلط (سوري الجنسية) الذي عمل جاهداً على «منع» صدور كثير من التشريعات التي كان يقترحها وزير العدل أو بعض القياديين في الحزب، والتي لو صدرت لكانت لها آثار سلبية على مصالح المواطنين. كما عمل المكتب على إعادة النظر في كثير من التحقيقات التي كانت تُقدَّم إلى القيادة بحق بعض المواطنين من قِبَل أجهزة الأمن أو أجهزة الحزب، وكان من شأن ذلك رفع الحيف والظلم عنهم.

أما مكتب الشؤون الاقتصادية فكانت تحال إليه الكثير من التشريعات الاقتصادية والمقترحات التي لها مساس بالشؤون المالية. ونظرا إلى ارتباط المكتب بصدام حسين مباشرة، فقد كانت مقترحاته (المكتب) تلقى الأذن الصاغية، إذ غالباً ما يتبنى صدام آراء المكتب ومقترحاته، ويُصدر بشأنها القرارات اللازمة. ويمكن القول إن صدام حسين لم يكن يتخذ قراراً له علاقة بالشؤون الاقتصادية والمالية من دون أن يمر أولاً على مكتب الشؤون الاقتصادية. وقد ساهم ارتباط المكتب بصدام، في بروز نوع من الحساسيات بين بعض الوزراء من أعضاء القيادة وبين المكتب.

لم يكن في بادئ الأمر في المكتب سوى عضو وسكرتيرة واحدة. وفي منتصف عام 1971، وكان قد مضى على إعفائي من الوزارة بضعة اشهر، اتصل بي صدام حسين وأخبرني بأنه يريدني عضواً في مكتب الشؤون الاقتصادية.

صدر مرسوم جمهوري بتعييني في المكتب، وباشرت العمل في غرفة مجاورة لمكتب صدام في مبنى المجلس الوطني، مع استمراري في مهنة التدريس الجامعي. تم تقسيم العمل اليومي في المكتب، فالدكتور فخري قدوري تحال إليه القضايا المتعلقة بوزارة الاقتصاد والشؤون الاقتصادية العامة، بينما تحال إلي المسائل المتعلقة بالخطة الاقتصادية والشؤون المالية. وكنا في أغلب الأمور نتشاور معاً، فخري وأنا، قبل أن نقدم توصياتنا النهائية إلى صدام حسين، الذي كان يرفعها بدوره إلى مجلس قيادة الثورة.

ولا بد من القول إن أي مقترح يوافق عليه صدام حسين، كان يعني موافقة مجلس قيادة الثورة عليه حتماً. ولا أذكر أبداً أن رفض مجلس قيادة الثورة مقترحاً يحمل توقيع صدام، إلا مقترحاً واحداً يتعلق بعودة ذوي الكفاءات.

استمر عملي في مكتب الشؤون الاقتصادية، وبدأت المعاملات اليومية تكثر. كل وزير يكتب إلى صدام حول شأن من شؤون الدولة ويحال كتابه إلى مكتبنا لبيان الرأي وتقديم التوصية. وفي أحد الأيام، دخل صدام مكتبي من دون أن يغلق الباب، وجلس برهة ليست بالقصيرة، متحدثاً في أمور عامة ومستفسراً عن بعض المعاملات، ثم نهض فجأة وتوجه نحو الباب، وظننت أنه يريد العودة إلى مكتبه، غير أنه عاد إلى الجلوس بعد أن أوصده، وسألني: «كيف يمكن للقيادة تحقيق طموحاتها وتطلعاتها في بناء العراق ودفع عجلة التنمية فيه من دون موارد مالية كافية؟ كيف يستطيع الحزب تحقيق أهدافه ومواردنا الفعلية قليلة وهي بأيدي شركات النفط الأجنبية؟».

هممت بالإجابة، ولكنه استرسل في الكلام مبيناً أن «لا مفر للعراق من السيطرة التامة على مقدراته وتحقيق استقلاله الاقتصادي، مشبِّهاً علاقة الحكومة العراقية بشركات النفط الأجنبية بالعلاقة بالموظف الذي يتسلم راتبه الشهري، منتظراً علاوته السنوية المعتمدة على حُسن سلوكه وإطاعته لرؤسائه. فالحكومة العراقية، في الواقع، هي بمثابة موظف لدى شركات النفط الأجنبية، فإن أحسنتَ الأداء وأطاعت، تحصلْ على العلاوة السنوية وهي زيادة بسيطة في إنتاج النفط وبيعه، وإلا فستُحرَم من العلاوة، أي تخفيض الإنتاج، وبالتالي يُخفَّض إيراد الدولة، تماماً مثل تخفيض الراتب. هذه مسألة تُقلق الحكومة وتحدّ من حرية تصرفاتها. لا بد لنا من وضع حد لهذا الأمر. ألا تعتقد ذلك يا دكتور؟».

وجاء جوابي مؤيداً لأقواله، مبيناً له أن العراق لا يستطيع فعلاً التخطيط لفترات طويلة من دون أن يكون لديه تصور معقول للحد الأدنى لموارده النفطية للسنوات القادمة.

نهض صدام قائلاً: إذاً، أنت تتفق معي على ضرورة البدء بالتفكير حول كيفية التعامل مع شركات النفط الأجنبية وفق منظور يختلف عن تعامل الحكومات السابقة معها، بحيث تفهم الشركات أننا نعني ما نقول، ونطبق ما نقوله فعلاً. ثم غادر مكتبي، مؤكداً أن القيادة ستبدأ قريباً بإجراء مفاوضات جدية وحاسمة مع شركات النفط.

مضت عدة أيام من دون أن يأتي صدام إلى مكتبه، وكنت كلما أسأل سكرتيره الخاص عن «السيد النائب» يقول بأنه متوعك ومصاب بالانفلونزا.

ومضت أيام أخرى وإذا بصدام حسين يتصل بي هاتفياً طالباً حضوري إلى مكتبه الساعة السادسة مساء الأول من مايو (أيار)، يوم عيد العمال.

ذهبت حسب الموعد المحدد، ولم يكن أحد في مبنى المجلس الوطني، حيث مكتبه، سوى صدام وسكرتيره الشخصي الرائد علي العبيدي ومرافقه صباح ميرزا.

جلست على الكرسي المقابل لمكتبه، وبعد عبارات المجاملة سألني:

ـ هل تعرف لماذا طلبتك هذا اليوم وهو عطلة رسمية؟

ـ كلا.

ـ طلبتك الآن لأني أريد منك بصفتك الشخصية أن تعدَّ لي دراسة خاصة وسرية للغاية عن كيفية إدارة موارد الدولة من خلال ثلاثة بدائل هي:

أ ـ انقطاع الموارد النفطية بنسبة 100%.

ب ـ انقطاع الموارد النفطية بنسبة 75%.

ج ـ انقطاع الموارد النفطية بنسبة 50%.

على أن تتضمن الدراسة مقترحات محددة لزيادة موارد الدولة من مصادر أخرى في ظل كل بديل. ثم أشار إلي صدام بوضوح بأن هذه الدراسة يجب أن تكون سرية ولا يعرف بها أحد. وأذكر جيداً أنه قال: إذا اتصل بك أي عضو في القيادة أو أي شخص آخر مهما كان منصبه، وسألك عن هذه الدراسة، فعليك إحالته إلي. لا تخبرهم بأي شيء.

وأضاف صدام أنه يريد أن أُعِدَّ له مسودة بيان صادر من مجلس قيادة الثورة ينص على وقف العمل بالخطة الاقتصادية السنوية (المنهاج الاستثماري) وفرض التقشف التام في مصروفات الدولة بما لا يؤثر في المشاريع الاقتصادية المباشَر بها.

وقبل أن أغادر مكتبه سألته عن المدة الزمنية التي يريد خلالها الدراسة، فأجابني:

ـ في أسرع وقت ممكن، أسبوعين أو ثلاثة على أكثر تقدير.

غادرت مكتب صدام وفي ذهني تساؤلات كثيرة: لماذا يطلب مني صدام مثل هذه الدراسة المعقدة خلال فترة قصيرة؟ لماذا لا يكلف بها وزارة التخطيط حيث الإمكانيات الفنية الهائلة؟ لماذا يطلب مني عدم إخبار أي شخص حتى رئيس الجمهورية؟ لا أظنه يريد اختباري علمياً.

لا بد من أن يكون في ذهنه إجراء اقتصادي يريد اتخاذه: تأميم النفط حتماً، ولكن متى؟

بدأت في اليوم التالي في إعداد ما طلبه صدام، ولكن لم تمض سوى أيام معدودة، وإذا بسلسلة من المراسيم الجمهورية تصدر وتقضي بتشكيل وزارة جديدة أعيد فيها تعييني وزيراً للتخطيط للمرة الثانية.

* الوزارة الثانية وتأميم النفط

* أصدر رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر يوم 14 مايو (أيار) 1972 مرسوماً بإجراء تعديل وزاري شامل عين بموجبه مجموعة من الشخصيات غير البعثية. كانت هذه التشكيلة الوزارية الجديدة تمهيداً لمشاركة عناصر + الجبهة الوطنية، في الحكم، ومن ثم تأميم النفط العراقي الذي بدأت مفاوضات العراق بشأنه مع شركات النفط الأجنبية (رسمياً) قبل ذلك بخمسة أشهر.

ودخل الوزارة، بموجب هذه التشكيلة الوزارية، اثنان يمثلان الحزب الشيوعي العراقي، هما عامر عبد الله ومكرم الطالباني، واثنان من العناصر القومية هما هشام الشاوي والدكتور نزار الطبقجلي.

أما الفقرة الثانية من المرسوم فقد تضمنت إعفاء بعض الوزراء من مناصبهم على النحو التالي:

ـ إعفاء شفيق الكمالي من منصب وزير الإعلام.

ـ إعفاء الدكتورة سعاد خليل إسماعيل من منصب وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي.

ـ إعفاء الدكتور طه إبراهيم العبد الله من منصب وزير الري.

ب ـ أما المرسوم الثاني فقد تضمن تعيين شفيق الكمالي عضواً في مكتب الشؤون التربوية التابع لمجلس قيادة الثورة، وتعيين الدكتور طه إبراهيم العبد الله عضواً متفرغاً في المجلس الزراعي الأعلى. أما الدكتورة سعاد فلم تُعيَّن في أي منصب.

قلت سابقاً إن صدام حسين كان قد طلب مني إعداد صيغة بيان لوقف العمل بالمنهاج الاستثماري (الخطة الاقتصادية السنوية) وفرض سياسة للتقشف والاقتصاد في النفقات.

أعددت البيان في حينه، وقدمته إلى صدام حسين الذي احتفظ به. وفي يوم 18 مايو (أيار) 1972، أي بعد أيام قليلة من تشكيل الوزارة، أصدر مجلس قيادة الثورة بيان التقشف المشار إليه.

جاء في مقدمة البيان إشارات واضحة إلى موقف شركات النفط الأجنبية من مطالب العراق وما يحتمل اتخاذه من خطوات قريبة.

كما أشار البيان إلى ما يجابهه العراق من «المحاولات التآمرية والضغوط الاقتصادية من قبل الدوائر الاستعمارية وشركات النفط الاحتكارية»، بحيث أصبحت تلك المحاولات تؤثر بشكل مباشر في الاستقرارين السياسي والاقتصادي للعراق.

وأشار أيضاً إلى أن الحكومة عازمة على وضع حد لتلك المحاولات حتى لا تتأثر اقتصاديات البلاد برغبات الاحتكاريين، ووضع حد نهائي وحاسم للممارسات الاحتكارية في نهب ثروات العراق النفطية. وأشار البيان كذلك إلى أن الحكومة قد تدارست هذا الوضع الخطير وقررت:

أ ـ فرض التقشف التام في أوجه الإنفاق الحكومي كافة.

ب ـ إيقاف العمل بالمنهاج الاستثماري للسنة المالية 1972 ـ 1973 في ما يتعلق بالمشاريع غير المباشر بها.

ج ـ فرض التقشف في ما يتعلق بالصرف من الموجودات الأجنبية.

واستثنى البيان شركة النفط الوطنية من تلك الإجراءات، كما خول وزيري التخطيط والمالية إصدار التعليمات اللازمة لتنفيذه.

لقد جاء هذا البيان لاحقاً لبيان آخر أصدرته وزارة النفط في 15 مايو (أيار) 1972، أمهلت بموجبه شركات النفط الأجنبية مدة أسبوعين فقط لتقديم عرض إيجابي حول المطالب التي قدمتها الحكومة العراقية أثناء المفاوضات. وحذر البيان بشكل صريح من أن الحكومة العراقية ستجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والتشريعية التي تراها ضرورية لحماية مصالح العراق.

لقد كان هذا البيان الذي أصدرته وزارة النفط، والبيان الذي أصدره مجلس قيادة الثورة يوم 18 مايو (أيار) 1972، وكذلك سلسلة المقالات الافتتاحية لجريدة «الثورة» حول السياسة النفطية، مؤشرات واضحة على أن العراق سيؤمم النفط. ولا أكون مبتعداً عن الحقيقة إذا قلت إن ذلك الاتجاه قد رسخه صدام حسين شخصياً. وانطباعي الشخصي هو أن صداماً كان يريد فعلاً التأميم، وليس قبول أي عرض من شركات النفط، حتى وإن وافقت الشركات على جميع مطالب العراق.

لقد كان التأميم بالنسبة إلى صدام خطوة مهمة يدعم بها موقعيه الحزبي والسياسي، ويبرز على ساحة السياسة العربية والدولية بشكل أكثر وضوحاً وقوة.

غير أن شركات النفط لم تصدق أن الحكومة ستلجأ إلى التأميم.

وخلال مهلة الأسبوعين التي أُعطيت للشركات، أنجزت الأجهزة الفنية لوزارة النفط ومكتب الشؤون الاقتصادية، التشريعات القانونية اللازمة للتأميم انتظاراً لساعة الصفر: يوم 1 يونيو (حزيران) 1972.

انتهت مدة الأسبوعين ولم تقدم الشركات عرضاً يُرضي العراق.

وعند الساعة العاشرة والنصف من صباح الأول من يونيو (حزيران) 1972، عقد مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث اجتماعاً مشتركاً في مبنى القصر الجمهوري.

ترأس أحمد حسن البكر الاجتماع، وجلس إلى يمينه صدام حسين ومظاهر الابتهاج والنصر بادية على وجهه. بدأ البكر حديثه في إعطاء الوزراء نبذة مختصرة لما تم سابقاً من مفاوضات مع شركات النفط وموقفها المتعنت، وشرح كذلك موقف الحكومة.

لم يُشر البكر في حديثه إلى كلمة «التأميم»، بل قال «إنه في ضوء كل ذلك فإن الحكومة قد قررت إصدار التشريعات اللازمة التي تضمن حقوق الشعب وتحافظ على ثروته النفطية». صحيح أنه لم يقل إننا سنؤمم النفط، ولكنه كان واضحاً بأن التأميم هو الخطوة التي يشير إليها البكر. ويبدو أن الأمر كان غامضاً على بعض الوزراء، حيث انبرى السيد نافذ جلال وزير الزراعة ليتساءل: سيادة الرئيس، حديثكم معنا قيّم ومفيد، ولكن ما الذي سيحدث؟ فأجابه الرئيس: كاكا (أخ بالكردية)، ألم تفهم ما أعنيه؟ سنؤمم النفط هذا اليوم.

* بيان التأميم

* أذاع أحمد حسن البكر عند الثامنة من مساء الأول من يونيو (حزيران) 1972 بيان التأميم من محطتي الإذاعة والتلفزيون. كان صدام حسين هو الذي أعد البيان، وقام طارق عزيز (رئيس تحرير جريدة «الثورة» آنذاك) بتشذيبه من حيث قواعد اللغة العربية. وفي نهاية البيان أعلن البكر «باسم الشعب» إصدار قانون تأميم عمليات شركة نفط العراق المحدودة رقم 69 لسنة 1972، والذي اعتُبر نافذاً من تاريخ صدوره في 1 يونيو (حزيران) 1972.

وطبقاً للقانون رقم 69، فقد أُنشئت شركة حكومية سُميت الشركة العراقية للعمليات النفطية; لتحل محل شركة نفط العراق.

وقد انتدب صدام حسين غانم عبد الجليل (المدير العام لمكتب صدام) للإشراف المباشر على مراحل ما بعد التأميم، لإدارة الشركة الجديدة من مقرها في كركوك. وكان غانم عبد الجليل قد وصل إلى كركوك فعلاً صباح في 1 يونيو (حزيران) 1972 ـ أي قبل إذاعة بيان التأميم ـ يرافقه بعض الفنيين من وزارة النفط وشركة النفط الوطنية، بينهم محمد جابر حسن، المدير العام للدائرة الفنية في وزارة النفط، وطارق عزيز المدير العام للحفر والإنتاج في شركة النفط الوطنية (وهو غير طارق عزيز الذي كان رئيساً لتحرير جريدة «الثورة» ثم وزيراً للخارجية).

وجدير بالإشارة هنا، أن التأميم الذي حصل في أول يونيو (حزيران) 1972، اقتصر على نفط الشمال. أما نفط الجنوب (شركة نفط البصرة) فقد أُمم على مرحلتين: المرحلة الأولى في اكتوبر (تشرين الأول) 1973، حيث أُممت حصة هولندا فقط، وفي كانون الأول ديسمبر (كانون الاول) 1975 أُممت حصتا بريطانيا وفرنسا.

وكان مجلس قيادة الثورة أصدر في الوقت نفسه الذي أذيع فيه بيان التأميم، بياناً آخر يتعلق باستعداد العراق للدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة الفرنسية حول حصتها في الشركة المؤمَّمة لضمان بقاء تلك المصالح واستمرارها.

في اليوم التالي للتأميم، طلعت علينا جريدة «الثورة» بمقال افتتاحي كتبه صدام حسين شخصياً، بأسلوبه ولغته من دون تشذيب من هيئة التحرير أو رئيسها طارق عزيز.

كان واضحاً من افتتاحية جريدة «الثورة» أن صدام حسين يريد أن يقول إن شهر يونيو (حزيران) الذي اقترن في أذهان الناس بالهزيمة والمرارة، نتيجة حرب 1967 التي خسرها جمال عبد الناصر، أصبح له اليوم معنىً جديد يقترن بالنصر والتصميم والفرح، وفي هذا وفاء بوعد حزب البعث بتحويل النكسة إلى منطلق للنصر، لأنه، كما كتب صدام، توفرت للشعب «القيادة الثورية الحكيمة ذات الأفق التاريخي الواضح والقدرة العالية على وضع التكتيك في خدمة الاستراتيجيا».

وانتهى يوم 2 يونيو (حزيران) 1972، بعد أن خرجت «جماهير الشعب» ترقص في شوارع بغداد كعادتها تأييداً للحزب وقيادته الديوقراطية.

* حصة كولبنكيان في نفط العراق

* كانت مؤسسة كولبنكيان البرتغالية تمتلك 5% من امتيازات نفط العراق. وقد شمل التأميم هذه الحصة على مرحلتين: الأولى في 1 يونيو (حزيران) 1972، والثانية في 20 ديسمبر (كانون الأول) 1973.

قرر صدام حسين، بعد تأميم هذه الحصة، «باسم قيادة الحزب»، الاحتفاظ بعوائدها السنوية في حساب مستقل في الخارج لكي تكون لقيادة الحزب، على حد تعبيره، مبالغ كافية من المال لاستخدامها في العودة إلى الحكم في حال وقوع انقلاب، أو في حال وقوع غزو خارجي.

وأذكر أنه في إحدى الجلسات الخاصة، وكان حاضراً فيها أمين عبد الكريم وزير المالية، والدكتور فوزي القيسي محافظ البنك المركزي، أن التفت صدام إلينا قائلاً:

حزب البعث جاء إلى العراق ليحكم 300 سنة، ولكي يستمر في الحكم أو يعود إليه في حال سقوطه نتيجة انقلاب عسكري، فلا بد من وجود مصدر مالي ضخم لديه خارج العراق. نحن لا نريد أن نقع في أخطاء عام 1963 عندما سقط حكمنا وواجهنا صعوبات مالية كبيرة. إذاً، فكروا لنا يا رجال الاقتصاد في كيفية تخصيص عوائد حصة كولبنكيان المؤممة للحزب.

وبالفعل، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة قانوناً بقرار منه، خُصص بموجبه 5%. من عوائد العراق النفطية سنوياً للحزب، تُودَع في حساب خاص في الخارج تحت إشراف صدام حسين.

وحسب تقديراتي، فإن العوائد المتراكمة من هذه النسبة بلغت في نهاية عام 1989 حوالي عشرة مليارات دولار أميركي. وعلى افتراض استثمار تلك المبالغ في ودائع مصرفية ثابتة، وبعائد سنوي بنسبة تتراوح بين 8 و18%، فإن المبلغ المتراكم في نهاية عام 1990 يصل إلى 31 مليار دولار.

لقد كان صدام حسين يريد تحقيق نصر سياسي كبير يُثبّت من خلاله موقعه داخل العراق، لينطلق منه إلى الوطن العربي مخاطباً جماهيره ليقول لهم بأنه البديل الأوحد لقيادة العرب. ولم يكن المناخ السياسي في السبعينيات مهيَّأً لنصر عسكري، كما لم تكن إمكانيات العراق آنذاك كفيلة بتحقيق أي نصر عسكري. إذاً، لا بد من البحث عن مجال آخر للنصر. وقد وجد صدام هذا المجال متاحاً في الجانب الاقتصادي: النفط. لذلك، أشرف بنفسه على المراحل التي سبقت التأميم، والمراحل التي أعقبته.

* «السيد النائب» هدد الفرنسيين في باريس بغلق الأبواب أمامهم إلى الأبد

* كان أحمد حسن البكر وصدام حسين يبديان اهتماما بالغاً بتوضيد العلاقات مع فرنسا. كان صدام يعتقد أن طريق الحصول على التكنولوجيا الغربية يمر عبر فرنسا، وأن تنمية العلاقات العراقية ـ الفرنسية ستعود بالفائدة على العراق.

تبنّى صدام حسين هذا الاتجاه منذ البداية، لسببين: أولهما، استخدام النفوذ الفرنسي للضغط على الشركات الأجنبية الأخرى التي أُممت مصالحها، للوصول إلى تسوية سريعة مع العراق حتى يتمكن من تسويق نفطه. وثانيهما، استخدام المصالح الفرنسية في العراق كورقة بيده للحصول على تعاون فرنسي أكثر على مدى السنوات القادمة، في مختلف الحقول الفنية والعسكرية، وهو ما نجح فيه فعلاً. فبعد التأميم بيوم واحد، وصل الى بغداد وفد فرنسي مؤلف من 56 شخصية فرنسية اقتصادية وتجارية وصناعية، يمثل القطاعين الحكومي والخاص. وكان صدام حسين حريصاً على تغطية زيارة الوفد إعلامياً، بشكل واسع، كما حرص على اللقاء بالوفد في اجتماع موسع عُقد في مبنى المجلس الوطني، وتحدث إليه مطولاً، مؤكدا أن حرصه على اللقاء بالوفد لا ينطلق من اعتبارات موقف العراق من الشركات الأجنبية الاحتكارية، بل «ينسجم مع مجمل سياستنا الثابتة التي نرغب من خلالها قي تطوير وتعزيز العلاقات مع المؤسسات والحكومة الفرنسية أكثر من أي وقت مضى، وأن مجلس قيادة الثورة وضع موقعاً متميزاً لفرنسا في ما يتعلق بتأميم الشركات الأجنبية، ونحن كعرب نحتفظ، وسوف نبقى نحتفظ بهذا الموقع المتميز لعلاقاتنا مع فرنسا الصديقة».

واستطرد صدام في حديثه مشيراً إلى الجنرال ديغول، فوصفه بـ«الفارس العظيم» الذي استطاع أن يؤسس علاقات فرنسا مع الدول العربية بما يخدم بلاده ولا يضر بمصلحة العرب، وأنه (أي صدام حسين) غير منغلق على نفسه وإنما «يعيش تطورات مفاهيم أواخر القرن العشرين بأحسن صورها وبكاملها». وقد أصدر صدام تعليماته إلى الجهات الرسمية العراقية لاتخاذ ما يلزم في سبيل تمتين العلاقات التجارية مع فرنسا، مشيرا إلى أن العراق بعد 17 يوليو (تموز) 1968 قد زاد حجم استيرادته من فرنسا بحيث أصبحت فرنسا تحتل المرتبة الثالثة في العلاقات الاقتصادية والتجارية مع العراق بعد أن كانت تحتل المرتبة الثالثة عشرة قبل ذلك التاريخ.

* صدام بين دالماس وبومبيدو

* توجه وفد عراقي برئاسة صدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة إلى باريس، بعد أسبوعين من قرار تأميم النفط العراقي، بدعوة من رئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دالماس. وضم الوفد المرافق في عضويته مرتضى سعيد عبد الباقي وزير الخارجية وعضو مجلس قيادة الثورة، الدكتور عزت مصطفى وزير الصحة وعضو مجلس قيادة الثورة، عزت الدوري وزير الإصلاح الزراعي وعضو مجلس قيادة الثورة، الدكتور سعدون حمادي وزير النفط، الدكتور جواد هاشم وزير التخطيط، الدكتور فخري قدوري عضو مكتب الشؤون الاقتصادية التابع لمجلس قيادة الثورة، عدنان الحمداني سكرتير لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات، وطارق عزيز رئيس تحرير جريدة «الثورة».

وصلنا باريس، وجرى للوفد استقبال رسمي شارك فيه رئيس الوزراء شابان دالماس وأعضاء الحكومة الفرنسية.

استضافتنا الحكومة الفرنسية في فندق كريون الشهير. وبعد ساعات قليلة بدأنا العمل، وكانت توجيهات صدام لي هي التباحث مع جيسكار ديستان وزير الاقتصاد والمالية لحل المشكلات القائمة بين بعض شركات المقاولات الفرنسية والحكومة العراقية بأسرع وقت ممكن حتى نبدأ صفحة جديدة في العلاقات.

توجه صدام في اليوم التالي، لمقابلة رئيس الجمهورية الفرنسية جورج بومبيدو وإجراء محادثات ثنائية، ولم يرافقه في هذه المقابلة سوى السفير العراقي في باريس نعمة النعمة والدكتور مصطفى كامل ياسين الذي قام بدور الترجمة، ثم بدأت بعد ذلك المفاوضات في قصر الاليزيه.

كانت المفاوضات هادئة وطبيعية، غير أن شابان دالماس كان يؤكد بين الحين والآخر على ضرورة تعويض شركات النفط الأجنبية التي أُممت حصتها، ويغمز من طرف خفي بأن فرنسا لا تستطيع أن تعامل العراق معاملة خاصة من دون أن تضع في اعتبارها مصالح الشركات الأجنبية الأخرى. بعبارة أخرى، فإن دالماس كان يقول إن بيان مجلس قيادة الثورة في رعاية المصالح الفرنسية لا قيمة له عنده.

أزعجت هذه الإشارات صداماً لكنه لم يقل شيئاً سوى التأكيد على رغبة العراق في توطيد علاقته مع فرنسا.

انتهت الجولة الأولى من المباحثات عند الظهيرة، حيث توجهنا إلى قاعة الاحتفالات في القصر تلبية لدعوة الغداء التي أقامها بومبيدو.

وفي المساء، كان شابان دالماس قد أقام دعوة عشاء على شرف الوفد العراقي في الفندق نفسه الذي كنا ننزل فيه. حفلة عشاء جميلة، مليئة بمراسم الأناقة الفرنسية.

تحدث دالماس مرحباً بالوفد العراقي، مؤكداً على أهمية العلاقات بين البلدين، لكنه استمر في القول بأن على العراق مراعاة مصالح الشركات النفطية الأخرى غير الفرنسية. وقد قال بصراحة إن حكومته لا تستطيع زيادة التعاون مع العراق ما لم يبادر العراق أولاً إلى تعويض الشركات النفطية.

أثار كلام دالماس حفيظة صدام حسين، لكنه بقي صامتاً وعلامات الانزعاج تبدو عليه، منتظراً دوره في الكلام حسب ما تقضي به البروتوكولات الرسمية.

بدأ صدام الكلام، والدكتور مصطفى كامل ياسين يترجم بلغة فرنسية جزلة.

قال صدام: لقد جئنا إلى فرنسا لنفتح صفحة جديدة في العلاقات. لقد أعطينا فرنسا فرصة ذهبية عندما اتخذنا قرار التأميم. وإذا كانت فرنسا لا تريد الدخول من الباب الذي فتحناه لها، فإننا قد نوصده، وإلى الأبد، كما فعلنا مع بريطانيا وأميركا وألمانيا الغربية.

ساد القاعةَ وجومٌ عميق، ولكن نال كلام صدام إعجاب السفراء العرب الذين حضروا دعوة العشاء.

ذهب صدام في اليوم التالي، مرة أخرى، لمقابلة بومبيدو على انفراد، ليشرح له تصور العراق للعلاقات التي يبتغيها، ولينقل إليه موقف دالماس. ولما عاد صدام من المقابلة، أخبرنا أن بومبيدو قد أكد له أن جميع رغبات العراق سوف تُلبَّى، وأن أيام دالماس معدودة، حيث سيعين ميسمير رئيساً للوزراء بدلاً منه.

وفي المساء، أقام صدام حسين دعوة عشاء لدالماس، في القاعة نفسها في فندق كريون. وقد أشرفت السفارة العراقية على تنظيم تلك الدعوة. ويبدو أن إشراف السفارة على إعداد المائدة الرئيسية والموائد الأخرى قد جاء بشكل «عربي» يفتقر إلى بعض اللمسات الجمالية والتنظيمية، إذ كانت أصوات الصحون والملاعق تعلو أحياناً وتغطي على أحاديث المدعوين.

قبل يوم من اختتام الزيارة، صدر بيان عراقي ـ فرنسي عن نتائج الزيارة، وكان أهم ما جاء في البيان موافقة الحكومة العراقية على بيع كميات من النفط الخام لشركة النفط الفرنسية من حقول كركوك تعادل حوالى 24% من إنتاج هذه الحقول، لمدة عشر سنوات، وفقا للأسس الاقتصادية والمالية السابقة لقانون التأميم. بعبارة أخرى، أبقى العراق على المصالح والامتيازات النفطية الفرنسية كما كانت عليه قبل التأميم، مقابل «عزم الطرفين على تنمية علاقاتهما في مختلف حقولها ومجالاتها».

انتهت زيارة باريس، وفي اليوم التالي الموافق فيه 19 يونيو (حزيران) 1972، توجهنا إلى مطار باريس لنستقل الطائرة العراقية الخاصة في طريقنا إلى بغداد.

كان صدام في غاية الانشراح والسعادة، فقد حقق ما كان يصبو إليه في تلك الفترة من نجاح.

وبعد العودة، قرر مجلس قيادة الثورة منحه «وسام الرافدين» من الدرجة الأولى لدوره في إنجاح عملية التأميم وفي تطوير علاقات العراق مع فرنسا.

أصبحت فرنسا منذ هذه الزيارة، أهم حليف للعراق في المعسكر الغربي، وبدأت علاقات العراق تتوطد معها يوماً بعد يوم، حتى بلغت مستوىً عالياً من التوطد بعد موافقة فرنسا على تزويد العراق بالمفاعلات النووية وطائرات الميراج وبعض البوارج الحربية. وبهذه العلاقة مع فرنسا، كان العراق يحاول خلق نوع من التوازن في علاقاته مع المعسكرين الشرقي والغربي، مع تأكيد الحاجة إلى دعم غربي تتزعمه فرنسا لتنمية دور قيادي للعراق في المنطقة العربية وبين دول عدم الانحياز.

* تنشره «الشرق الأوسط» بالاتفاق مع «دار الساقي»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال