الثلاثـاء 11 رمضـان 1425 هـ 26 اكتوبر 2004 العدد 9464
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الطاهر بن عاشور.. رائد الإصلاح والتجديد

الصادق كرشيد*

الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أحد أعلام الزيتونة أنار الفضاءات العلمية داخل الوطن العربي وخارجه بمشاركاته القيمة في تنشيط الحركة الفكرية وإثراء المكتبة العربية على امتداد قرن كامل.

ولد ابن عاشور سنة 1879 بتونس وسط عائلة علمية عريقة أنجبت العديد من الكفاءات في أكثر من تخصص معرفي كأحمد بن عاشور، ومحمد ابن عاشور، وجد المعرف به وسميه محمد الطاهر بن عاشور بالإضافة الى ابن المترجم له محمد الفاضل بن عاشور. وقد تدعمت هذه النشأة العلمية بما حبا الله به محمد الطاهر من شيوخ أعلام كجده لأمه الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور، والشيخ سالم بوحاجب، وهو ما يؤكد انتماء ابن عاشور الى مدرستين; أولاهما كانت جد تقليدية مثلها بالخصوص الشيخ مصطفى السوسي، وقرينه حسين بن حسين، في حين غلب على أصحاب المدرسة الثانية الميل الى إعمال العقل ونبذ التقليد من أجل تحصين الوافدين على الزيتونة بمنهج عقلاني يمكنهم من الانفتاح ومواكبة المستجدات بشكل أفضل.

استطاع ابن عاشور منذ وقت مبكر الإطلاع على أفكار الطهطاوي والأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم من المصلحين في الساحة العربية والإسلامية، وقد تعزز إيمانه بالحاجة الى ذلك بما برز في بلاده أيضا من دعوة الى التغيير بقيادة ابن أبى الضياف وخير الدين التونسي وغيرهما من المجددين إلا انه وبقدر ما اشتد تعلقه برواد الإصلاح المسلمين فإن متابعته لما كان يحدث بالغرب لم تتوقف بفضل احتكاكه المتواصل بثقافته ورصده الدائم لمختلف إنجازاته.

لقد تمكن ابن عاشور بفضل تعدد مواهبه وتنوع مصادره بناء شخصية في منتهى الاعتدال، دائمة الانفتاح، جريئة في إبداء الرأي ونصرة الحق، متجددة العطاء حيث ترك الكثير من المصنفات المعتبرة في أكثر من تخصص من أبرزها أنظار في القرآن والسنة، في صميم السيرة، قصة المولد الشريف، النظر الفسيح عند مضـايق الأنظار في الجامع الصحيح، مجموع الفتاوى، كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، مسائل فقهية وعلمية تكثر الحاجة إليها ويعول في الأحكام عليها، آراء اجتهادية، نقد علمي لكتــاب الإسـلام وأصول الحكم، الوقف وآثاره في الإسلام، أصول التقدم في الإسلام، تحقيق ديوان بشار بن برد، جمع وتحقيق ديوان النابغة الذبياني، مصادر الدراسة الأدبية، كتاب تاريخ العرب، فهرس في التعريف بعلماء أعلام إلى جانب مؤلفاته الأكثر انتشارا: تفسير التحرير والتنوير، ومقاصد الشريعة، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وأليس الصبح بقريب التي كشف من خلالها عن معالم منهجه في الإصلاح، وأسلوبه في التغيير نحو الأفضل. كما كانت للشيخ أيضا الكثير من المشاركات المتميزة في الموسوعة الفقهية التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية الكويتية، وأعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي بدمشق. وقد حظيت جل كتاباته في مختلف الصحف والمجلات داخل تونس وخارجها بالكثير من التقدير والإعجاب لما تتسم به من وسطية واعتدال وتحمله من نزعة إصلاحية رائدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

إن ما حققه ابن عاشور من إنجازات علمية رائدة مكنته من تقلد مناصب أكاديمية عدة والإحراز على درجات وجوائز العلمية شتى حيث انتدب منذ سنة 1901 للتدريس بجامع الزيتونة، كما اختير لاحقا عضوا في الهيئة المديرة للجمعية الخلدونية ونائبا لرئيسها الى جانب انخراطه في التدريس بالمدرسة الصادقية، ثم وقع تعيينه نائبا للدولة لدى الهيئة المشرفة على التعليم الزيتوني وعضوا بكل من مجلس إدارة المدرسة الصادقية ولجنة النظر في إصلاح التعليم الزيتوني والمجلس الأعلى للأوقاف، ولم تمض سنتان حتى عٌين قاضيا مالكيا منتقلا بعد فترة وجيزة من توليه القضاء الى دائرة الإفتاء التي منحته تبعا لخبرته العلمية المتميزة ومردوده المهني الطيب لقب شيخ الإسلام المالكي. يضاف الى ذلك توليه مشيخة الجامع الأعظم وفروعه في مناسبتين منفصلتين نظرا لعدم تبنيه لسياسة المستعمر وتحفظ بعض أصحاب المصالح الضيقة من القائمين على شؤون الجامعة على منهجه الإصلاحي، وهو أحد المؤسسين الأوائل للجمعية الخلدونية، وأول عميد للجامعة الزيتونية إثر استقلال البلاد سنة 1956 منقطعا على اثر تخليه عن هذا المنصب سنة 1960 الى البحث والتأليف الى أن وافته المنية بتونس في سنة 1973 .

لقد حاول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ـ طيب الله ثرا ه ـ عبر مسيرته الطويلة ووفق قراءته المقاصدية الواعية تحرير صحيح المنقول مما لصق به من أباطيل، والرد عما يثار حول الإسلام والمسلمين من شبهات من خلال عمله الدؤوب على إحكام الوصل بين النقل و العقل، وتوطيد العلاقة بين القديم والجديد، ودعوته الى عدم التوقف عن إصلاح المؤسسة التعليمية وتوفير الدعم اللازم لها، وإعظام منزلة المرأة والتأكيد على حضورها ومشاركتها باعتبارها دعامة الأسرة، ومربية الأجيال، وناقلة القيم، الى جانب رفضه الدائم لكل أشكال الغلو ومظاهر التعصب لأن الحِجْر على الرأي ـ والكلام له ـ يكون منذرا بسوء مصير الأمة ودليلا على أنها قد أوجست في نفسها خيفةً من خلاف المخالفين وجدل المجادلين.

*باحث واكاديمي من تونس

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال