الاربعـاء 13 شـوال 1426 هـ 16 نوفمبر 2005 العدد 9850
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

87 مخطوطة طبية عربية ما بين القرنين الثالث عشر والعشرين

مكتبة ويلكام لدراسات تاريخ الطب تتبنى منهجية حديثة في مشروع «كتالوج مخطوطات الطبية العربية»

لندن: سونيا الكسندريان

كتاب (كتالوغ مجموعة حداد) للدكتور نيقولاي سيريكوف هو الجزء الاول من مشروع كبير خاص بالمخطوطات الطبية العربية المحفوظة في مكتبة ويلكام التابعة لأمانة ويلكام لدراسات تاريخ الطب في لندن، وهو يصف بالتفصيل محتويات 87 مخطوطة طبية عربية يرجع تاريخ نسخها الى الفترة ما بين القرن الثالث عشر والقرن العشرين.

كانت مكتبة ويلكام قد اقتنت هذه المخطوطات عند عرضها في مؤسسة سوذبيز للمزاد ضمن 120 مخطوطة عربية اخرى من مجموعة الدكتور سامي ابراهيم حداد، الطبيب ومؤرخ الطب اللبناني الأصل 1890 ـ 1957، الذي تضمنت مقدمة الكتاب أجزاء من سيرته.

والمؤلف يعمل الآن على تنفيذ الجزءين الثاني والثالث من كتاب «الكتالوج لمجاميع المخطوطات الطبية العربية في مكتبة ويلكام».

وفي لقاء لنا معه، يقول الدكتور سيريكوف عن بدايات علاقته باللغة العربية: «كنت وما زلت شغوفا باللغة العربية، وهي اللغة التي أحب ممارستها في عملي وحياتي اليومية. لقد بدأت أدرس نفسي بنفسي منذ ان كنت اتخصص في جامعة موسكو في الدراسات اليونانية واللاتينية والبيزنطية، وفي تاريخ التعاون بين المسيحية والاسلام في سوريا والعراق وتركيا في القرون الوسطى. وفي النهاية كان لا بد لي من دراسة اللغة العربية بصفة اكاديمية في جامعة موسكو، خاصة وانا أومن بالقول «حيث تنتهي بلاد اليونان تبدأ بلاد العرب». ثم أخترت لرسالتي في دكتوراه اللغة العربية، وموضوعها (ابو الفرج العبري»).

ويشير الكتاب الى اهتمام الاعلام في الآونة الاخيرة بما يكشف عنها خبراء المخطوطات عن علوم الحضارات القديمة، ويسجل، على سبيل المثال، ما ذكرته احدى الصحف البريطانية العام خلال عرض مخطوطة طبية عربية في مزاد سوذبيز في لندن، عن إنجازات الطب العربي في القرون الوسطى في مجال النظام الغذائي، وكيف كان يشمل حمية خاصة لتخليص الجسم من الفضلات والسموم وهي الحمية التي راجت في الغرب في السنوات الاخيرة باسم «علاج ديتوكس».

ومن الناحية الاخرى يرينا هذا الكتاب السمة المميزة لدور المؤسسة الراعية لهذا المشروع. فمكتبة معهد ومؤسسة ويلكام لدراسات تاريخ الطب في لندن تعتبر من المكتبات الوظيفية الكبرى، بمعنى ان المخطوطات المحفوظة لديها متاحة للباحثين وطلبة الجامعات لاستخدامها للأغراض التي نسخت من اجلها المخطوطات باعتبارها المصادر الاساسية للابحاث في علوم الحضارة العربية والاسلامية.

هذه السمة المميزة المهمة للمكتبة تقودنا الى فهم قرار القائمين على المكتبة باقتناء جزء من مجموعة حداد من مزاد سوذبيز عام 1986: فهذه المخطوطات مثل معظم المخطوطات المحفوظة في مكتبة ويلكام تتميز بكونها تحمل امارات تبين كونها مخطوطات استعملها باحثون واطباء مسيحيون ومسلمون في سياق تعاونهم في نشاطاتهم الطبية اليومية طوال تاريخ العمل بهذه المخطوطات، بمعنى ان دارس هذه المخطوطات سيجد على هوامشها الحاق وتفسير وشطب، مع اسماء وتواقيع الاطباء الذين استعملوا هذه المخطوطات ونسخوا عليها عبارات اهداء وغير ذلك.

وهنا يكمن بيت القصيد في كتاب (كتالوغ مجموعة حداد) من حيث ان التفاصيل المدونة عن هذه المخطوطات تفتح للقارئ صفحات مشرقة من تاريخ التعاون المسيحي والاسلامي.

هذه السمات تجعل مجاميع المخطوطات العربية المحفوظة في مكتبة ويلكام تتميز عن المخطوطات العربية الموجودة لدى اصحاب المجاميع الاوروبية ولدى عوائلها باعتبارها تميل الى اقتناء مخطوطات «رائعة» لا تحمل اية من الامارات المذكورة التي تعكس جانبا مهما من تاريخ المخطوطة ومالكيها وغير ذلك.

اذن، بلغة بسيطة، وكما قال الدكتور سيريكوف، فإن «هذا الكتالوغ يتعامل مع المخطوطة باعتبارها نتاج عمل جماعي من حيث ان المخطوطة غالبا ما تتكون من عدة مقالات ورسائل، وهي مشروع يساهم فيه المؤلف والناسخ والوراق والخطاط والفنان والمذهب وكذلك أهل الصنعة في تسفير (تجليد المخطوطات)، فكل صنعة ترتبط بالمخطوطات تمثل احد العلوم، فدراسة نوع الحبر مثلا يرتبط بالكيمياء. وبالتالي فان الكتالوغ يشتمل على جميع تفاصيل لون الحبر ونوع وتاريخ الورق او الكاغد الاسلامي مع ذكر الاخطاء الواردة في النسخ كما هي دون تصحيحها وكذلك نقل الخاتمة والاهداء كما هي بالعربية.

والكتاب يحمل صورا توثيقية لحال تجليد كل مخطوطة مع وصف القفا والحبك والاجزاء المهمة المكونة لبنية المخطوطة العربية، التي صارت تدرس كفن وصنعة وعلم، فصارت المخطوطات تحظى باهتمام المختصين في جميع هذه العلوم والفنون و في الآونة الاخيرة انضم اليهم الاعلام ايضا.

ربما أكثر ما يدهش القارئ في هذا الكتالوغ هو ان سيريكوف نفسه الذي يتبع نظام المسطرة لتسجيل عدد السطور على الصفحة الواحدة، يتبع ايضا نظاما لقياس زوايا الحروف العربية المنسوخة (مثل ك)، والفكرة من استخدام هذا النظام هو التوصل الى انماط الكتابة المنسوخة في كل مخطوطة وهو الامر الذي يقول سريكوف سيمكننا من معرفة الفترة التاريخية التي يعود اليها نمط الكتابة المنسوخة والبلد الذي ساد فيه استخدام هذا النمط او ذاك. فهذا الكتالوج الواصف يبتعد عن النهج التقليدي لمجرد وصف الخطوط المستخدمة بأنه خط الثلث او النسخ الكبير لأن المساهمين في نسخ المخطوطات لم يكونوا جميعا خطاطين محترفين.

هذه المنهجية الجديدة في اعداد الكتالوج المستقبلية للمخطوطات العربية تبتعد عن نهج الكتالوجات القديمة للمخطوطات والتي تكاد تكون أشبه بدليل يحوي على عنوان المخطوطة وأسم المؤلف وبعض سمات المخطوطة. فالهدف من المنهجية الجديدة هو ضمان الحصول على أدق المعلومات عن المخطوطات في حال فقدان المخطوطة او بيع عدد من المخطوطات من احدى المجاميع او حتى في حال تفكك المجموعة الواحدة لأغراض المزاد مثلا.

والجدير بالذكر ان هناك ستوديوهات صيانة المخطوطات تابعة لمكتبة أمانة ويلكام الأمر الذي يفسر أهمية (الكتالوج الواصف لمجموعة حداد) في وضع العدة بين يدي كل من يريد ان يفهم كيف توصف المخطوطة العربية الاسلامية وكذلك في تثقيف قراء هذا الكتاب من اصحاب مجاميع المخطوطات في مدى اهمية حال المخطوطة ومستوى صيانتها في دراسة المخطوطة لأن الصيانة تضيف الى القيمة التجارية للمخطوطة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال