الجمعـة 29 جمـادى الثانى 1426 هـ 5 اغسطس 2005 العدد 9747
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سالفا كير : برميل البارود

لندن : حسن ساتي
أكون .. أو لا أكون ..

هاملت في مسرحية شكسبير.

لم يُثرْ رمز أو ناشط سياسي في تاريخ السياسة السودانية أسئلة وعلامات استفهام وحالة من التوجس ، أو حتى التخوف ، مثلما فعل سالفا كير منذ تنصيبه خلفا للعقيد جون قرنق كرئيس للحركة الشعبية لتحرير السودان وقائدا لجيشها بعد وفاة سلفه في حادث مروحية بجنوب السودان مساء السبت الماضي، وأول أسباب ذلك التوجس أن الرجل سيصبح النائب الأول للرئيس عمر البشير وفق اتفاق السلام الموقع بين حزب المؤتمر الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان في نيفاشا بكينيا في التاسع من يناير الماضي ، ورئيسا لحكومة الجنوب ، وإن كان لذلك التوجس بعض تبريرات باستدعاء الظرف الدقيق الذي يعيشه كل السودان مع مسلسل الصدامات الدينية والعرقية التي دخلها السودان وعاصمته الخرطوم منذ الاثنين الماضي والى هذه اللحظات على خلفية ظروف وملابسات رحيل جون قرنق ، والطريقة التي عالجت بها الخرطوم تلك الحالة .

سالفا كير، الزعيم الجديد للحركة الشعبية لتحرير السودان، (من مواليد إقليم بحر الغزال في 1951 ومن قبيلة الدينكا أكبر قبائل السودان بتعداد يتعدى الثلاثة ملايين نسمة متفوقة على القبيلتين النيليتين الأخريَيْن المنافستين في زعامة الجنوب وهما قبيلتا الشلك والنوير) ، شخصية خلافية.. فوجهه صارم ، ولا يجيد الابتسام ، رغم أنه وسلفه جون قرنق عملا بالقوات المسلحة السودانية ، ولكن قرنق شخصية مرحة وحاضر البديهة والنكتة ، فيما تغلب عليه صفة النخبوية أكثر من سالفا الذي تسيطر عليه وفق رؤية كثيرين ثقافته العسكرية .

تاريخ ميلاد سالفا كير، يقول لك إنه كان طفلا يوم اندلع أول تمرد في جنوب السودان بحامية توريت في أغسطس 1955 على خلفية رحيل الجنود البريطانيين تمهيدا لاستقلال السودان في يناير 1956، وما صاحبه من إشاعات بأن كل أمور القيادة العسكرية ستؤول لـ «المندكرو» وهو الاسم المصاحب للشماليين بلغة الجنوبيين أو ما يعرف بـ«عربي جوبا»، فحدث تمرد مسلح أودى بحياة نحو 300 عنصر من الطرفين، ولكنه سجل أول شرارة أو قل فتح أول صفحة في خطاب الحرب والسلام في السودان.

وتاريخ ميلاد الرجل يقول لك إنه ربما لم يتشرب بعمق المرجعية العقائدية والفكرية للتمرد في جنوب السودان ، وأشهر محطاته كتاب «مشكلة جنوب السودان» من تأليف الراحلين جوزيف أودوهو ووليام دينق، وقد لخص الكتاب المشكلة في ثلاثة أبعاد هي : الإسلام والتعريب والتهميش الاقتصادي، والى ذلك ذهب بعدهما أوليفر ألبينو في مؤلفه «مشكلة جنوب السودان.. وجهة نظر جنوبية». (الطريف أن أولبينو عين وزيرا في حكومة المشير سوار الذهب وأعفي بعد فترة وجيزة بتورطه في قضية تهريب مخدرات).

وتاريخ ميلاد الرجل يقول لنا إنه كان في مراحل تعليمه الأوسط بعمر يتعدى الـ 10 سنوات، يوم فجرت حركة الأنانيا تمردها العسكري ضد حكومة المركز في الخرطوم بقيادة جوزيف لاقو في 1963، فيما يقول لنا تاريخ الميلاد إن سالفا كير، (أو سالفا توري وفق اسمه الكنسي ولأبناء جنوب السودان اسم تمنحه القبيلة وآخر تمنحه الكنيسة مع التعميد) كان جنديا ورجلا راشدا يوم وقعت حركة أنانيا بقيادة جوزيف لاقو اتفاقا للسلام مع نظام جعفر نميري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 3 مارس 1972، (من غرائب الصدف أن جون قرنق كان سكرتير جوزيف لاقو في غضون المفاوضات والتوقيع على تلك الاتفاقية، وقد سجل اعتراضه كتابة على دمج جيش الأنانيا في الجيش السوداني بعد إحلال السلام ، وهو ما حدث بالفعل ، لنجد جون قرنق مع سالفا كير يصران على وجود الجيش الشعبي لتحرير السودان وقرنق قائده وسالفا كير رئيس هيئة أركانه مستقلا طوال فترة الست سنوات الانتقالية التي حددها اتفاق نيفاشا الموقع بنيروبي في 9 يناير الماضي والتي سيليها وفق نصوصها استفتاء شعب جنوب السودان لتقرير مصيره بين الانفصال والوحدة).

وهنا بيت القصيد.. وهنا تتزاحم الأسئلة الساخنة.. وبينها:

* أين سالفا كير من قضية وحدة السودان ؟

* وكيف سيواجه العناصر الانفصالية في الحركة الشعبية التي آلت اليه قيادتها مع الجيش الشعبي لتحرير السودان ؟

* وكيف سيتعاطى مع الخلافات القبلية في الجنوب أو ما يعرف بالصراعات الجنوبية الجنوبية وما أكثرها ؟ (الحركة الشعبية بزعامة سلفه قرنق كانت قد شهدت منذ تفجير تمردها في 15 مايو 1983 عدة انقسامات أشهرها انقسام ريك مشار، وهو من قبيلة النوير، وتوقيعه لاتفاق السلام مع حكومة الإنقاذ في أواخر التسعينات من القرن الماضي، ثم انقسام لام أكول وهو من قبيلة الشلك ، ثم انقسام كاربينو وهو من قبيلة الدينكا وقد عاد الأخير مرة أخرى لصفوف الحركة ولكنه اغتيل في ظروف غامضة فيما عاد مشار وأكول الى صفوف الحركة مؤخرا ، دعك عن كون سلفا نفسه كان قد اقترب من الانشقاق قبل وبعد مفاوضات نيفاشا على خلفية خلافات حول اسلوب قرنق في إدارة الحركة والتفاوض مع الشمال).

* وهل سيتمكن من الإبقاء على نفس الجسور التي كان قد أقامها سلفه قرنق مع المحيط العربي وتحديدا مصر وليبيا ؟

لا أحد يمكن أن يقطع بإجابات فاصلة في أي من تلك الأسئلة أمام شخصية تستصحب بعض الغموض، وليست ميالة للأضواء، ومنحازة لما هو عسكري في داخلها ، وإن كانت معلومات متقطعة ومتواترة بعد دخوله لدوائر الضوء الإعلامي عنوة ، تقول لك إنه يؤمن بالجماعية في العمل ، فيما قطع آخرون أن شهادة الوفاة للعناصر السياسية من أبناء شمال السودان في داخل الحركة الشعبية وما أكثرها في طور التحرير باعتبار أنها جميعا قد أبدت ولاء أعمى للعقيد الراحل جون قرنق ، ويتشكك كير في أن يكونوا على نفس ولائهم معه .

شاهد القول إن سالفا كير في شخصه ، ومع كثرة هذه الأسئلة ، يبدو كما لو أنه مثل برميل بارود ، في ذات الوقت الذي يقترب فيه من الجالس على برميل بارود ، في معادلة تعلق وحدة السودان بشخصه، بل ووحدة الجنوب ذاته ، أقرب ما يكون الأمر لكل أضلاع هذا المثلث : وحدة السودان ووحدة الجنوب كضلعين وشخصية سالفا كير كقاعدة لهذا لمثلث ، تهتف كلها كما هاملت في مسرحية شكسبير : أكون أو لا أكون .

التعليــقــــات
عماد الدين خلف الله أحمد / جدة، «المملكة العربية السعودية»، 07/08/2005
مع احترامي الشديد لرأيك ووجهة نظرك ، لكن أعتقد أنّه من الظلم تحديد هويّة وتحليل شخصيّة رجل لانعرف عنه الكثير ، بل نصل لمرحلة اطلاق الأوصاف عليه وتشبيهه بـ (برميل بارود) ؟ فكم من شخص ظنّ الناس به الظنون وأثبتت الأيام أنّه عكس ظنّ الناس به ، مصداقاً لقول الشاعر : ستُبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبارِ مَن لم تزود .
محمد عبد الرحيم حسن - جدة، «المملكة العربية السعودية»، 07/08/2005
من المؤكد أن الزعيم الجديد له شخصية قيادية ومكانة قوية وسط مؤيديه وإلا ما أصبح زعيماً فهو قائد بالفطرة وعسكري بالنظرة ،من الشائع عن سلفا كير أنه رجل عسكري من الطراز الأول وكذلك هو يقرر بعد تفكير وهو غير متسرع وهذه الصفات على الأقل في صالحه وفي الصالح العام .
د.عبدالرحمن عثمان، «المملكة العربية السعودية»، 07/08/2005
المتابعون للشأن السوداني يجدون أنفسهم أمام وضع لايمكن معه التنبوء بمستقبل إتفاقية السلام في السودان من خلال الرؤية الضبابية إثر تناقضات الساحة ومستجداتها، فحتي قبل رحيل د. جون قرنق وبالرغم من تطميناته بانه لا عودة لحمل البندقية فلا أحد يدري كيف كان سيتعامل مع مسالة ابيي بعد ان عادت الي المربع الاول وزادتها لجنة الخبراء تعقيداً بعد ان الحقت بها مناطق اخري لم تكن موضوع خلاف ،ولا أحد يدرى باي أسلوب كان ينوي التعامل مع ماتيب وجيش تحرير الجنوب وبقية القوي الجنوبية المعارضة التي لايمكن تجاهلها كل هذه الملفات بالاضافة لقومية الحركة التي تنوي التمدد باتجاه الشمال زائد وحدة االسودان التي تنادي بها معظم الأصوات من الجانبين كل هذه الملفات إختبار لكير فرص النجاح فيه ضئيلة بنظر اكثر المتفائلين.
محمد امين، «فرنسا»، 07/08/2005
لا أدري ما الذي سيربحه الجنوبيون من الانفصال؟ فحتى الجغرافيا لا تساعدهم على ذلك حيث أن الجنوب محاصر بين دول وقبائل تتقاتل فيما بينها مند العشرات من السنين.
فكيف لدويلة محاصرة بين أجناس من القبائل المتناحرة أن تعيش، علما بأن الجنوب نفسه منقسم إلى عشرات الملشيات التي تصول وتجول هناك دون رقيب ولا حسيب ولا تخضع لأية سلطة؟
إن قامت دويلة في جنوب السودان فإنها ستكون مرتعا خصبا للإسرائيليين والأميركان ولن تعيش إلا من المساعدات الأجنبية.
عبدالله راكان، «الكويت»، 07/08/2005
أتوقع أن يكون سالفا كير خير قائد للسودان وليس للحركة فقط، فالرجل عرف عنه الانضباط في حياته وفي أدق تفاصيلها الكبيرة والصغيرة ويعتبر صاحب قرار رئيسي في الحركة حتى بوجود د قرنق، كما يعد مناضلا من الدرجة الأولى حتى في أحلك الظروف التي مرت بها الحركة. السودان ملك لأبنائه شمالا وجنوبا، وللجنوبيين حق تقرير المصير متى شاءوا ذلك.
عبدالسميع العمرانى، «فرنسا ميتروبولتان»، 07/08/2005
التحليل يحوى الكثير من القراءة المستندة على معلومات وان حمل بعض المبالغات فى شأن صفات الرجل بما تضمن وصف الاستاذ حسن ساتى من وصف هلامى للقائد سلفا كير فبحسب معلوماتى أن الرجل مهذب مهموم حتى النخاع بقضية أهله ومعاناتهم ، وكان خلافه مع الراحل جون قرنق فى الآونة الاخيرة حول النظرة للجنوب عقب توقيع السلام ، لسلفاكير رأى يقول إن الإنشغال بمشاكل الشمال والجلوس داخل القصر الجمهورى في الخرطوم سيكون على حساب قضايا التنمية بالجنوب .
سعد نري المحامي، «فرنسا ميتروبولتان»، 07/08/2005
من السابق لأونه أن نحكم على شخصية سالفا كير، كل ما نعرف عنه من أخبار قد يصدق أو يكذب، وأهم ما يقال عنه إنه مقاتل شرس ومحنك ويعرف هدفه جيدا.
قد يصدق في السياسة كما صدق في الحرب، وقد كانت هنالك بعض المؤشرات في خطابه في جوبا التي تدل بوضوح على مقدرته على العراك السياسي في المرحلة القادمة.
لا ننسى أن صرامته قد يحتاجها السودان والحركة الشعبية خاصة في ظل المتغيرات والتحولات الأتية على السودان.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال