الاثنيـن 13 رمضـان 1426 هـ 17 اكتوبر 2005 العدد 9820
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الحكواتي.. مهنة رمضانية سورية

لولا الشهر الكريم والمهرجانات والأجانب لكان اختفى منذ ربع قرن

دمشق: هشام عدرة
تزدهر في شهر رمضان المبارك العديد من المهن التراثية التي اختفت أو في طريقها للانقراض في دمشق، ومن هذه المهن «الحكواتي» الذي يقدم القصص التاريخية والأساطير بأسلوب فلكلوري مميز حيث كان يجذب الناس إليه في المقاهي الدمشقية قبل أن يحل محله التلفاز والمسلسلات. وعلى مدى النصف الثاني من القرن الماضي، تناقص عدد الحكواتيين في مقاهي دمشق وبشكل كبير حتى لم يبق فيها أي حكواتي.. ليقوم (رشيد الحلاق) ـ أبو شادي ـ بتبني هذه المهنة قبل حوالي ربع قرن وبتشجيع من أصحاب مقهى النوفرة الشهير بجانب جامع الأموي بدمشق القديمة، فوضعت له كافة الإمكانات والمستلزمات ليطلق مهنة الحكواتي من جديد ولوحده وفي المقهى الوحيد في دمشق والذي استمر في تقديم الحكواتي مع فترات انقطاع بسيطة من قبل أبو شادي، والسبب ـ كما قال لـ«الشرق الأوسط» ـ هو مرضه في إحدى السنوات بسبب تعرضه للكسر في رجله ثم سفره لخارج سورية لتقديم فقرات الحكواتي في مهرجانات عربية ودولية كمهرجان جرش في الأردن ولكن ليعود بعدها إلى مقهى النوفرة الذي يشهد يومياً تجمع العديد من متابعي أبو شادي، خاصة في شهر رمضان، يقص عليهم بأسلوبه الشائق المثير قصص الظاهر بيبرس وبطولاته وقصص عنترة والزير سالم وغيرها. طيلة العام يظل أبو شادي يقدم يومياً في الثامنة مساء ولمدة ساعة في المقهى وصلة الحكواتي والتي يحضرها بنحو خاص السياح الأجانب وخاصة الأوروبيين منهم الذين يستمتعون بهذا النمط من التراث والفولكلور. وفي هذا العام ومع شهر رمضان الفضيل ازدادت أنشطة أبو شادي، وهو ـ كما يقول ـ لديه فقرات سيقدمها في مطاعم وفنادق وخيم رمضانية دمشقية إضافة إلى تقديم حكاياته في المركز الثقافي الإسباني في دمشق وبدعوة من إدارته وكذلك هناك دعوة له لتقديم فقراته في البحرين. وحول الجديد في قصص أبو شادي، قال: ما أقدمه في مقهى النوفرة أغيره أحياناً في الأماكن الأخرى التي أدعى إليها فمثلاً أقدم حكايا شامية بطريقتي المعروفة وهناك أحياناً إضافات على القصص من قبلي لأزيد من إثارة القصة وجعل الجمهور يتفاعل معي، وبالتالي أعبر عن مضمون القصة بالكلام و الحركات وبطبقات الصوت من حيث الارتفاع والانخفاض بما يتلاءم وينسجم مع أحداث القصة التي أرويها وكذلك أستخدم أحياناً رجليَّ ويديَّ للتعبير عن جو القصة، وخاصة في قصة الملك الظاهر بيبرس التي تقع في عشرات الأجزاء، فهناك المعارك والانتصارات التي خاضها هذا الملك وعندما أصل إلى الذروة في المعركة أجعل الجمهور يعيش الحدث ويتخيله بالصوت والحركات وهنا أضرب برجليَّ على الأرض أو الطاولة وبيدي أو بالسيف الذي أحمله وأحياناً يجفل العديد من المتابعين، وهنا أدخل فقرات للمرح ولأغير جو القصة الحماسي فأمازح أحد الحاضرين وأطلب منه مثلاً المنازلة كما كان يفعل عنترة بن شداد في حروبه الضروس ويقوم البعض بممازحتي ويتحدونني بذلك ليتحول جو المقهى إلى المرح والتصفيق ولترتاح أعصاب الحاضرين بعد شحنها وللذروة في قصص المعارك والدفاع عن الأرض والعرض والبطولات التاريخية وغيرها. وعن خصوصية لباس الحكواتي، قال أبو شادي: من الطبيعي أن يتناسب لباس الحكواتي مع مضمون ما يقدمه وكذلك أن يشابه ما كان يلبسه الحكواتي أيام زمان، لذلك فاللباس هنا هو الزي الشامي المعروف كالسروال والجاكيت والحزام العريض ويضع على رأسه الطربوش ويمكن للحكواتي أن يلبس أيضاً اللباس العربي كالجلابية والحطاطة والبريم (العقال). وحول العائد المادي لهذه المهنة، قال أبو شادي: عائدها ضعيف ومحدود ولكن عشقي لها وحبي للتراث جعلاني أعمل بها رغم أنها ليست مغرية مادياً بدليل أنه لا يوجد أحد في دمشق يمتهن هذه المهنة ولا يوجد أي مقهى يقدمها سوى مقهى النوفرة. وكذلك بعد انقراض الحكواتيين القدامى في خمسينات القرن الماضي لم يقم أحد من أبنائهم بوراثة هذه المهنة أو العمل بها كغيرها من المهن الدمشقية التي يقوم الآباء بتوريثها لأبنائهم والسبب هو ضعف مردودها المادي وانحسار الاهتمام بها من قبل الناس، فلولا السياح الأجانب وبعض الدعوات التي تأتيني من فنادق الدرجة الأولى بدمشق وفي مناسبات معينة ولولا المهرجانات الفولكلورية كمهرجان دمشق للثقافة والتراث وكذلك لولا شهر رمضان والطلب لتقديم فقرة الحكواتي ضمن طقوس وعادات رمضان الدمشقية لما وجدتني أمارس هذا العمل. ولكن الحمد لله، فأنا راض عن عملي لأنني أشعر أنني أقدم شيئاً مفيداً وشائقاً وثقافياً للجمهور وأقدم خدمة سياحية للسياح.

يذكر هنا أن مقهى النوفرة الوحيد الذي يحتضن الحكواتي أبو شادي طيلة العام و أصحابه من (آل الرباط) الذين ورثوا المقهى عن والدهم وأصروا على خصوصية المقهى الذي يعود تاريخ بنائه إلى 500 سنة خلت، فهو معروف بمحافظته على الفولكلور والتراث، ولذلك يلقى اهتماماً خاصاً من قبل زوار دمشق والسياح، ففيه يعيش السائح أجواء دمشق القديمة بكل مفرداته وميزة المقهى الذي ينزل إليه من أمام الباب الخلفي للجامع الأموي بحوالي ثماني درجات إنه يقع في منطقة تلتقي فيها معالم دمشق التاريخية وحاراتها، فهناك الجامع الأموي الشهير وسوق القباقبية وحي القمرية وغيرها. كما أن صاحبه (أحمد الرباط)، وكما قال لـ«الشرق الأوسط»، حافظ على جميع مفردات المقهى كما كان عليه أيام والده قبل عشرات السنوات، فالكراسي نفسها وكذلك الطاولات والصور المعلقة على جدران المقهى، وخاصة الصور التراثية المستوحاة من معارك صلاح الدين الأيوبي وعنترة والظاهر بيبرس ما زالت كما هي.. إضافة إلى الحكواتي وكرسيه الشهير المرتفع على طاولته.. وعندما غاب أبو شادي ـ يقول صاحب النوفرة ـ أتينا بحكواتي آخر كان قد ترك المهنة قبل ثلاثين عاماً واستجاب لنا وظل يعمل حتى عودة أبو شادي، وذلك لحرصنا على أن تظل فقرة الحكواتي قائمة في مقهانا الذي اشتهر وعُرف بها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال