الاثنيـن 12 جمـادى الاولـى 1426 هـ 20 يونيو 2005 العدد 9701
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«حمام أبو لوزة».. عين ناضبة وحكايات خالدة

لم يبق منه إلا آثاره بعد أن نضبت مياه النبع

القطيف: عبير جابر
بين المزارع والبساتين التي تشتهر بها بلدة البحاري في محافظة القطيف، يقع «حمام أبو لوزة»، هذا الحمام الذي لم يبق منه إلا آثاره الموجودة حتى اليوم بعد أن نضبت مياه النبع الذي يقوم عليه. فمنطقة القطيف اشتهرت بعيون المياه الكثيرة والغزيرة فيها، ومن أبرزها عين ماء معدنية ذاع صيتها في الماضي هي عين «أبو لوزة».

وتقع هذه العين في بلدة البحاري على الطريق العام المؤدي إلى العوامية وصفوى وعند أطراف حاضرة القطيف، وبجانب نخيل ومزارع بلدة القديح، وكانت عين «أبو لوزة» مقصداً للراغبين بالعلاج بمياهها، وذلك للمزايا التي كانت تتمتع بها. فقد عرفت هذه العين في الماضي كونها مصدرا لعلاج كثير من الأمراض الجلدية وآلام المفاصل وأمراض الظهر بسبب حرارة مياهها والغازات المنبعثة منها، ولهذا السبب أقام الأهالي فوقها حماماً بات يعرف بـ «حمام أبو لوزة»، ومثله كان هناك حمام تاروت وحمام عين بدي بالأوجام.

بلدة البحاري الصغيرة التي ينسب اسمها الى البحار جمع بحر لعمل أهلها قديماً في البحر وصيد الاسماك، غنية بالمزارع والبساتين وفيها الكثير من العيون. ويذكر عبد الخالق الجنبي الباحث في تاريخ منطقة القطيف أنّ «حمام أبو لوزة يقع في منطقة تكثر فيها العيون القديمة التي اشتهرت بها المنطقة مثل عين البشري وعين الرواسية في شماله وشماله الغربي، وعين القطينية وعين قصاري في جنوبه وجنوبه الغربي، وعين الخباقة في جنوبه الشرقي مباشرة، وإلى الشمال منه مباشرة تقع مقبرة القطيف العامة المعروفة بمقبرة الخباقة». وعين الخباقة عين مكشوفة على بعد عشرين متراً تقريباً من حمام أبو لوزة ويستحم فيها الرجال. أما الرواسية فعين قوية مكشوفة مخصصة للرجال أيضاً وتقع على بعد 500 متر غرب المقبرة في الطريق المؤدي إلى بلدة الأوجام. بينما عين القصاري مخصصة للنساء فقط وتقع على بعد مائة متر من الحمام. وعلى الرغم من الشهرة التي حظي بها الحمام، إلا أن ذلك لم يمنع تحوله الى مجرد بناء قديم مهجور من الناس، إلا في حالات قليلة حيث يزوره الراغبون بالتعرف على تراث المنطقة. وقد كان لضعف مياه النبع نتيجة للإهمال وعدم العناية دور في انصراف الناس عن الحمام، فلم يقتصر الأمر في الماضي على زيارة الحمام لراغبي العلاج فقط، بل كانت العين على غرار عيون المنطقة كلها مقصداً للراغبين بالسباحة والتسلية.

وسبق أن قامت بلدية القطيف بمحاولة لإحياء «حمام أبو لوزة» عبر ترميمه من التصدعات والشقوق، لكن عملية الترميم أثمرت عن صيانة الحمام وتلييسه من الداخل والخارج، لكن ذلك أدى لإدخال عناصر على بناء الحمام الأثري غير متوافقة مع طابعه القديم.

ويتميز حمام أبو لوزة بكونه من المعالم التراثية التي طبعت القطيف بطابعها العمراني وهو يعدّ من روائع الإبداع المعماري الفني المحلي البسيط في شكله والبناء التقليدي بالمنطقة الشرقية. حيث يبدو من خلال الأسس العمرانية التي بني الحمام وفقاً لها أنه بناء بمواصفات محلية وقام بإنشائه بناؤون محليون واستخدموا المواد التقليدية المستعملة في تشييد المباني آنذاك مثل الحجر البحري والجص وجذوع النخيل.

ويقال ان تسمية «ابو لوزة» شاعت بين أهالي المنطقة نظراً لأن القبة المشيدة على بناء الحمام على شكل نصف لوزة وكذلك نسبة إلى ثمرة اللوزة وهي من أنواع الفاكهة المحلية التي تكثر في المنطقة. لكن الباحث الجنبي ينفي القول بأنّ سبب تسمية الحمام بحمام أبو لوزة هو بسبب شكل القبة التي بُنيت عليه «فهذا القول غير صحيح لأنّ الحمام بُني في الأصل فوق فوّهة عين كانت تحمل الاسم نفسه أي عين أبو لوزة، وكانت عيناً ذات مياه معدنية يُستشفى بها، ولعلّ هذه العين سُمّيت بهذا الاسم بسبب وجود شجرة لوز بالقرب منها مباشرة، وهو أمرٌ معروف لدى أهالي المنطقة». وأشار الى أنه «بعد أن بُني هذا البناء المشاهد الآن على عين أبو لوزة، صارت تُعرف بحمام عين أبو لوزة، ولكن الأهالي طلباً للتخفيف حذفوا كلمة (عين) وصاروا يسمونه بحمام أبو لوزة». ويعطي الجنبي أمثلة على وجود عينٌ تُسمى بعين غـُرَّى في قرية القديح يقولون إنّ سبب تسميتها بذلك هو وجود نخلة بقربها من النوع المعروف بالغـُرَّى، وهو من أجود أنواع الرُّطب في القطيف.

أما تاريخ تشييد البناء فيقول عنه بعض المؤرخين انه يعود إلى الدولة السعودية الثانية حيث أمر ببنائه القائم على أحوال القطيف مهدي بن نصر الله المتوفى سنة 1281هـ، في عهد الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله الذي حكم خلال فترتين 1250 ـ 1254 والفترة الثانية 1259 ـ 1282، وهذا ما يخالفه الباحث الجنبي «فالذي فعله الشيخ أحمد بن مهدي آل نصر الله هو تجديد عمارة الحمام وإضافة ملاحق له، وأما أصل البناء، فيشير الباحث المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم وهو مؤرخ القطيف في كتابه (واحة على ضفاف الخليج (الصفحة 42)، إلى أنّ بناء الحمام على هذه العين يعود إلى فترة أبعد بكثير من العهد العثماني على المنطقة، وأنه قد جدّد أكثر من مرّة وأضيف إليه خلال العهد العثماني». وضم الجنبي رأيه لرأي الباحث المسلم «في أنّ هذا الحمام ربما يكون كما قال أبعد من العهد العثماني بكثير»، معتبراً أنه «قد يرجع إلى القرنين الثالث والرابع في عهد القرامطة، أو القرنين الخامس والسادس في عهد العُيونيين الذين حكموا هذه المنطقة وبنوا فيها الكثير من القلاع والحصون والحمامات، ومنها حمام في قرية البطالية الأحسائية، وهو الحمام الذي بناه أبو سعيد الجنابي مؤسس دولة القرامطة في هذه المنطقة، وكذلك هناك حمام تاروت الشهير، وهذا الحمام حمام أبو لوزة».

ويأتي تصميم الحمام على طراز الحمامات التركية التي عرفت انتشاراً في حقبة الحكم العثماني في بلاد الشام والعراق. مع العلم أن بناء الحمامات كان سائداً منذ عهود إسلامية سابقة لفترة الخلافة العثمانية حيث استمدت أصولها من فترات قبل الإسلام.

ويضم «حمام أبو لوزة» قسمين أحدهما للرجال وهو الواقع عند النبع ومغطى بقبة، والآخر للنساء في الجانب الشمالي وهو عبارة عن غرفتين إحداهما غرفة الاستحمام وفيها بركة مستطيلة تصل إليها المياه عبر قناة مباشرة منبع العين حيث يسبح الرجال، وغرفة أخرى لخلع ملابسهن ووضع حاجياتهن الخاصّة. ويمكن ولوج الحمام عبر مرفق بسيط له مدخل صغير على شكل نصف قوس يؤدي إلى غرفة مستطيلة تعرف بقاعة خلع الملابس، وتحيط بجدران هذه الغرفة «روازن» وهي كوات لوضع الأمتعة الخاصة بكل شخص، كما تحيط بها «الدكات» أي المصاطب للجلوس والراحة خاصة لمن لا يتحمل حرارة الماء وشدّة البخار. وسقف هذه الغرفة منحنٍ بشكل نصف أسطواني تتميز به العمارة المحلية القطيفية. أمّا غرفة النبع والتي تقع خلف غرفة خلع الملابس فتتصل بغرفة خلع الملابس عن طريق مدخل صغير على شكل نصف قوس. كما أنه عند الدخول توجد عتبات للنزول إلى جوف النبع الدائري الشكل، وهناك مصطبة علوية على طول محيط النبع للجلوس عليها، خاصةً للأشخاص الذين لا يجيدون العوم والمصطبة الأخرى في الأسفل. وشيد فوق غرفة النبع قبة على شكل نصف دائرة مدببة في الأعلى على نمط قباب المساجد التركية، واتخذ في بنائها نظام المقرنصات المعروف في بناء القباب خلال الفترات الإسلامية والذي يعتمد على التدرج من السطح المربع إلى السطح الدائري الذي تقوم عليه القباب، والهدف منه جمالي وفني هندسي، حيث يتم توزيع الجهد والثقل على كل ركن من أركان الحجرة المربعة عند بناء قبة فوقها مستديرة الشكل. ويوجد في أعلى القبة فتحات دائرية لتنفيس الهواء وتساعد على تخفيف البخار الذي يكون كثيفاً في فصل الشتاء ولينفذ منها الضوء. ومن المتداول بين الناس أن سبب تشييد بناء فوق النبع كان للمحافظة على بقاء الماء حاراً لمدة طويلة، وكذلك كي لا يتعرض للتلوث ويكون نظيفاً. ويجد الجنبي أن هذا الكلام السائد «غير صحيح لأنّ هذه العين التي بُني الحمام عليها هي عين معدنية شديدة الحرارة في الشتاء وباردة في الصيف، وبالتالي فهي غير محتاجة لوجود بناء يحفظ حرارتها لأن ماءها حارٌ بطبيعته». وعن حمايتها من تعرض مائها للتلوث يرفض الباحث الفكرة من أساسها«لأنّ العين كانت تتدفق بغزارة ويسيح ماؤها بوفرة في مجراها، فهي تنظف نفسها بنفسها». ويشرح الجنبي السبب في البناء فوقها بأنه لحماية السابحين فيها من لسعة البرد أيام الشتاء أو حرارة الشمس في القيظ، وقد يكون هناك سبب أهم وهو حبس بخار الماء المتصاعد من العين لئلا يخرج، وبالتالي يتشكل ما يشبه حمامات السونا البخارية المفضلة للاستحمام، بالإضافة إلى أنّ البناء يشكل ستراً للسابحين الذين يتحرجون من النظر إليهم، لا سيما النساء حيث كانت الأعراف تقضي بعدم جواز النظر إليهن في الطرقات فضلاً عن أماكن السباحة، وبالتالي كان هذا من أعظم الأسباب التي دعت إلى بناء غرف خاصة بالنساء عند هذا الحمام».

ويوجد في غرفة نبع «حمام أبو لوزة» قناة لتصريف المياه للخارج، حيث يستفاد منها بري الحقول المجاورة. ويقع الى الشرق من حمام النساء مباشرة اسطبل للخيل والحمير التي كانت تستخدم كوسائل نقل للقاصدين للحمام من القرى البعيدة أو من حاضرة القطيف القلعة. كما شيد إلى جوار هذا الاسطبل مبنى مستطيل الشكل أقيم على المجرى الخارج من هذا الاسطبل، وكان مقسماً إلى ما يشبه «الكابينات» الصغيرة وكانت تستخدم لأمور العناية الشخصية كاستخدام النورة والحلاقة. وهناك الى الغرب من حمام الرجال مسجدٌ صغير لأداء فريضة الصلاة.

التعليــقــــات
عبد القادر العبيدي، «المملكة العربية السعودية»، 20/06/2005
مشكورة اختي عبير على المعلومات القيمة وإلى الأمام دائماً وبارك الله خطواتك.
Saiid Ali، «لبنان»، 29/06/2005
المقال يعرفنا على منطقة مجهولة من بلادنا الحبيبة، وقد وجدت فيه من المعلومات القيمة الكثير الكثير
وهذا عهدنا بالشرق الأوسط.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال