الاربعـاء 04 رجـب 1426 هـ 10 اغسطس 2005 العدد 9752
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

إحالة الوضوح إلى الغموض

الغزالي والإسماعيليون: استكشاف أولي في كتاب المستظهري

رشيد الخيُّون

كتاب «الغزالي والإسماعيليون» لفاروق ميثا، كان محاولة لقراءة وجه من أوجه الخلاف بين حاضرتي الإسلام، بغداد والقاهرة، وهو الوجه الفكري والعقائدي، الذي خاضه علماء ومفكرو الخلافتين. وموضوع الكتاب على وجه التحديد هو كتاب أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) «المستظهري» أو «فضائح الباطنية»، وحسب تسمية صاحبه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية».

عندما استولى الفاطميون على مصر (358-567هـ)، وشيدوا القاهرة، كان البويهيون، وهم جماعة شيعية أيضاً، مهيمنين ببغداد، ولم يبقوا لخلفاء بني العباس، فترة (320-447هـ)، غير الدعاء والخطبة. وكان الحمدانيون بالموصل وحلب (317-394هـ)، وإمارات شيعية أخرى في شمال أفريقيا واليمن، والبحرين والإحساء، ونشاط شيعي سري مكثف في أكثر من مكان. ولا يفوتنا التذكير أن دعاة الخليفة الفاطمي قد وصلوا بغداد، وأعلنوا من على منابرها الخطبة له وأذنوا من على مآذنها بحي على خير العمل. حصل هذا عندما سيطر القائد التركي البساسيري (قتل 451هـ)، ونفى الخليفة العباسي القائم بالله إلى حديثة غرب العراق.

ومع كل هذه القوة لم يتمكن الشيعة من قيام إمامتهم الموحدة، وتعديل ما أجمعوا عليه في تخطئة مؤتمر سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة الرسول مباشرة. والسبب أن الخلافات بين تلك الكيانات في العقيدة والسياسة طغت حتى على الخلاف الرئيسي بين الشيعة والسُنَّة حول الإمامة. الإمامة التي اعتبرها محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (548هـ) أعظم خلاف بين الأمة. قال فيها: «ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان» (الملل والنحل). وما حصل بين الخلافتين الفاطمية بالقاهرة والعباسية ببغداد كان أحد أزمنة هذا الخلاف الأعظم، بين دولتين لا بين دولة ومعارضة.

ومن المعلوم، كان للتقابل بين الفضيحة والفضيلة أثره في خوض المعارك العقائدية، وهو أقصى أساليب الإلغاء والإثبات. وقد سبق أن صنف المعتزلي المتمرد على الاعتزال ابن الراوندي (القرن الثالث الهجري) ضد أصحابه الأسبقين كتاب «فضيحة المعتزلة»، وصنف ابن بحر الجاحظ (ت 255هـ) كتاب «فضيلة المعتزلة». وأشارت تسميتا الكتابين إلى أنهما من كتب النقائض، ولتعاصر المصنفين لا يُعلم أيهما كان البادئ.

الكتاب كما هو واضح من نصه، ومن تبني معهد الدراسات الإسماعيلية لنشره، كان قراءة متحيزة. وبعد كلمة معهد الدراسات، ونبذة حول سلسلة التراث الإسماعيلي، وصفحة الشكر، والتمهيد، تأتي المقدمة بقلم الأكاديمي وائل حلاق، وهو الذي أشار على المؤلف خوض التأليف في مثل هذا الموضوع. حاول كاتب المقدمة ومقترح العمل، بعيداً عن الموضوعية، أن يوقف البحث في تراث أبي حامد الغزالي على الكتاب الذي بين أيدينا. لأن: «إنتاج كتاب آخر بعيد عن الغزالي قد يبدو نوعاً من الحشو الزائد. لكن، من المؤكد أن الأمر ليس كذلك مع الكتاب الذي نقدمه هنا». لا تبدو هذه النبُوءَة صحيحة، ومناسبة للمشتغل في المجال الأكاديمي والبحثي، فالغزالي وكتبه، أو أي ظاهرة فكرية وتراثية أخرى، لها عدة جوانب، ولا يتوقف البحث فيها ما زال هناك اختلاف في الرؤى والأدوات، وأي عمل معرفي يخرج تاماً! وربما قراءة أخرى لفضائح الباطنية، وعلاقة الغزالي بالإسماعيليين تفصح عما لم يفصح به مؤلف الكتاب.

تستدعي الكتابة حول كتاب فاروق ميثا «الغزالي والإسماعيليون» الرجوع إلى كتاب الغزالي نفسه، وناقضه كتاب «دامغ الباطل وحتف المناضل» للداعي الإسماعيلي باليمن علي بن الوليد (ت 612هـ)، وهو من المؤلفات الإسماعيلية التي لا يُستغنى عنها في دراسة كتاب «المستظهري». كذلك يتطلب التعرف على خلفية نصوص الغزالي ومصادرها، ومَنْ سبقه في مثل هذا الصنف من التأليف. نقرأ لدى عبد الرحمن بدوي، في تحقيقه للمستظهري، ناقلاً عن جولتسهير العناوين التالية: «الرد على الملحدين» للقيرواني. و«كشف الأسرار وهتك الأستار» للباقلاني. و«كشف أسرار الباطنية» للبستي. ومما يذكره بدوي أن أحد الذين سبقوا الغزالي في الكتابة ضد الإسماعيليين، وهو ثابت بن اسلم النحوي، قد أُختطف إلى مصر وصُلب هناك السنة 460هـ.

وعلى الرغم من شهرة كتاب الغزالي «المستظهري»، وكثرة الدراسات حوله، على أنه فكره وتأليفه بتكليف من قِبل الخليفة المستظهر بالله (ت 512 هـ)، إلا أن الغزالي يعترف في كتابه «إحياء علوم الدين» أنه استنبط الكتاب من كتاب «كشف الأستار...» للقاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ). وبهذا يكون من المفروض أن يبحث في أساس الكتاب، وأن تشمل الدراسة خلفيته الفكرية عند الباقلاني والمؤلفات الأخرى. وهناك مؤلفات أخرى، سبقت أبا حامد الغزالي، تعرضت لتفنيد الفكر الإسماعيلي ضمن ما تعرضت له من الفرق والمذاهب من غير الفرقة التي اعتبرها أصحاب تلك المؤلفات بالفرقة الناجية. منها: «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع» لأبي الحسين الملطي (ت377هـ). و«الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي (ت 429هـ) وغيرها. ما نريد قوله أن كتاب الغزالي «المستظهري» لم يكن إلا أواخر الكتب التي تعرضت للفكر الإسماعيلي خلال الصراع أو الخلاف بين الدولتين الفاطمية والعباسية، وأن دراسته تفترض قراءة تلك الخلفية، فالأفكار لم تعد أفكاراً صافية للغزالي، وحسب ما تقدم أنه اعترف باستنباطها من كتاب الباقلاني.

ومع خلو الكتاب من تلك الخلفية الضرورية إلا أنه تطرق إلى حياة الغزالي وصلته بالسلاجقة، وهي الفترة التي انتعش فيها الفقه الشافعي والفكر الأشعري، حتى ان المدرسة النظامية تأسست مغلقة للفقه والفكر المذكورين. أسسها الوزير السلجوقي نظام المُلك (قتل 485هـ)، وهي أول المدارس ذات المذهب الواحد، من المدرس والطالب والواعظ إلى المؤذن والفراش. ويعد وجود مثل هذا النوع من المدارس فاتحة لاحتكار الرأي ومقدمة لما عرفناه فيما بعد بالفقه الواحد، أو الفكر الواحد، أو الحزب الواحد الخ. فقد جرت العادة احتضان المذاهب السُنيَّة الأربعة، ما عدا المذهب الجعفري، أما ما سنته المدرسة النظامية فكان حذفاً للمذاهب كافة ما عدا مذهبها. وكان الغزالي مدرساً ذا منزلة رفيعة في النظامية. ولا يغيب عن البال أن مدرسة الوزير ككل نشأت لمعارضة الفكر الإسماعيلي، فمهمتها كانت تخريج العلماء للقيام بهذه المهمة. فلم تعد مدرسة الحديث أو الكلام عموماً قادرة على الوقوف إزاء الدعاة الإسماعيليين وحججهم الفكرية، وهم يحيطون بالخلافة العباسية السُنيَّة من كل مكان، فالحركة القرمطية إسماعيلية، وإخوان الصفا إسماعيليون. إلى جانب ذلك أسس الوزير لمدرسة أخرى كانت نتاجها تخريج الأمراء، ذلك عندما أصدر قرار الإقطاعيات، ولم يبق للدولة غير الإشراف العام وأخذ الضريبة، وكل صاحب إقطاعية كان أميراً في الأرض المقطوعة له.

لكن مهمة كتاب الغزالي، وعلى وجه الخصوص القسم الثاني منه، وهو «فضائل المستظهرية»، كانت مزدوجة، فهو يرمي إلى تفنيد مقالة الإسماعيليين في شرعية الخلافة الفاطمية من جهة، ومن جهة أخرى يرمي إلى إبعاد السلاجقة من الهيمنة على الخلافة العباسية. وإن كانت السلطنة السلجوقية أقل خطراً من الفاطميين على الخلافة، فقد أبقت عليها في حدودها الدنيا، إلا أن تلاعبها في تنصيب وخلع الخلفاء، ومحاولتها لاستخلاف مَنْ لم يتعد الخمس سنوات، جعل الغزالي ينبه إلى السن الشرعي للاستخلاف ضمن ما تشترطه الخلافة من الذكورة والبلوغ والعقل والدين وغيرها.

إلى جانب قراءة كتاب «المستظهري» قدم المؤلف في فصول كتابه «الغزالي والإسماعيليون» الثلاثة خلفية لحياة الغزالي، وإشكاليات العديد من كتبه، مثل الإشارة إلى كتابه تهافت الفلاسفة، فقد وضع نفسه موضوع الناطق باسم الشريعة والعلماء. وقد تولى ابن رشد (ت 595هـ)، بعد وفاة الغزالي، الرد عليه في كتاب «تهافت التهافت». ولا مفر للغزالي من دخول عالم الفلسفة، وهو الغاضب من الفلاسفة وقبلهم أهل الكلام، فتفنيد مسائل فلسفية تتطلب الاشتغال في هذا العلم، لذا صُنف صاحب «تهافت الفلاسفة»، في عصر تقسيم الفلسفة إلى مادية ومثالية، بتبني التيار المثالي في الفلسفة الإسلامية. ولم يفت الرادون عليه من التذكير «بالتزامه برأي المتفلسفة برهة من دهره» (دامغ الباطل). كذلك عرج الكتاب على علاقة الغزالي بالسلاجقة، وإشاراته في ما بين السطور ضدهم، وذلك في تأكيد سلطة المستظهر العباسي المطلقة. ويشار إلى أن «المستظهري» صُنف في زمن تفكك البيت السلجوقي، وقيام الحروب بين أمرائه، فكانت الفرصة أن يُطلب منه التأليف في «فضائل المستظهرية».

تطرق المؤلف لحركة حسن الصباح، وكانت على ما يبدو إحدى دوافع تصنيف الغزالي لكتاب «المستظهري». تلك الحركة التي طوقت بغداد وإمارات الدولة العباسية الأخرى بمقاتلين سريين يشار إلى أشباههم في عصرنا الحالي بالانتحاريين.

ومعلوم أن حركة الصباح كانت ضد الفاطميين بمصر مثلما هي ضد السلاجقة والعباسيين وملوك أوروبا. وكان أول أهدافها هو الوزير القوي في نِظام المُلك. إلا أن المؤلف بحثها حركة تمتلك عوامل التغيير الإيجابي، ومحاولاً إبعاد الشبهات حولها، وكأنه يريد القول أنها تعرضت لحملات التشهير والتلفيق في أخبار الاغتيالات. والحقيقة أنها الحركة الأكثر سلبية في التاريخ، ومَنْ ينظر إليها بمنظار إيجابي فهو لا يتعدى خلافها ومقارعتها للخلافة العباسية، أو السلطات بشكل عام. مع أنها أدخلت الرعب في نفوس الأمنين، واستولت على أكثر من مائة قلعة على امتداد إيران والشام، وكانت إحدى أسباب قدوم المغول إلى حواضر العالم الإسلامي. ذلك يوم طُلب منها، من قبل فقهاء وقضاة مسلمين من أهل السُنَّة، الحماية وإلا خضع الجميع بما فيهم المغول لسلطانها.

وترى الغزالي يرد، أو يحاول تفنيد، أهم منجز فكري لتلك الحركة وهو مبدأ التعليم، وخلاصته أن هناك إماماً معصوماً هو العارف بالحقائق، وهو المعلم الأول. وقد رد الغزالي على هذا المبدأ في الفصل السادس من كتاب «المستظهري». وحسب الشهرستاني في «الملل والنحل»، عن نص مترجم من الفارسية لحسن الصبَّاح، أن معنى التعليم عندهم هو «لا طريق إلى المعرفة مع العقل والنظر إلا بتعليم معلم». وبدوره رد الداعي علي بن الوليد على اعتبار الغزالي مبدأ التعليم «إبطال النظر العقلي» بعدم النفي، وأن الدين الصحيح يرفض الرأي ويؤكد التعليم (دامغ الباطل وحتف المناضل 1ص 82-83). ومثلما نعت الغزالي الإسماعيليين بالكفرة والمارقين وخلافتهم خلافة باطلة نعت صاحب «دامغ الباطل...» الغزالي بالمخادع والمنافق والمارق والطاعن على أرباب الصدق، والضال وغيرها من النعوت. وينتقد الداعي الإسماعيلي الملقب بالمطلق دعوة الغزالي للخلافة العباسية، ومثالها لديه هو أحمد المستظهر بن المقتدي، بأن الأمويين كانوا من الطلقاء، أي من الذين اسلموا يوم فتح مكة، ولا تصح فيهم الإمامة ولا في أبنائهم، وللسبب نفسه لا تصح في بني العباسيين. قال: «وغير مدافع كون العباس، رحمه الله، طليقاً فبذلك مع غيره من حَصر». وبهذا لم يبق صالحاً للإمامة غير النسب العلوي الفاطمي. لكن هذا النسب تشتت بين الحركات الشيعية، فهو يعود إلى إسماعيل بن جعفر الصادق عند الإسماعيليين، وإلى موسى بن جعفر لدى الإمامية، ويعود إلى زيد بن علي لدى الزيدية وغير هذا كثير.

وربما لو اعتمد مؤلف «الغزالي والإسماعيليون» كتاب الداعي المذكور، الذي رد على مستظهري الغزالي سطراً سطراً لتقدم بمادة أخرى بعيدة، إلى حد ما، عن إثقال الكتاب بالتنظير، والشروح، التي كثيراً ما تبعد القارئ عن موضوع الكتاب الأساسي. كذلك يبدو ان الاستعانة العظمى بالمصادر الأجنبية جعلت هناك خللاً في العديد من المصطلحات، وحتى في ترجمة نصوص الغزالي نفسها. مثل ذلك، أن استخدام مصطلح الرشدية مقابل الأرثوذكسية يوقع في إشكال آخر، غير ما وضحه المؤلف من الاختلاف بين تعاليم الكنيسة والتعاليم الإسلامية، وهو أن الرشدية اشتهرت بها فلسفة ابن رشد وتعاليمه، وربما قصد مَنْ أخذ عنهم المؤلف الرشيدة أو الراشدة، كما أشار إلى ذلك الغزالي وغيره عند تمجيدهم للخلافة الحقة مقابل الخلافة الباطلة. والفرق بائن بين المصطلحين فالأول نسبة إلى الفعل والسلوك بينما يبدو الثاني نسبة إلى اسم

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال