الاحـد 11 جمـادى الاولـى 1426 هـ 19 يونيو 2005 العدد 9700
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مجهولون يفتحون النار على رجل أمن سعودي أمام منزله ويردونه قتيلا

المتحدث الرسمي: منفذو العملية استخدموا سلاحا رشاشا في اغتيال المقدم السواط

مكة المكرمة: سلطان العوبثاني وعلي مطير
قتل مجهولون أمس ضابط أمن سعوديا برتبة مقدم، يدعى مبارك فالح السواط، يعمل في قسم التحقيقات بالمباحث العامة، بعد أن أطلقوا عليه نحو 20 رصاصة من سلاح ناري، أمام منزله في حي الشرائع بمكة المكرمة.

وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن العملية وقعت في تمام الساعة 8.30 صباحاً، بينما كان المغدور يهم بالتوجه إلى عمله، حيث كان يرتدي لباسا مدنيا (الزي السعودي)، وعند خروجه من الباب الداخلي المطل على باحة العمارة التي يسكن فيها، تمت مباغتته من مجموعة إجرامية أطلقت عليه 20 رصاصة من سلاح ناري، تركزت في منطقة الصدر، مما أدى إلى وفاته على الفور. وأكد اللواء منصور التركي، المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية، مقتل السواط صباح أمس، مفيدا أن التحقيقات ما زالت جارية لمعرفة ملابسات الحادث. وأضاف اللواء التركي، أن المعلومات الأولية تفيد بأن الجناة الذين نفذوا العملية اثنان استخدما سلاحا رشاشا أثناء خروج مبارك السواط من العمارة التي يقطن بها، مبينا أنه «من السابق لأوانه التكهن بأسباب الجريمة ومعرفة أهدافها، ولكن يجري التحقيق حاليا، وسيتم الكشف عن التفاصيل لاحقا».

وأعاد مقتل السواط إلى أذهان السعوديين حادثة إلقاء مادة حارقة على رجل الأمن العقيد سعود الشبرين في عام 1995، على يد عبد الله بن عبد الرحمن الحضيف، الذي كان يتبنى سياسات تحض على محاربة الدولة وتكفيرها، قبل أن يحكم عليه القضاء السعودي بحد القصاص، وعلى بقية المشاركين بالسجن مدداً تتراوح بين 3 و18 عاما، للمشاركة في التخطيط والإعداد لقذف رجل الأمن بالمادة الحارقة. وجاء مقتل المقدم مبارك السواط، الذي كان يعمل حتى صباح مقتله في إدارة المباحث العامة في العاصمة المقدسة، ليفتح الباب على احتمالات وجود خلايا ناشطة ضمن المطلوبين أمنيا ما زالت تتبنى الفتاوى السابقة التي أصدرها بعض منظري تنظيم «القاعدة» في السعودية، وأبرزهم فارس شويل الزهراني، الذي كان قد أصدر كتابا بعنوان «الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث»، كما كان ثلاثي التكفير الشهير علي الخضير وناصر الفهد وأحمد الخالدي، أصدروا فتوى سابقة تحث على عدم التعاون مع رجال المباحث في الإبلاغ عن المطلوبين أمنيا الذين كانت الداخلية السعودية أصدرت قائمة بأسمائهم وأذاعتها عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

وعلى الرغم من تراجعات الخضير والخالدي والفهد، ومبايعتهم لإمام المسلمين في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2003، إلا أن تلك التراجعات اعتبرت داخل الأوساط التكفيرية أنها تمت تحت ضغوط حكومية، بهدف التقليل من صراحة تلك التراجعات المتلفزة وأهميتها على عناصر التنظيم.

وكانت المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية ردت على تلك الفتاوى والكتب بفتوى تحرم قتل رجال الأمن، حيث نصت الفتوى على «لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يصب دماً حراماً، لا يحل قتل المسلم إلا بما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يدل على عدم بصيرته وحرمانه، ولا أعلم أن أحداً من السلف أفتى بقتل رجال السلطان، وكانت هناك أنواع من الظلم والعدوان من بعض الولاة ورجالهم، وما كان أحدٌ من العلماء أن يفتي بقتل أحدٍ من هؤلاء، والجرأة على مثل هذه الفتيا، جرأة على القول في دين الله بالجهل، إذا قال قائل ما حكم من يفتي بمثل هذا؟ أو ما حكم قتل من يخدم السلطان ويظلم الناس بخدمته، كل ذلك لا يبيح دمه، هذا عدوان وظلم وجور، ثم هذا من أسباب انتشار الفوضى واستشراء الفساد والجرأة على الدماء، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يكثر الهرج فيها والسفك».

وشهدت السعودية في الأعوام الأخيرة سلسلة من الاعتداءات التي طالت رجال أمن، وتضاربت التصريحات حول دوافع تلك الحوادث بين كونها لها صلة بالأعمال الإرهابية، أو أنها حوادث جنائية، حيث قتل حمود بن علي بن ربيع السويل، وهو رجل أمن برتبة مقدم بشرطة منطقة الجوف (شمال السعودية) في ابريل (نيسان) 2003، وتم تفجير سيارة من نوع لكزس تابعة لرجل أمن كبير في الرياض في ديسمبر (كانون الأول) 2003 عن طريق زرع عبوة ناسفة، غير أن الحادث لم يسفر عن وفيات أو حدوث إصابات.

وتتابعت الحوادث على رجال الأمن لتطال نقطة تفتيش أمنية في جدة في 17 ديسمبر 2004، فيما قتل مدير مرور محافظة البدائع بمنطقة القصيم المقدم عبد الله المفضي في مايو (أيار) عام 2004، وسلم القاتل نفسه بعد تنفيذ جريمته.

واستهدف مجهولون دورية أمنية في الرياض في مارس (آذار) الماضي، إضافة لإطلاق نار على دورية تابعة لأمن الطرق في منطقة القصيم أسفر عن حدوث إصابات طفيفة لرجلي أمن.

وعودة إلى المقدم مبارك فالح السواط، فقد التحق بالخدمة العسكرية منذ 20 عاما، تنقل خلالها في عدد من الدوائر الأمنية، واشتهر بين زملائه بالحنكة والذكاء، حيث نجح في كل المهام الأمنية التي أوكلت إليه، والتي ساهمت في توجيه الأمن السعودي ضربات استبقائية، وإلقاء القبض على مطلوبين في عدد من المدن السعودية.

ونشأ السواط في حي المعابدة بمكة المكرمة، وعُرف بين أفراد عائلته وجيرانه بالالتزام والتدين، وهو متزوج ولديه 8 أبناء (4 أبناء، و4 فتيات)، وابنه البكر عماد يدرس في الصف الثاني الثانوي، بينما أصغر أبنائه طفلة رضيعة لم تتجاوز الأربعة أشهر، ولديه 3 إخوان، هم عبيد وعبد الله وفلاح، ووالده متوفى، كما تعيش والدته معه في المنزل في أوقات كثيرة من العام، وهي مصابة بمرض السكري.

وذكر عبيد السواط (أخو القتيل) أن آخر محادثة تمت مع أخيه كانت يوم الجمعة، للحديث في أمور عائلية والاطمئنان عليه، بينما أكد هلال بن جميل (ابن عم القتيل) أن مبارك كان محبوباً من الجميع، قائلاً «لم تكن لمبارك عداوات شخصية مع أحد، بل كان محبوبا من زملائه وجيرانه».

ويقطن القتيل مع عائلته التي تتكون من تسعة أفراد، في شقة بالطابق الثاني، في عمارة تتكون من دورين وملحق في حي الشرائع مخطط رقم 1 في مكة المكرمة، المجاور لملعب الشرائع، كما يمثل الموقع آخر حدود الحرم المكي الشريف. وسجل الصحافيون الذين تجمهروا أمام منزله مظاهر التدين التي بدت على منزله وعائلته، وذلك لعدم وجود صور فوتوغرافية أو تلفاز بصالون منزله، وكذلك في الهندام الإسلامي الذي بدا على أبنائه وإخوته، من ثوب لا يتجاوز الكعب اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان معروفا بين جيرانه بالرجل الهادئ، المبتسم والمتزن في حديثه، الذي تنحصر حياته بين عمله وعائلته والمسجد المجاور لمنزله، فهو أب لعائلة كبيرة تتكون من تسعة أفراد، هم زوجته وأبناؤه الأربعة، وبناته الأربع أيضاً، بالإضافة إلى والدته التي كانت تبيت لديهم من حين لآخر.

أما بالنسبة للأصوليين، فقد كانت لهم نظرة مختلفة، وذلك ما ظهر من هجومهم عليه في منتدياتهم، التي توعدوه بها منذ أن كان رائداً في قوات الأمن السعودية، ووصفوه بـ«عدو الله ورسوله».

وترجع فصول هذا التهجم لعام 1999، وذلك عند بداية دخول الإنترنت في السعودية، حينما اعتبروا في ذلك الحين، مبارك السواط، المسؤول الأول عن مقتل عبد الله الحضيف، غير أن الأخير كان من أبرز رؤوس الفتنة التي بدأت تتشكل في تلك الفترة، وحوكم بتهمة قتله رجل أمن، ونفذ فيه حكم القصاص.

وترى الجماعات الأصولية في السواط والعديد من الشخصيات الأمنية الأخرى كالعقيد الشبرين، واللواء أمين الزقزوق، أنهم كفرة ويجب قتلهم، كما حاولوا نشر الإشاعات حولهم، وخصوصاً السواط الذي كان يحقق مع الحضيف، لدرجة أنهم أكدوا أن والده تبرأ منه، وهذا ما نفاه شقيقه أمس.

يذكر أنه أقيمت صلاة الجنازة على المقدم السواط في الحرم المكي الشريف بعد صلاة المغرب يوم أمس، وشهد كل من سار في الجنازة بأنه كان لا يتحدث إلا عن مواقفه الخيرية، وأسلوب تعامله مع الناس بالكلمة الحسنة، وبأخلاقه، التي وصفها الجميع بالمحببة إلى النفس.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال