الجمعـة 10 جمـادى الثانى 1427 هـ 7 يوليو 2006 العدد 10083
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سكة حديد الحجاز.. أطلال من الحجارة والحديد.. مطلية بالرمل والصدأ

الحرب العالمية الأولى اقتلعت قضبانها.. ولورنس فجر قاطراتها

الرياض: شاكر أبوطالب
تجاوز عمرها المائة عام، ولم يتبق منها سوى بعض الأطلال المتباعدة، من مبان وقضبان حديدية، وقاطرات وعربات يعلوها الصدأ، وتحفها الكثبان الرملية، كانت «سكة حديد الحجاز» مشروعا «أمميا» بكل ما تعنيه الكلمة، انطلقت فكرته في ذهن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بهدف تسهيل رحلة «الحج» السنوية، لا سيما للقادمين مناطق «الشام» و«مصر» و«الأناضول» آنذاك، حيث كانت تستغرق رحلتهم من دمشق إلى المدينة المنورة أربعين يوماً، غير أن أول قطار أطلق صافرته البخارية من دمشق، متجهاً إلى المدينة المنورة، استغرقت رحلته فقط خمسة أيام، قاطعاً 1320 كيلومترا، وكان ذلك في 23 أغسطس (آب) 1908، مع أن الوقت الذي كان يستغرقه القطار هو 72 ساعة فقط، أما بقية الأيام الخمسة فكانت تضيع في وقوف القطار في المحطات وتغيير القاطرات.

وتعود بداية العمل في مشروع «سكة حديد الحجاز»، والذي امتد إلى ثمانية أعوام متتالية، إلى 30 سبتمبر (أيلول) 1900، وذلك بعد مناشدة السلطان عبد الحميد الثاني عموم المسلمين للمشاركة في المشروع، من خلال التبرع بالأموال والمواد العينية، وكان السلطان قد تبرع بـ320 ألف ليرة عثمانية من ماله الخاص، وتبرع شاه إيران بخمسين ألف ليرة عثمانية، فيما تبرع خديوي مصر بمواد عينية للبناء، وأصدرت الدولة العثمانية طوابع لمصلحة المشروع، كما أمرت باستقطاع 10 في المائة من رواتب موظفي الدولة العثمانية لصالح المشروع، وجمعت جلود الأضاحي وبيعت، وحولت أثمانها إلى ميزانية الخط، وبعد جمع المبلغ المالي المطلوب، بما في ذلك تكاليف القطارات والعربات والمباني، حيث بلغ إجمالي ما أنفق على المشروع 4.28 مليون ليرة عثمانية، ثلثاه من تبرع عموم المسلمين.

وبدأ تنفيذ المشروع من منطقة «حوران» في الشام، وأعتمد في مساره على طريق الحج البري الذي يسلكه حجاج الشام، ثم قررت الحكومة العثمانية إيصال الخط إلى دمشق، عبر مدينة «درعا»، وصولا إلى المدينة المنورة، وكانت الخطة الأساسية للمشروع تهدف لمد الخط عبر الأراضي الحجازية إلى مكة المكرمة، ثم يستمر بمحاذاة ساحل البحر الأحمر إلى اليمن، ولكن بعض الأحداث السياسية أوقفت أعمال الخط عند المدينة المنورة.

وصادف المشروع عقبات كثيرة، كان على رأسها نقص المياه، وتم التغلب على ذلك بحفر آبار وإدارتها بمضخات بخارية أو طواحين هواء، ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات، استخدمت قواتٌ من الجيش العثماني، بلغ عددها ستة آلاف جندي تقريباً، و200 مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة، ما جعل معدل الإنجاز في كل عام يصل إلى حوالي 182 كيلومترا، وتم تخصيص بعض القوات العسكرية لحماية العاملين في المشروع.

وبعد الانتهاء من مشروع خط سكة حديد الحجاز بأسبوع، أقيم احتفال رسمي لافتتاح الخط الحديدي، ليصادف تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة، وساعد الخط الحجازي في نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز، وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، ومنها مدينة حيفا التي تحولت إلى ميناء ومدينة تجارية هامة، وكذلك المدينة المنورة، وظهرت مجتمعات عمرانية نتيجة استقرار بعض القبائل والتجمعات البدوية على جانبي الخط في بعض الجهات واشتغالهم بالزراعة.

واستمرت «سكة حديد الحجاز» تعمل بين دمشق والمدينة المنورة قرابة تسعة أعوام، استفاد من خلالها الحجاج والتجار، حيث ارتفع عدد الحجاج من 30 ألفاً إلى 300 ألف، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية على بريطانيا، فعندما تراجعت القوات العثمانية أمام الحملات البريطانية، كان الخط الحجازي عاملاً هامًا لثبات العثمانيين، جنوب فلسطين نحو عامين، في وجه القوات البريطانية المتفوقة عدة وعددا.

ونظرا لاستخدام الخط الحجازي في بعض الأغراض العسكرية العثمانية، فقد تعرض خط سكة حديد الحجاز إلى كثير من الأضرار والتخريب، ففي عام 1917 انضم لورنس العرب إلى الثوار العرب فحرضهم على نسف الخط، وفي فبراير (شباط) من العام نفسه قام «البمباشي» الانجليزي جيرالد مع سرية بتفجير أول قطار بالديناميت في «الطويرة»، وفي مارس (آذار) 1917 قام الضابط «نيوكومر» بتفكيك أجزاء من سكة الحديد، وقام لورنس بعملية ضد محطة «أبو نعام»، دمر خلالها قطارا، وفي مايو (أيار) من العام ذاته قامت طائرات بريطانية بإسقاط قنابل على محطة العلا، وفي 1921 قامت قطارات قليلة برحلات إلى المدينة المنورة، واستغرقت 12 يوما، نتيجة عدم الصيانة، وبدأت حالة السكة بالتدهور السريع، حتى لم تعد صالحة للاستعمال وتوقفت القطارات بالكلية، ومنذ ذلك الحين لم تفلح المحاولات لإعادة تشغيل الخط أو تحديثه.

وتعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض في 1955، جمع سورية والأردن والسعودية، ولم توضع قراراته موضع التنفيذ، وتوقف العمل بالمشروع، وبعد 11 عامًا من نسيان المشروع، صدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثلاثة، غير أن المرسوم لم يفعل، وفي 1978 تم الاتفاق بين البلدان الثلاثة على إنشاء خط عريض جديد يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، ووقع الاختيار على شركة «دوش كنسول» لتحضير دراساته وخرائطه، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة على نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها، وحتى اللحظة لم يظهر شيء خارج الأوراق، وتم إحياء سكة حديد الحجاز في الأردن وسورية، واستخدم في عملية التنقل والسياحة بين البلدين، وبقي مهجورا في باقي المناطق.

واحتضنت المدينة المنورة وما جاورها قرابة 18 محطة، متوزعة على جنبات خط سكة الحديد، من أبرزها محطة المدينة المنورة: وتسمى «الإستصيون»، ومحطة العـلا، الواقعة بوادي القرى بمدينة العلا، ومحطة البدائع، ومحطة مدائن صالح.

التعليــقــــات
سليمان علي آل بدير، «المملكة العربية السعودية»، 07/07/2006
نرجو أن تتم اعادة الحياة لهذا الخط الحديدي الهام في أقرب وقت ممكن، لما لذلك من مردود ايجابي، ومنافع عديدة اقتصادية واجتماعية وبيئية ، ولتخفيف الضغط على الخطوط السعودية عند استخدامه في نقل الحجاج والمعتمرين والسياح والبضائع.
Tarek Abudawood، «المملكة المتحدة»، 07/07/2006
مقال رائع.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال