الثلاثـاء 10 ذو القعـدة 1426 هـ 13 ديسمبر 2005 العدد 9877
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

من سيحكم العراق من خريجي كلية بغداد: الجلبي أم علاوي أم عبد المهدي؟

تزاملوا في المدرسة اليسوعية .. وجمع بينهم حب السباحة

بغداد: ديكستر فلكينز*
القساوسة غادروا منذ زمن بعيد، لكن المدرسة اليسوعية الثانوية التي تضم النخبة والتي تسمى كلية بغداد، ما تزال تحوم فوق عالم السياسة العراقية.

فالزعماء السياسيون الثلاثة الذين يعتقد أنهم سينتهون اغلب الظن الى منصب رئيس الوزراء بعد الانتخابات العامة هذا الأسبوع، وهم اياد علاوي وأحمد الجلبي وعادل عبد المهدي، كانوا زملاء دراسة في مدرسة البنين التي تستخدم اللغة الانجليزية في أواخر الخمسينات، وهم افراد محظوظون من عوائل نخبة بغدادية حكمت العراق حتى ازيحت بالموجات المتتالية من «الثورة والإرهاب». والآن وارتباطا بنهاية متطفلي صدام حسين واستعداد العراقيين لاختيار برلمان دائم، فان اولاد كلية بغداد، وهم الآن رجال في الستينات من العمر، وقد عادوا من المنفى مستعدين لتولي مناصبهم الرفيعة في الترتيب الاجتماعي الذي افترضوا وعوائلهم يوما ما أنه سيدوم لهم.

ويرفع الرجال الثلاثة اليوم رايات لنماذج مختلفة من مستقبل العراق: علاوي لدولة علمانية، والمهدي لديمقراطية من نمط اسلامي، والجلبي لبرنامج يطهر المجتمع من اولئك المرتبطين بحكم صدام حسين. وقد اندلعت في بعض الأحيان مشاعر حادة، خصوصا بين علاوي والجلبي، اللذين صارعا بمرارة من أجل تولي زعامة حركة المنفيين العراقيين.

ولكن ما يوحد زملاء المدرسة السابقين الثلاثة يمكن أن يبرهن على انه أكثر أهمية مما يفرقهم. واذا ما وضعنا الشعارات والطموحات الشخصية جانبا فان علاوي والجلبي والمهدي يقولون انهم مستعدون لعقد صفقات سياسية يمكن أن تعني وضع بعض الاختلافات الايديولوجية جانبا. فالمهدي والجلبي يقولان انهما يهدفان الى اقامة حكومة «وحدة وطنية» بمشاركة الزعماء السياسيين الرئيسيين في العراق وبينهم علاوي افتراضا.

ويقول علاوي، من بين آخرين، ان ذلك غير محتمل الى حد بعيد. وعلى الرغم من ذلك فان الصلات التي تعود الى الطفولة والى أروقة كلية بغداد القديمة، تشير الى أن التعارضات الحادة في اجواء الاستقطاب قد يمكن ان تخفف من جانب الرجال الثلاثة الذين نشأوا سوية.

وقال علاوي «كان أحمد يسبقني بسنة وكنا معتادين على ممارسة السباحة سوية. أما عادل وأنا فكنا صديقين، وهناك صلات بين عائلتينا. وكان لاعب كرة سلة ماهرا».

وقال «من الناحية السياسية نحن مختلفان تماما. ولكن تلك الأيام كانت جميلة». والحقيقة ان كثيرين من ابرز الزعماء السياسيين في العراق مرتبطون بشبكة من العلاقات العائلية والاجتماعية التي تعود الى اجيال سابقة، وقد ازيحوا من اماكنهم بعد ثورة 1958 وحكم صدام حسين المستند الى العشيرة.

فابن عم والد علاوي متزوج، مثلا، من شقيقة الجلبي. ووالد الجلبي، الذي كان رئيسا لمجلس الاعيان خلال النظام الملكي الهاشمي، كان زميلا لوالد المهدي الذي كان وزيرا للتربية. وكان والد عدنان الباجه جي، وهو نفسه كان وزيرا للخارجية والآن مرشح في قائمة علاوي، كان احد الموقعين على اول دستور عراقي مع جد الجلبي.

وأصبحت كلية بغداد، التي تأسست عام 1931، مدرسة ثانوية كانت العوائل المعروفة في العاصمة ترسل ابناءها اليها. وفي وقت سابق كانت عوائل كثيرة ترسل ابناءها الى كلية فكتوريا في الاسكندرية بمصر. وكان الباجه جي، البالغ 82 عاما، قد تخرج من هناك. وربما كان المرشد الموثوق حول طرق السياسة العراقية الجديدة هو الكتاب السنوي لكلية بغداد منذ سنوات الخمسينات وأوائل الستينات، حيث الصور القديمة بالأسود والأبيض تظهر طلابا يرتدون ملابس أنيقة، وتشرق وجوههم بعلامات النجاح. وهناك، على سبيل المثال، ليث كبة، وهو الآن من أكبر مساعدي رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري،. وهناك كنعان مكية، مؤلف الكتاب الشهير حول الرعب في عهد صدام حسين، ومؤسس «مؤسسة الذاكرة العراقية»، المكرسة لإحياء ذكرى ضحايا النظام السابق.

وفي المملكة الهاشمية، عندما كان العراق يحكم الى حد كبير من جانب أوليغاركية كان كثير من الطلاب يأتون الى كلية بغداد وهم يعرفون اولئك المحيطين بهم.

وقال حارث العجيل، الطالب في كلية بغداد في سنوات الخمسينات والمرشح الحالي للبرلمان «كان الناس يعرفون بعضهم بعضا حتى وان لم يكونوا قد التقوا. وكان من السهل إقامة الصلات».

وبالنسبة للرجال الذين هم في الستينات من العمر ـ علاوي 60 عاما، والجلبي 61 عاما، والمهدي 63 عاما، فان ذكريات ذلك الزمن غائمة في بعض الأحيان. وعلى الرغم من ان الرجال الثلاثة دخلوا كلية بغداد في الوقت ذاته، فانهم لم يدخلوا الصفوف ذاتها بسبب اختلاف أعمارهم.

ولكنهم يحتفظون بذكرياتهم على نحو حميم. ففي مقابلتين منفصلتين اجريتا العام الماضي، اشار الجلبي والمهدي الى انهما كانا قد ذهبا الى المدرسة الثانوية سوية وتوجه كل منهما الى المكتبة ليخرج كتابه السنوي. وقال الجلبي مازحا «كان عادل يتنمر علينا دائما»، وهو يتحدث عن الشخص الهادئ المهدي الذي يبقى محتفظا بعلاقة وثيقة معه. أما اياد فقد «كان ميالا الى الصمت».

وقال علاوي انه والجلبي كانا معتادين على السباحة سوية بعد انتهاء دوام المدرسة في نادي العلوية. ووصف كيف انه والمهدي اهتما بالنشاط السياسي في كلية بغداد أولا مع المتحمسين للقومية العربية ثم مع النشاطات الأولى لحزب البعث.

واستمر علاوي لكي يصبح بعثيا متشددا، وقد انفصل عن صدام حسين لاحقا وتعرض الى محاولة اغتيال في لندن. وسار المهدي في رحلة فكرية أخذته من حزب البعث الى الماوية وأخيرا الى الاسلام السياسي المعتدل الذي ما يزال يتبناه.

ويفخر الجلبي بأنه كان قد حقق أعلى الدرجات في المدرسة وهو ما لم يدحضه علاوي او المهدي.

وقال المهدي «كنت سابقا للجلبي، ولكنه كان ذكيا بحيث تمكن من تجاوز المراحل الدراسية». وتحدث كل من علاوي والجلبي والمهدي عن نظام القساوسة في مدرستهم اليسوعية، ممن كانوا يديرون الصفوف بطريقة صارمة ويتابعون ساعات من العمل البيتي في المساء. وقال السياسيون، وثلاثتهم من الشيعة، انهم لم يرغموا يوما على الصلاة أو حضور الدروس حول الكاثوليكية. وكان حوالي نصف الطلاب من المسيحيين في ذلك الوقت، ولكن سمعة المدرسة من حيث المستوى الأكاديمي اجتذبت الكثير من عوائل بغداد المعروفة.

ولكن شأن الكثير من الأشياء في العراق، فان عالم المدرسة اليسوعية كان محكوما بالقضايا السياسية. فقد برز انقلاب 1958 وصعود حزب البعث في فترة من العنف لم تتوقف. وغادر الجلبي، الذي كان والده في ذلك الحين وزيرا، المدرسة والعراق في ذلك العام. اما علاوي والمهدي فقد انتميا الى حركة البعثيين كشابين، ولكنهما أبعدا في خاتمة المطاف عن العراق أيضا. وقد اصيب علاوي اصابة بليغة في محاولة اغتيال بفأس كان يحمله أحد رجال مخابرات صدام حسين، بينما تعرض المهدي الى الاعتقال والتعذيب والسجن. ولم يتخرج أي من الرجال الثلاثة من كلية بغداد على الرغم من أن كل واحد منهم تقدم في المنزلة الأكاديمية. فقد ذهب علاوي الى كلية الطب في بغداد. وحصل الجلبي على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة شيكاغو. وحصل المهدي على الماجستير من جامعة في فرنسا.

وفي عام 1969 أمرت حكومة البعث القساوسة في المدرسة اليسوعية بالرحيل وأممت كلية بغداد. وسرعان ما التحق الطلاب بصفوف الزامية تمجد صدام حسين وحزب البعث.

والتحق بالمدرسة عدي وقصي، نجلا صدام حسين، في سنوات الثمانينات، وكان كل واحد منهما يمارس الارهاب ضد الطلاب والمدرسين. وبينما كان معظم الطلاب الآخرين يأتون الى الصف بملابس أنيقة، كان قصي يدخل الى الصف مصحوبا بالحراس ومرتديا قميصا مفتوح الأزرار حتى الخصر.

وقال المدير يعقوب يوسف «كان قصي غبيا جدا. وقد حصل على درجة (أربعة) في أحد امتحاناته لنصف السنة». وقال يوسف «كان عدي أفضل. وفي بعض الأحيان يجيب المعلمون عن اسئلته».

وفي سنوات الثمانينات رشح عمر التكريتي، ابن برزان التكريتي، شقيق صدام وأحد اقرب رجاله والذي يحاكم الآن في بغداد متهما بارتكاب أعمال قتل جماعية، رشح في انتخابات لاختيار ممثل للطلاب في المعهد. وعندما لم يحرز عمر غير صوتين هاجم حراسه الطالب الفائز وأحالوه الى شخص مشلول، وفقا لما قاله المدير. واليوم تعود كلية بغداد الى سابق عهدها القديم. فقد انتهت الصفوف الالزامية لصدام. والأولاد الذين يدخلون اليها ما زالوا من بين أفضل طلاب المدينة. بل ان هناك حديثا عن عودة اليسوعيين. أما بالنسبة للسياسة فان علاوي والجلبي والمهدي يقولون انه بينما العنف الذي يحاصر بلدهم شديد فان أفضل امل لاحتواء العنف قد يكمن في جلوس زملاء الدراسة القدامى سوية. وقال الجلبي «عندما يكون الناس يعرفون بعضهم بعضا لفترة طويلة فان ذلك يخفف التوترات».

* خدمة «نيويورك تايمز»

التعليــقــــات
حازم الزيرجاوي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 13/12/2005
لا أعتقد أن هناك مجالا للقياس بين هؤلاء الرجال وإن كنا نختلف مع بعضهم فكريا وبين أولاد صدام الذين كانت ممارساتهم البشعة تدل على أنهم لم ينالوا قسطا وافرا من التعليم الحقيقي وإن كانوا قد نسبوا إلى أنفسهم بعض الشهادات العلمية زورا وبهتانا، وإفراغ العراق من الطاقات العلمية وتمكين البعض ممن لم يكمل حتى المرحلة الابتدائية من حكم العراق.
حسن الفتلاوي، «اسبانيا»، 13/12/2005
لست ضد أحد من الثلاثة، وهم جميعا ممن يعتز بهم أهلهم ويفخرون بوطنيتهم، ولكن حاجة العراق اليوم الى أبناء الطبقة الوسطى لا أبناء الارستقراطية الفوقية التي تنظر الى أبناء الفقراء بنظرة دونية وهم الأكثرية المسحوقة طيلة أربعة عقود. ما يحتاجه العراقيون قادة يؤمنون أن المنصب الحكومي هو غريمة وليس غنيمة يتسابق عليها الطموحون من أبناء العوائل المعروفة بالثراء والسلطة. يجب أن تتغير هذه النظرة إلى سدة الحكم ليقفز عليه النزيه والكفء والمقتدر وممن يخشى الله ويتقيه في أمور العباد ومعروف لدى العامة بكفاحه وجهاده ضد الطواغيت. ولا يكفي أن يكون إبن فلان أو علان!
د.علاء هادي صالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 13/12/2005
لقد نقلت الصورة الواقعية عن هذه المدرسة العظيمة وأنا أحد خريجيها لسنة 1979 -1980 ، لقد كانت سنوات جميلة ومستقرة .
نادية فارس، «كندا»، 13/12/2005
مؤسف أن أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة يدافعون بجهد مكثف عن الأرستقراطيين !
إن هذه المدرسة تشكل حاجزا واضحا بين الطبقات في العراق وقد تميز طلابها بالتعالي والغطرسة والاستهزاء من هموم الفقراء . طلابها ليس لديهم أدنى استعداد للتضحية من أجل العراق لكنهم أكثر ذكاء من الفقراء حتى أنهم استخدموهم للوقوف في الصف الأول المتقدم حين الاستشهاد . أما عند توزيع الغنائم فالفقراء يرجعون إلى الصف الأخير ويتقدم طلبة ثانوية بغداد. المسألة مسألة ذكاء فعلا.
على المختار، «الامارت العربية المتحدة»، 13/12/2005
إن الفرق بين كلية بغداد عندما كان هؤلاء السياسيين الثلاثة فيها وما تمتعت به من انضباط والتزام عالي وبين كلية بغداد في عهد صدام وما كان يقوم به عدي وقصي من اعتداء على المدرسين والطلاب وخلق الفوضى في أكثر المؤسسات العلمية التزاما في العراق هو تماما انعكاس للعراق المنضبط والملتزم قبل وصول العائلة التكريتية للحكم والعراق الفوضوي الذي خلقه صدام وأتباعه من الجهلة والذي يعاني بسببه العراقيون حتى بعد رحيلهم.
خليل ابراهيم الجبورى، «مصر»، 13/12/2005
أعتقد أن أي واحد من الثلاثة لا يصلح أن يحكم العراق لأن البلد يحتاج إلى أناس يتصفون بالوطنية الحقيقية وليس أدوات تنفيذ للمحتل.
فواز الشمري، «المملكة العربية السعودية»، 13/12/2005
نتمنى أن يوفق الدكتور إياد علاوي من حكم العراق لأنه إنسان ينبذ الطائفية بجميع أشكالها.
حسن الخاقانى، «السويد»، 13/12/2005
من لم يذق طعم الجوع كيف يصف الجياع؟ ومن لم يذق طعم المعاناة ولم يعرف ما هو الفقر وعاش عمره ينظر إلى الفقراء على أنهم أقل منه وأنه أعلى وأسمى من البقية، ولم يمر في حياته بمواقف تنمي ارتباطه بالوطن، كيف سيمثل الأغلب الأعم من العراقيين الفقراء؟ الكل يعلم أن الشريحة الأكبر من الشعب هم هؤلاء وهم أصحاب التضحية الحقيقية وهم أصحاب المقابر الجماعية. ما هؤلاء إلا صنيعة الأستقراطية البريطانية والكل يعلم، ونحمد الله أن لجامهم بيد بعض الشرفاء الذين ذاقوا مع الشعب معاناتهم أمثال المرجعية الرشيدة.
محمد الراوي، «الامارت العربية المتحدة»، 14/12/2005
ثلاثة خصوم بالسياسة من مدرسة واحدة وأعتقد أنهم أصدقاء في المصالح الشخصية ، هكذا علمهم الغرب وحقا أنهم أداة بيد المحتل لم يطلب أي منهم خروج الاحتلال لأنهم يعرفون ماذا يحصل لمصالحهم الشخصية إذا طالبوا بذلك . سوف ينهض العراق بغيرهم وإن كانوا موجودين ونسأل الله أن يوفق العراقيين في اختيار قائدهم .
هدى الموسوي، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/01/2006
أعتقد أن الدكتور أحمد الجلبي لديه من الوطنية ما يكفي لأن يدير شؤون البلد وبجدارة، وكما أخذ أياد علاوي فرصته في الحكم فليأخذ الدكتور الجلبي فرصته وأعتقد أنه من غير الصواب الحكم عليه قبل التجربة .
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال