الاربعـاء 21 جمـادى الاولـى 1426 هـ 29 يونيو 2005 العدد 9710
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كيف قرأ النقاد العرب «دريدا»؟

الكاتب البحريني محمد البنكي يحلل وجهات النظر العربية في التفكيكية

القاهرة: محمد أبو زيد

يشكل المفكر الفرنسي جاك دريدا أحد رموز الفكر الغربي المؤثرة في الثقافة العربية في العقود الأخيرة. وحول هذا التأثير جاء كتاب الكاتب البحريني محمد احمد البنكي «دريدا عربيا».. قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي والذي صدر أخيرا عن المؤسسة العربية ببيروت.

يري المؤلف أن التفكيك يتراوح غيابا وحضورا في الفكر النقدي العربي بين ثلاث وجهات نظر: انعدام وجود التأثيرات البارزة للتفكيك في الفكر النقدي العربي، ووجود تأثيرات بارزة للتفكيك ووجود تأثيرات متفاوتة. تتبين وجهة النظر الأولى في جابر عصفور والثانية لدى احمد عبد الحليم والثالثة لدى محمد بدوي حيث يقف في مرحلة وسط بين الاثنين، فهو يثبت وجود مفعولات للتفكيك تدل على اسهامه في رفد جنبات المشهد النقدي العربي، وان كان لا يسرف في إسباغ أحكام القيمة سلبا وإيجابا على أمثله ومظاهر هذا الوجود.

ولعل أوضح نقاط العلامة في التأريخ لبدايات الحضور الدريدي عربيا كما يرصدها البنكي، هي ما قامت به مجلة الثقافة المغربية حيث قدمت ترجمة محمد البكري لنص دريدا المميز والذي طارت به شهرته «البنية»، اللعب، «العلامة في خطاب العلوم الإنسانية» وهي تعد من بين أوائل المحاولات العربية للوقوف على نتاج دريدا وتعريبه وتوسيع إمكانيات تداوله. وفي أجواء هذه الإرهاصات يحاول بعض الباحثين العرب التنقيب والتدليل على وجود حساسية نقدية تدل على توظيفات واعدة للاستراتيجيات التفكيكية في الخطاب النقدي العربي خلال العقد السبعيني من القرن العشرين مثل ذهاب البعض إلى أن أدونيس هو المبشر للاتجاه التفكيكي في النقد العربي الحديث.

ويشير البنكي إلى انه قد لا يكون مستبعدا أن أدونيس قد اتصل بشكل ما من الأشكال ببعض طروحات التفكيك منذ أوائل السبعينات إلا أن حديث أدونيس عن التفكيك باللفظ خلا من الكثافة المفهومية التي تفترضها حمولة منهجية محددة ومنضبطة، كما أن ثمة ما يشعر بان الحديث عن التفكيك كان مندرجا في أفق «قبل دريدي» حيث يحضر عند هيدجر ويحضر التفكيك Destruction وليس Deconstruction . أما المقارنات التي حاولت أن تربط بين آراء عرضية لأدونيس وبعض المعطيات التفكيكية التي سهر على بلورتها بدأب بول دي مان وميللر وغيرهما من أمثال مفارقات العمى والبصيرة وأفكار الضيافة وازدواجيات التطفل فقد تم الإشارة إلى تداعي الصلات المعقودة بينها قبلا.

ويقول البنكي ان حقبة التسعينات تمثل ذورة ملموسة في تصاعد الاهتمام العربي بقراءة دريدا والافادة من استراتيجياته واجرائيات تعامله مع النصوص والاثار، فقد تعددت خلال هذه الفترة المظاهر الدالة على اشتداد وتأثر التراسل مع التفكيك في الساحة العربية كما وكيفا وبرزت اسماء عربية جديدة لم يكتب لها ان تدلي بدلوها على صعيد النشر حول التفكيك خلال القرن العشرين السابق، مقسما الحركة التفكيكية خلال هذا العقد الى اسهام ترجمات قدمها محمد البكري وهدى شكري عياد ود. محمد بولعيش والصديق بوعلام ومحمد بنيس، واسهام الدوريات مثل مجلة فصول، والطليعة الأدبية العراقية وكتابات معاصرة واسهام الكتابات الإبداعية في اتساع مفهوم التفكيك واسهام المتابعات الإعلامية ومظاهر الرواج.

ومن بين كثيرين اهتموا بقراءة التفكيك يختار البنكي سبعة نقاد ومفكرين اهتموا بدريدا هم: مصطفى ناصف وعبد العزيز حمودة وعبد الوهاب المسيري وعبد السلام بنعبد العالي وكمال أبو ديب وبختي بن عودة وعلي حرب، مشيرا إلى أن الباحثين اعتادوا في ميدان تأريخ الأفكار والنظريات النقدية أن يرتبوا التحولات على أساس أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد في بداياته هيمنة للدرس النقدي المتصل بالنقد الجديد والذي توازى مع الظاهرتين، وأفاد منها ثم انتقلت الهيمنة للبنيوية، فقد تسيدت البنيوية الموقف من منتصف السبعينات إلى نهاية الثمانينات تقريبا وخلال هذه الفترة شغلت البنيوية بجوانبها النظرية والتطبيقية، فئة كبيرة من النقاد والمفكرين العرب وهو أمر أدى بشكل أو بآخر إلى خفوت صوت النقاد ذوي الأصول المرجعية المغايرة.

ويشير البنكي إلى أن مشروع مصطفى ناصف يتحدد بانطلاقته من فلسفة خاصة للغة تعتمد الوصف والتقييم وعلة التعامل مع النصوص وهي في تحليلها الوصفي نزعة إنسانية قرائية تنطلق من المشاركة والتعاطف وتدريب استقبال النص على محض الالتباسات بين المعاني المتعددة المتاحة واحسان الاهتداء إلى المعنى في ظل النظر في وظائف اللغة، يحارب التحيز لبعض الاستعمالات اللغوية دون بعضها الآخر. وهكذا واجه مصطفى ناصف إيرادات جابر عصفور وسعد مصلوح وكمال ابو ديب وحمادي صمود.

ويؤكد البنكي ان ناصف انصف دريدا في غير موضع فنوه بذكاء دريدا واثبت لافكاره مساهمتها في رفع درجة إدراكنا بطبيعة الكلمة المكتوبة أو المطبوعة وتعريفنا بما يتعلق بعملية الكتابة ونشاط الكلمات خلالها ثم ان هذه الأفكار فيما يرى ناصف قد كشفت عن أساس المركزية الأوروبية ودور التقاليد المنسوبة حول الكتابة في ذلك.

أما عبد العزيز حمودة فتتبدى مشكلته كما يذكر الكتاب في بناء مقاربة للاتجاه التفكيكي وللاستثمارات العربية فيه، وهي مشكلة تتصل بالأساس المعرفي والمرجعية المتاحة وراء هذا الجهد كله، أن هذا يحدث في غياب موقف يتأسس بمبادئ فلسفية ذات رؤية عميقة فقد أسس حمودة أطروحته على نقولات واختيارات واقتباسات شكلت خطابا سرديا متدفقا يجتهد في اقتناص المعلومة وتأليف النظير إلى النظير لتقديم رواية تبسيطية سائغة. كما أن حمودة قد اخذ على عاتقه مهمة انتقاد منظور نقدي لا تنقصم عراه عن إشكاليات الفلسفة، منذ أفلاطون مع انه ينتمي إلى زمرة المشتغلين بالنقد الأدبي بمعناه الحصري. وينكشف تواضع تجربة حمودة من الناحية المعرفية المرجعية من خلال النظر إلى منطلقه التصوري الذي تحكم في موازينه ورؤاه، فمع عمومية الصيغة التي يطرحها صاحب «المرايا المحدبة» يلزم أن يقدم تشقيقات للحالة التفصيلية المختلفة التي يمكن أن تعرض لأي انتقال بين سياقات الأفكار.

ويرى البنكي أن قراءة عبد الوهاب المسيري للتفكيكية كفاحية احتجاجية ضد الغرب المتعجرف، ومن هذا المنطلق يقدم المسيري قراءة عربية للتفكيك تقع في الطرف الأقصى تماما لقراءة عربية اخرى هي قراءة عابد خزندار، الذي يرى ان استراتيجيات دريدا في تقويض التمركزات، وفي تعويم الدلالة تحول دون سيطرة النظام العالمي الجديد، وتعمل على تعزيز الثقة بان ثمة قوى اجتماعية تتضارب مع القوى المعرفية او الوضعية.

لكن يوجد اكثر من سبب يجعل المساحة التي يتعامل فيها كمال أبو ديب مع استراتيجيات التفكيك مختلفة ومغايرة لمجمل القراءات العربية التي استثمرت في دريدا أو حاولت التداخل مع مقولاته بأي ضرب من ضروب الاستثمار أو أية طريقة من طرق التداخل. فالتجربة التي ينجزها كمال متميزة بمناخها وهواجسها وإيقاعات بواطنها العميقة وحيث لا يمكن فصلها عن الوشائج الحميمة التي ظلت تربط مشروع الناقد في كمال أبو ديب بجرثومة النص والكاتب المبدع فيه. لذلك فإن قراءة أبو ديب للتفكيك تتدرج لذلك في أفق يلح على تأسيس قيم وجماليات وأدوات نقدية نابعة بشكل أساسي من تحولات الكتابة العربية واكتشافاتها ومقترحاتها على مستوى التشكيل والاسلوب. وفي مستوى من مستويات قراءة أبو ديب لتفكيك دريدا تتمحور المآخذ التي يوردها كمال على انتهاك التطبيق الدريدي على النصوص. وبينما يذهب دريدا إلى أن اللغة لا تقول ما تريد ان تقوله أبدا، فإن كمال أبو ديب يلاحظ أن دريدا عند الممارسه يحاول أن يؤكد هذه الأفكار بواسطة حاسمة لاتملك ادنى درجات الهلامية، وبلغة تقول بقطعية نادرة كل ما تزعم انها لا تستطيع ان تقوله، مخالفة بذلك تصورها النظري القائم على استحالة أن تقول اللغة ما تزعم انها تريد أن تقوله. وهذا هو مأزق التفكيك الذي يقوض مرتكزه التصوري بطريقة مضحكة كما يرى كمال أبو ديب.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال