الخميـس 29 صفـر 1427 هـ 30 مارس 2006 العدد 9984
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

دراسة أميركية: «التضليل» بنى العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب

تقريرٌ رفعت «هارفارد» اسمها عنه تحت ضغوط يرصد دور اللوبي الإسرائيلي في أميركا

لندن: خالد الطويلي
ربما يعتقد البعض أن قرار جامعة «هارفارد» الاميركية الأخير برفع اسمها عن تقرير يتناول موضوع «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية»، وأعده ستيفن والت من هارفارد، وجون ميرشايمر من جامعة شيكاغو، هو نقطة سلبية في حق التقرير. لكن حقيقة الأمر هي أن ما جرى يثبت وجهة النظر التي حملها التقرير عن قوة وتأثير اللوبي الاسرائيلي في مجريات الحياة السياسية والإعلامية والأكاديمية في الولايات المتحدة.

فقد وقعت جامعة هارفارد تحت ضغط شديد من هذه الجماعات في أعقاب إصدار التقرير الذي يرصد قوة تأثير ذات اللوبي على المؤسسات الأميركية؛ ومنها الجامعات باتجاه صنع سياسة خارجية أميركية مؤيدة لإسرائيل.

يحاول التقرير أن يثبت أن جماعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة تعمل على تضليل الرأي العام الأميركي الذي لا يمكنه، حسبما جاء في التقرير، قبول الممارسات الإسرائيلية لو أتيح له الوصول إلى الحقائق. ويشير إلى أن من أهم الوسائل التي يستخدمها هذا اللوبي لتحقيق أهدافه منع النقاش الحر ومعاقبة من يتجرأ على ذلك في مجلسي الشيوخ والنواب أو في الإعلام أو حتى في أروقة الجامعات أو معاهد الأبحاث.

ولتحقيق ذلك يجري العمل في عدة اتجاهات، منها توجيه الرسائل المناهضة إلى أي مصدر يصدر تصريحاً أو ينشر مقالاً أو يعبر عن رأي يرى اللوبي أن فيه نقداً لإسرائيل ومهاجمة ذلك المصدر بلا هوادة. ومن ذلك أيضاً مراقبة الجامعات والمنظمات الطلابية والأساتذة وكل ما يصدر عنهم داخل قاعات الدراسة وخارجها عبر تقارير يكتبها موظفون أو طلبة داخل الجامعات ينتمون إلى تنظيمات تأسسها وتمولها جماعات الضغط الإسرائيلية. وتقوم هذه المنظمات بتدريب الطلبة الذين ينتمون إليها لتوسيع عدد المهتمين بالموضوع الإسرائيلي في الجامعات وتقوية «المجهود الوطني» المساند لإسرائيل. ويشير التقرير الى ان اكبر سلاح تستخدمه جماعات الضغط الاسرائيلية «لإسكات» الناس هو تهمة معاداة السامية. ويعرف التقرير، الذي جاء في 82 صفحة منها 40 صفحة للمراجع، اللوبي الإسرائيلي بأنه مجموعة من الأشخاص والمؤسسات التي تعمل بفاعلية لرسم السياسية الخارجية الأميركية باتجاه الانحياز لإسرائيل، ويتكون في صلبه من يهود أميركيين يعملون ليس فقط عبر توجيه أصواتهم الانتخابية للمرشحين المنحازين لإسرائيل وحسب، بل ايضا عن طريق وسائل أخرى كثيرة.

ويفيد التقرير بأن مصدر القوة المتميزة التي يحظى بها اللوبي الإسرائيلي هو أنه يعمل بإتقان شديد في ظل منافسة ضعيفة وأحيانا معدومة من اللوبي العربي. ففي واشنطن مثلاً، تعمل جماعات الضغط خصوصاً في الكونغرس والبيت الأبيض لدفع المسؤولين في المؤسستين لتأييد إسرائيل. وبغض النظر عن توجهات المشرعين او السياسيين، فإن اللوبي يحاول تصوير مساندة إسرائيل على أنها «الخيار السياسي الأذكى». ويعود نجاح اللوبي الاسرائيلي إلى كون كثير من الأعضاء في الكونغرس من اليهود او المسيحيين المؤيدين لإسرائيل. لكن التقرير يشير الى ان لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية (آيباك)، اقوى مجموعة مدافعة عن اسرائيل في الولايات المتحدة، تحقق عبر مكافأة المساندين لإسرائيل في الكونغرس ومعاقبة من ينتقدونها. والمال كما يقول التقرير مهم للانتخابات الأميركية، و(آيباك) تسعى دوماً للتأكد بأن مؤيدي إسرائيل يحصلون على مساندة مالية قوية. ويشير التقرير أيضاً إلى أهمية التأثير على الموظفين الصغار بالكونغرس، ويستشهد بما قاله رئيس سابق لمنظمة (آيباك): «هناك أشخاص كثيرون هنا في «الكابيتول هيل» يهود ولديهم الرغبة للنظر في مواضيع معينة من خلال يهوديتهم».

ولا ينحصر تأثير اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس بل يذهب للتأثير في مؤسسة الرئاسة من خلال توجيه التصويت والتبرعات المالية بين الجالية اليهودية إلى المرشح الأكثر تأييداً لإسرائيل. ويستمر التأثير بعد ذلك حتى خلال التعيينات الرئاسية للوزارات المهمة بحيث يجد أي مرشح لا يؤيد إسرائيل مقاومة تحول دون تعيينه. ويشير التقرير كيف ان الديمقراطي هاوارد دين الذي كان يسعى للسباق الرئاسي عام 2004، فقد قدرته على المنافسة نتيجة هجوم شنه ضده اللوبي الإسرائيلي بسبب أنه قال إن على الولايات المتحدة التعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بتوازن.

ومن الأمور التي يثيرها التقرير أيضاً تنقل شخصيات من مواقع داخل جماعات الضغط الى أخرى تعنى بصناعة القرار أو داخل الإدارة الأميركية ذاتها. ويرصد التقرير الفوائد التي جنتها إسرائيل نتيجة التأثير الذي يمارسه اللوبي الإسرائيلي، مثل حصولها على مميزات لا تتمتع بها دول حليفة اخرى للولايات المتحدة، من وزن دول أعضاء في حلف شمال الاطلسي (ناتو)، عبر الوصول إلى الأسرار والصناعات العسكرية المتطورة، فضلاً عن المميزات المالية التي تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة على شكل قروض ومساعدات سهلة تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً.

وللوصول إلى هذا الوضع المتميز، كان على اللوبي الإسرائيلي وعلى رأسه لجنة «آيباك» أن تسلك عدة اتجاهات للتأثير في الرأي العام وتثبيت بعض الأفكار على انها «مُسلمات» مثل فكرة أن بين إسرائيل والولايات المتحدة شراكة استراتيجية، وان البلدين يشتركان في عدة قيم منها الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والديكتاتورية.

لكن التقرير يقدم وجهة نظر مختلفة عن تلك «المسلمات» الإسرائيلية وفهم الأميركيين لها، مشيراً الى أدلة ومراجع موثوقة. فيقول مثلاً ان الشراكة الاستراتيجية التي استفادت منها أميركا عبر التقارير الاستخباراتية التي كانت تزودها بها إسرائيل عن قدرات الاتحاد السوفياتي وحلفائه في المنطقة لم تكن رخيصة، فقد كلفت أميركا كثيراً ومن ذلك علاقتها بالعالم العربي. يذكر في سياق ذلك التكلفة الاقتصادية التي تكبدها الغرب بعد قرار منظمة «أوبك» خفض إمدادات النفط رداً على مساعدة أميركا لإسرائيل خلال حرب 1973.

كما يستشهد بالوضع المحرج الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيما يخص التحالف ضد صدام حسين عام 1990 عبر استبعاد إسرائيل عن التحالف وصرف المجهود العسكري والاقتصادي للدفاع عنها بدل الاستفادة منها حيث أن دخولها الحرب كان يمكن أن يربك التحالف تماماً وتكررت هذه الحالة ايضاً مع حرب اطاحة صدام عام 2003. يذكر التقرير أنه بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بدأت تتعزز فكرة أن إسرائيل والولايات المتحدة تواجهان معاً خطر الإرهاب والدول التي ترعاه وتسعى للحصول على أسلحة دمار شامل. لكن التقرير يحاول تفنيد هذه الفكرة «الخاطئة»، مشيراً الى ان الإرهاب الذي يستهدف أميركا وتحاربه سببه تلك العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل وليس العكس. كما يشير الى ان مواجهة الولايات المتحدة لدول لا تشكل بالضرورة خطراً مباشراً عليها مثل عراق صدام حسين، وسورية وإيران مرجعه الاحتضان الأميركي الكامل للمصالح الإسرائيلية لمنع رغبة هذه الدول في الحصول على أسلحة الدمار الشامل رغم امتلاك إسرائيل لهذه الاسلحة. ويخلص التقرير الى ان العلاقة الأميركية بإسرائيل عائق حقيقي في حل القضايا العالقة مع هذه الدول وفي الحرب على الإرهاب.

ويشير التقرير الى أن التفاني الأميركي في مساندة إسرائيل لا يقابله مردود مساو من الجانب الإسرائيلي. ويستشهد في هذا بعدم التزام اسرائيل بالمطالب الأميركية مثل وقف النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية وبيع تكنولوجيا عسكرية استراتيجية لمنافسين محتملين لأميركا مثل الصين بالرغم من المعارضة الأميركية لذلك. كما يشير التقرير الى ان إسرائيل تقوم بأكبر عمليات تجسس على الأراضي الأميركية من أي «حليف» آخر. ويستعرض مثلاً حالة جوناثان بولارد الذي سرب معلومات حساسة للاتحاد السوفياتي مقابل سماح السوفيات بإخراج مزيد من اليهود الروس من حدود الاتحاد، وحالة قيام موظف في وزارة الدفاع الأميركية بتسريب معلومات حساسة الى مسؤول إسرائيلي وبمساعدة عضوين في منظمة (آيباك).

ويقول التقرير إن اللوبي الإسرائيلي يحاول باستمرار عرض فكرة أن إسرائيل ضحية ضعيفة وتعيش وسط محيط من الأعداء، وأنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأن تاريخ معاناة اليهود يمنحهم أحقية معاملة خاصة، وأن لإسرائيل تاريخا نظيفا من العمل الأخلاقي مقارنة بأعدائها في المنطقة. ويفند التقرير هذه النقاط أيضاً مثبتاً أن إسرائيل هي في الحقيقة الأقوى في المنطقة والوحيدة التي تملك قوة نووية، مشيراً إلى اتفاقيات السلام بينها وبين الأردن ومصر والمبادرة العربية التي عرضتها قمة بيروت بعقد سلام مع اسرائيل.

ويذهب التقرير إلى أن اللوبي الإسرائيلي استمات في تصوير الإسرائيليين بأنهم حمائم سلام أمام الرأي العام الأميركي مقابل تصوير العرب كأنهم شريرون. ثم يحاول دحض ذلك من خلال الاشارة الى قتل أكثر من 5000 فلسطيني مدني في الفترة بين 1949 و1956، ثم دخول إسرائيل في تحالف ثلاثي ضد جارتها المصرية وقتلها الأسرى المصريين في تلك الحرب وحرب 1967 وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين والسوريين خلال الحرب، إضافة إلى المعاملة الشرسة التي كانت تمارسها اسرائيل ضد اطفال الانتفاضة رغم أن أكثر من ثلثهم كان دون العاشرة من العمر.

ويخلص التقرير قائلاً: «لولا قدرة اللوبي الإسرائيلي على تضليل النظام السياسي الأميركي، لما كانت العلاقات الإسرائيلية الأميركية بقدر التقارب الذي هو عليه اليوم». ويشير الى ان اللوبي الإسرائيلي يفخر ويجاهر بقدرته وقوته في واشنطن، لكنه في ذات الوقت يهاجم من يشير إلى هذه القوة أو يربطها بدولة أجنبية. ويقول معدو التقرير: «بعض القراء قد يزعجهم هذا التحليل، لكن الحقائق المذكورة فيه ليست موضع نقاش بين الباحثين، علماً أننا استندنا في معلوماتنا إلى علماء وصحافيين إسرائيليين».

التعليــقــــات
عــيـدروس عـبـذالرزاق جـبـوبـة، «المملكة المتحدة»، 30/03/2006
لقد أصبح من البديهي والمتعارف عليه أن اللوبي الإسرائيلي له أياد طويلة كالأخطبوط الذي يمتلك ثمانية أدرع، وهم بسبعة أرواح كالقطط.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال