الجمعـة 02 شعبـان 1425 هـ 17 سبتمبر 2004 العدد 9425
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ماذا دار في مؤتمر كامب ديفيد بين كلينتون وعرفات وباراك سنة 2000؟

واشنطن: محمد علي صالح
خلال الشهور الأخيرة له في البيت الابيض، سنة 2000، حاول الرئيس بيل كلينتون حل المشكلة بين اسرائيل والفلسطينيين «حلا نهائيا». واعتقد انه اذا نجح، سيدخل التاريخ.

جمع في المصيف الرئاسي في كامب ديفيد (في ولاية ماريلاند) الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ورئيس وزراء اسرائيل، ايهود باراك، لمدة اسبوعين كاملين. لكن المفاوضات فشلت.

واكثر ما نشر عن قمة كامب ديفيد هو ان عرفات هو المسؤول عن فشلها، لأن اسرائيل عرضت الانسحاب من تسعين في المائة من اراضي الضفة الغربية وغزة، لكن عرفات رفض. وكلينتون، في كتاب مذكراته «حياتي» الذي صدر قبل ثلاثة أشهر، قال ذلك ايضا. لكنه لم يكشف كثيرا من تفاصيل المفاوضات. وأخيرا اصدر دينس روس، الذي كان مبعوثا خاصا للشرق الاوسط في ادارتي بوش الاب وكلينتون، كتاب «السلام المفقود»، وفيه تفاصيل اكثر عن المفاوضات، وخاصة الاجتماع الاخير الذي بعده خرج كلينتون غاضبا ومتعبا. ثم تحدث للصحافيين واعلن، بطريقة دبلوماسية، فشل المفاوضات.

روس كان واحدا من اربعة حضروا الاجتماع الاخير... كلينتون، وصائب عريقات، ممثلا لعرفات، وشلومو بن عامي، ممثلا لباراك. قبل نهاية الاجتماع دخلت مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية، وساندي بيرغر، مستشار الرئيس للامن القومي.

كان مقررا ان يكون الاجتماع الاخير بين القادة الثلاثة: كلينتون وعرفات وباراك. ولكن العلاقات كانت توترت بين عرفات وباراك، في جانب، وبين عرفات وكلينتون، في الجانب الآخر. عرفات اتهم كلينتون بالانحياز الى جانب اسرائيل، وكلينتون حمل عرفات مسؤولية الفشل، وقال له غاضبا، في آخر يوم: «لاسبوعين كاملين هنا ظللت تقول لا لكل شيء».

ولهذا اقترح روس ان يكون الاجتماع الاخير بين كلينتون وممثل لكل من عرفات وباراك، آملا ان تحدث معجزة، ويتحقق النجاح، او، على الاقل، يقدم صورة طيبة للفشل. واصبح واضحا ان السيادة على الحرم الشريف هي التي ستحدد مصير المفاوضات.

وهذه مقتطفات، بتصرف، مما دار في الاجتماع الاخير:

*شلومو:

*يبدو ان القمة فشلت، ولكن هناك الجانب المضيء فيها، وهي انها كانت فرصة لكل جانب ليعرف اكثر عن الآخرين. لاول مرة في التاريخ، ناقشنا امكانية الوصول الى حل نهائي للمشكلة. لا يزال هناك امل في الوصول الى حل في المستقبل، ولكن الفشل هنا في قمة كامب ديفيد، وبعد كل هذا الزخم الرسمي والاعلامي، سيكون صدمة كبرى.

نحن قدمنا تنازلات كثيرة، وفي اجتماعات سرية. واذا فشلت المفاوضات، ثم عرف الاسرائيليون هذه التنازلات، سيتدمر معسكر السلام في اسرائيل، وسوف تسقط حكومة باراك.

نحن قدمنا التنازلات الآتية:

اولا، وافقنا على سيادة الفلسطينيين على الاحياء الخارجية (ضواحي القدس الشرقية، مثل الخالدية وبيت حنانيا).

ثانيا، وافقنا على سيادة الفلسطينيين على القسمين الاسلامي والمسيحي في المدينة القديمة من القدس الشرقية.

ثالثا، وافقنا على حكم ذاتي، تحت السيادة الاسرائيلية، للاحياء الداخلية (ضواحي القدس الشرقية مثل وادي الجوز وشيخ جراح). رابعا، وافقنا على ان يدير الفلسطينيون الحرم الشريف (الذي تحته المعبد اليهودي)، على شرط ان تكون لنا سيادة خفيفة وعلى السطح.

*عريقات:

*نعم، تحقق تقدم كبير، ونعم قدم الاسرائيليون تنازلات كبيرة. لكن الرئيس عرفات لن يقبل اي نوع من انواع السيادة (الاسرائيلية) على الحرم الشريف، مهما كانت خفيفة او على السطح.

*كلينتون:

*لننظر الى خريطة القدس، ونرى امكانية الوصول الى اتفاق. (في بداية القمة لم يقدم كلينتون اقتراحا محددا عن مستقبل القدس. لكنه كان يعرف ان الفلسطينيين يريدون السيادة الكاملة على الحرم الشريف. في ما بعد اقترح كلينتون سيادة الفلسطينيين على الحرم الشريف، وسيادة الاسرائيليين على حائط المبكى وبقية «المنطقة المقدسة لليهود». هذه اشارة غير مباشرة الى المعبد اليهودي تحت الحرم الشريف. لكن كلينتون اقترح الا يحفر الاسرائيليون تحت الحرم الشريف بحثا عن المعبد اليهودي. معنى هذا ان كلينتون منح اليهود السيادة على معبدهم، لكنه منعهم من الوصول اليه).

*روس:

*هذه خريطة مفصلة للقدس (وضع روس خريطة عملاقة امام الحاضرين).

*شلومو:

*هناك اربعة اقسام للقدس: المعبد اليهودي (الذي فوقه الحرم الشريف)، والمدينة القديمة (باقسامها: الاسلامية والمسيحية واليهودية والارمنية) والاحياء الداخلية والاحياء الخارجية. نحن مستعدون لمنح الفلسطينيين السيادة على القسم الاسلامي في المدينة القديمة، وعلى الاحياء الداخلية والخارجية. مقابل ذلك، هل يقدر عريقات على اقناع عرفات بان يكون هناك وضع خاص لمنطقة المعبد (يقصد الحرم الشريف)؟

*عريقات:

*هذا غير مقبول. بدلا عن ذلك، نحن نقترح «سيادة مع ترتيبات» في المدينة القديمة، بما فيها الحرم الشريف (سيادة فلسطينية مع وضع اعتبار لاسرائيل في الجوانب الادارية).

*شلومو:

*اذا وافقتم على سيادة اسرائيلية خفيفة على منطقة المعبد (الحرم الشريف)، سنوافق على سيادة فلسطينية كاملة على المدينة القديمة والاحياء الداخلية.

*روس:

*لنضع موضوع الحرم الشريف والمعبد جانبا. انا اقترح ان لا يكون هناك فرق بين المدينة القديمة والاحياء الداخلية، رغم ان الاحياء الداخلية ستكون تحت «سيادة محدودة».

*شلومو:

*نعم (اومأ برأسه موافقا). على شرط ان تكون هناك مسؤوليات مشتركة مع الفلسطينيين.

*عريقات:

*نعم. على شرط الا تكون لاسرائيل السيادة عليهما.

*شلومو:

ا*نت اقترحت «سيادة مع ترتيبات» للمدينة القديمة (بما فيها الحرم الشريف). لماذا ترفض «سيادة مع ترتيبات» للمدينة القديمة والاحياء الداخلية؟

*عريقات:

*(لم يرد).

*كلينتون:

*اقتراحي هو: «وضع سيادي» للجانبين في المدينة القديمة. (تعمد كلينتون ان تكون كلمة «سيادي» مجرد وصف، لارضاء الجانبين، بدون معنى قانوني محدد).

*روس:

*«وضع سيادي» او «سيادة» حسب المناطق: المدينة القديمة، او الاحياء الداخلية، او الحرم.

*عريقات:

*يهمنا هنا الحرم الشريف. هل سيكون تحت «سيادة» او تحت «وضع سيادي»؟

*روس:

*الفلسطينيون ستكون لهم «سيادة دينية» والاسرائيليون ستكون لهم «بقية السيادة».

*عريقات:

*لماذا لا نلغي استعمال كلمة «سيادة»، للجانبين؟

*شلومو:

*نحن حريصون على السيادة على المعبد.

*كلينتون:

*ما دمنا لا نقدر على الاتفاق، لماذا لا نؤجل موضوع القدس، ونحاول حل المشاكل الاخرى؟

*عريقات:

*القدس موضوع اساسي بالنسبة لنا، وتأجيله معناه تخلينا عن نقطة تفاوض اساسية. واسرائيل ربما سترفض حل مشكلة القدس في المستقبل اذا نجحنا في حل المشاكل الاخرى الآن.

*شلومو:

*نحن، ايضا، لا نقدر على تأجيل موضوع القدس. اذا قدمنا تنازلات كبيرة، وانسحبنا من تسعين في المائة من اراضي الضفة وغزة، سيظل الفلسطينيون يريدون حل مشكلة القدس.

(هنا انضم الى المجتمعين ساندي بيرغر، مستشار كلينتون للامن القومي، ومادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية).

*بيرغر (مخاطبا عريقات):

*اذا وافقتم على تأجيل موضوع القدس، ستحصلون على تسعين في المائة من اراضيكم المحتلة. ثم، في المستقبل، تقدرون على العودة الى موضوع القدس.

*عريقات:

*نحن نرفض ذلك، لانكم، في المستقبل، سوف تضغطون علينا لنقدم تنازلات في موضوع القدس، وتقولون ان اسرائيل قدمت تنازلات وانسحبت.

*كلينتون (مرهقا، وفي محاولة اخيرة. الساعة بلغت منتصف الليل، والاجتماع كان بدأ في التاسعة والنصف):

اقترح «سيادة» فلسطينية على الاحياء الخارجية، و«سيادة محدودة» على الاحياء الداخلية، و«سيادة» على القسمين الاسلامي والمسيحي في المدينة القديمة، و«سيادة رعاية» (سيادة دينية) على الحرم؟

*عريقات (مقاطعا):

*نريد «سيادة مع ترتيبات» (سيادة فلسطينية مع ترتيبات لاسرائيل).

*روس (مقاطعا):

*الرئيس قال «سيادة محدودة».

*كلينتون: قلت ما قلت رغم اني لا اعرف هل سيقبله باراك او لن يقبله.

*روس:

*انا اعرف. باراك لن يقبله.

*كلينتون:

*ربما انت على حق. (مخاطبا عريقات) هل يمكنك نقل هذا الاقتراح الى الرئيس عرفات، والعودة باجابة عليه؟

*شلومو (غاضبا):

*انا لا اقبلها، وباراك لن يقبلها. لن نقدر على تقديم تنازلات اكثر مما قدمنا.

*عريقات:

*انا اشك ان الرئيس عرفات سوف يقبلها.

*بيرغر (مخاطبا عريقات):

*اذا رفض عرفات اقتراح الرئيس، هل يمكن ان يوافق على تأجيل موضوع القدس، واستمرار المفاوضات في المواضيع الاخرى؟ (هنا نهض كلينتون وغادر المكان متعبا وغاضبا، وكانت الساعة الواحدة صباحا تقريبا. وحمل عريقات اقتراح كلينتون الى عرفات. ثم انضم الى عريقات بعض اعضاء الوفد الاميركي، وحاولوا اقناع عرفات بقبول اقتراح كلينتون. لكن عرفات رفض النقطتين: رفض «سيادة رعاية دينية»، ورفض تأجيل موضوع القدس. في الساعة الثالثة صباحا اتصل كلينتون تليفونيا مع باراك، وقال له ما قال عرفات. روس، الذي كان يعرف ان عرفات سيرفض، كان طلب، قبل رفض عرفات بساعتين، من مساعده ارون ميلار كتابة بيان قصير ليلقيه كلينتون امام الصحافيين في الصباح، وفيه عبارات مثل: «مفاوضات تاريخية لم تحدث من قبل» و«لا حل غير المفاوضات» و«الجهود الاميركية لن تتوقف».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال