الاثنيـن 16 محـرم 1425 هـ 8 مارس 2004 العدد 9232
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أبو مصعب الزرقاوي.. جيرانه السابقون يروون حكايته من «بيعة الإمام» إلى «القاعدة»

عمان: محمد الدعمة
ينظر الكثير من ابناء الزرقاء، المدينة الاردنية المجاورة للعاصمة عمان، باستغراب شديد خلال متابعتهم الاحداث في العراق وتسليط الاضواء على شخص احمد فضيل نزال الخلايلة الملقب ابو مصعب الزرقاوي الذي رصدت الولايات المتحدة مبلغ 10 ملايين دولار لمن يدلي باية معلومات تقود الى اعتقاله. ومصدر استغرابهم هو ان يكون هذا الشخص الذي خرج من رحم مدينتهم ولديهم عنه صورة رجل طيب ومتواضع ومثالي ومتدين يدعو الى الاصلاح، استطاع خلال تنظيم «القاعدة» ان يزعج الولايات المتحدة ويعمل لافشال مخططاتها في المنطقة. زارت «الشرق الأوسط» حي معصوم، مكان سكن الزرقاوي وعائلته واخوانه لاجراء مقابلة مع احد افراد عائلته الذين رفضوا الحديث وكانوا يخشون الادلاء باية معلومات او تصريحات عن ابو مصعب الزرقاوي، وقد اغلقت الابواب عدة مرات من دون التمكن من الحديث معهم والوصول الى اية معلومة مفيدة خاصة بعد موت والدته الاحد الماضي وعلمنا من الجيران انهم يرفضون الحديث مع الصحافة.

ويروي ابراهيم عزت احد الجيران قصته، قائلا «ابو مصعب كان رجلاً متواضعا وخلوقا ومنعزلا لا يحتك بالاخرين الا ما ندر، وكان في مطلع التسعينات يتردد على المسجد كثيرا وانقطعت اخباره منذ اعتقاله والحكم عليه عام 1996 بالسجن مدة 15 عاما، وامضى في السجن حتى عام 1999 عندما اصدر العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني عفوا عاما عن جميع السجناء في الاردن بعد توليه مقاليد الحكم». ويضيف ابراهيم «ان احمد فضيل الخلايلة الذي عمل في بداية حياته في بلدية الزرقاء موظفا صغيرا قبل سجنه بتهمة الانتساب الى تنظيم بيعة الامام غادر الى افغانستان منذ عام 1999 ولم نسمع عنه اية اخبار الا بعد ورود اسمه في التورط في قضية تنظيم الخلايا والحكم عليه 15 عاما وتردد اسمه في وسائل الاعلام المختلفه على انه في العراق». وقال الصحافي عبد الله ابو رمان رئيس هيئة التحرير في صحيفة «المرآة» الاردنية الاسبوعية «تعرفت على احمد فضيل نزال الخلايلة داخل السجن بشكل شخصي عندما امضيت شهرين في سجن سواقة الصحراوي وتعاملت معه بشكل يومي طيلة الفترة قبل ما يزيد عن 7 سنوات، الا انني اجد مساحة شاسعة جدا بين الخلايلة الذي عرفته عام 1996 وبين ابو مصعب الزرقاوي الذي تصوره لنا وسائل الاعلام الأميركية». ويضيف «عرفت ابو مصعب في سبتمبر (ايلول) عام 1996 وكان قائدا لتيار من السجناء السياسيين يطلق عليهم اسم «بيعة الامام» ويطلقون على انفسهم «الموحدون» وكانوا يقيمون في غرفة مجاورة لغرفتي وكان لهم نظام صارم خاص بهم يشرف على تطبيقه بكل تفاصيله احمد الخلايلة الذي كان يحمل لقب «امير» والمكلف بالشؤون التنظيمية وقيادة الجماعة، وكانت هناك عدة تنظيمات وجماعات اخرى تتقاسم الغرف وتتباين في وجهات نظرها بشكل كبير كان يقود احيانا الى صدامات حادة فيما بينها تصل الى حد التكفير، اذكر منها جماعة حزب التحرير الاسلامي وكان قائدها عطا ابو الرشتة موجودا هناك الى جانب قيادات شكلوا جماعات صغيرة مستقلة مثل عجلون، وجماعة الموجب، والافغان الاردنيون، بالاضافة الى متهمين اسلاميين مستقلين على رأسهم ليث شبيلات، وكانت امارة الزرقاوي من اقوى الامارات واكثرها نفوذا بين تلك الجماعات لاسباب تنظيمية حيث كانت حركة التنظيم ممتدة داخل كل المهاجع في السجن واستقطبت عددا كبيرا من السجناء وتمكن الزرقاوي السيطرة على الجميع وتنظيم كافة تفاصيل العلاقات داخل الحركة. والزرقاوي لم يكن وحيدا في القيادة فهناك استاذه ومرشده ابو محمد المقدسي عصام البرقاوي وبعد فترة كان المقدسي يفقد سطوته وسلطته على الحركة لصالح الزرقاوي بالرغم من التفاوت في الثقافة بينهما الا ان الزرقاوي امتلك عنصرا قويا في القيادة، وكان الزرقاوي الاقدر على التصدي لادارة السجن ومجابهتها والاشتباك معها». واشار ابو رمان «كنت اراقب بدهشة ما يجري داخل مهجعنا وسعيد ومحظوظ جدا بهؤلاء الشركاء الذين تمكنوا من انتزاع مزايا للمهجع يحسدنا عليها نزلاء المهاجع الاخرى فكنا لا نصطف بالطابور الصباحي ولا نلبس ملابس السجن ونملك هامشا كبيرا من الحركة والقدرة على زيارة المهاجع الاخرى وبعيد كليا عن عقوبة الشبح التي تطال بقية المساجين».

واوضح «ان شخصية الزرقاوي شكلت لي حالة تستحق المراقبة والقراءة لاسباب عديدة في طليعتها ان هذا الشاب البسيط المتواضع ابن قبيلة بني حسن ولا يمكن ان يكون متطرفا تجاه الدولة والمجتمع فكم من قريب له في الجيش والأمن العام والمؤسسات الاخرى التي تطلق عليها جماعته البيعة حكما جماعيا بالتكفير، وثانيا فان هذا الشاب ولاسباب غير مفهومة بات يشكل نموذجا كنت وما زلت اخشاه للشاب الاردني الذي وقع منذ سياسات التصحيح الاقتصادي والخصخصة ضحية وفريسة سهلة للفقر والبطالة والاحباط وفقدان شروط الثقة بالمستقبل فاخذ يبحث عن المدينة الفاضلة وينشدها في السماء ويعمل من اجلها على الارض»، وقال «مع كل الهالة التي كانت تحيط بالزرقاوي الا انه بدا لي شابا رقيقا ومهذبا جدا ورومانسيا ومثاليا في حياته وافكاره ويسعى دائما ليكون على قدر ثقة زملائه ملتزما بالشكل العام ويحمل مشاعر حقيقة تجاه الدعوة وتجاه الدين، وانه باختصار رجل من القرن الاول الهجري باخلاقه وشكله واماله قذف به التاريخ الى القرن الواحد والعشرين بكل انحرافاته وآثامه واحباطاته».

واختتم ابو الرمان حديثه بالقول «ان الزرقاوي الذي تطالب الولايات المتحدة به هو خبير السموم والمتفجرات وصاحب القدرات الفائقة على التنظيم والاتصال والمسؤول عن خلايا نائمة في اوروبا والخليج والقائد الميداني للمقاومة الاسلامية في العراق، اما الزرقاوي الذي اعرفه انا كما يعرفه اهله واقرباؤه فهو الشاب البسيط ذو الامكانيات المعرفية والشخصية المحدودة والمتواضعة القريب من جميع اصدقائه والبسيط في علومه وخبراته». يذكر ان ابو مصعب الزرقاوي حكم عليه غيابيا في قضية تنظيم الخلايا مدة 15 عاما من قبل محكمة أمن الدولة الاردنية وحكم عليه غيابيا بالاعدام في قضية تنظيم «القاعدة» والان تنظر المحكمة في قضية مقتل الدبلوماسي الأميركي لورنس فولي وقد ورد اسمه كاحد المتهمين الفارين من وجه العدالة. وعن الوضع الذي نشأ فيه ابو مصعب الزقاوي، قال مراقب سياسي «ان المتتبع لتاريخ أعمال العنف والتطرف الإسلامي في الأردن يرى انها بدأت بالظهور في أوائل التسعينات وكانت جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت في قمة عنفوانها السياسي حين كانت تشارك في الحكومة بخمسة وزراء ولها في مجلس النواب 22 نائبا أحدهم رئيس المجلس وتستطيع حشد أغلبية برلمانية في كثير من المواقف والقضايا ولكن الحركة الإسلامية في الأردن أخرجت من ملعبها الحقيقي لتدخل مجالا غريبا عليها ولا تمتلك أدواته وحين استجابت للمرحلة الديمقراطية بتأسيس حزب سياسي ازدادت ارتباكا وابتعادا عن ميدانها وجمهورها».

واضاف المراقب انه «بعد توقيع اتفاقية السلام الاردنية ـ الاسرائيلية عام 1994 زادت وتواصلت قضايا العنف والتطرف المعروضة على محكمة أمن الدولة وجميعها كانت في إطار التخطيط لأعمال عنف أو القيام بعمليات محدودة تكتشف المجموعات المنفذة له بسرعة قياسية، وظلت حتى سبتمبر (أيلول) 2001 ينظر إليها باستخفاف وعدم جدية وأنها أعراض جانبية متوقعة.

ويشير المراقب السياسي الى «انه بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) انتبهت السلطات الاردنية الى ذلك فأجرت تحريات أمنية وتوصلت الى ان هناك اتجاهات وحركات تؤمن بالعنف والتطرف وأنها في مستوى من الانتشار والوجود يستحق الدراسة والمراجعة، ولم يكن اغتيال الدبلوماسي الأميركي في عمان هو المؤشر الوحيد على تنامي ظاهرة العنف والتطرف المنتسب إلى الإسلام، فقد تبين أن عددا من الشباب الأردنيين كانوا قد هاجروا إلى أفغانستان وكردستان العراق، وبعضهم قتل هناك».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال