السبـت 11 جمـادى الثانى 1427 هـ 8 يوليو 2006 العدد 10084
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحيل إلياس الهراوي... «الرجل الثاني» في السياسة وثاني رئيس منتخب «للجمهورية الثانية» في لبنان

بيروت: ثائر عباس
برحيل الرئيس السابق الياس الهراوي فقد لبنان رجلاً مميزاً كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من اهم المراحل السياسية في حياة لبنان.

توفي الرئيس الهراوي عن 80 عاماً قضى معظمها في العمل السياسي. وكان دائماً «الرجل الثاني» الذي يستفيد من تجارب «الاول» والمطبات التي يقع فيها من دون ان يتردد في تولي المسؤوليات.

شهد عهد الرئيس الهراوي الكثير من الانجازات، فقد انجزت في عهده اول انتخابات نيابية منذ العام 1972 وأول انتخابات برلمانية منذ العام 1963. كما شهد عملية اعادة بناء لبنان واعماره وتوحيده.

كان الياس الهراوي آخر العنقود في عائلة من 19 ابنا وابنة لم يبق منهم على قيد الحياة سوى 6 مناصفة بين الصبيان والبنات بسبب فقدان الادوية خلال الحرب العالمية الاولى. سمي الياس على اسم اخيه البكر الذي توفي وهو في الشهر العاشر من العمر. وقد اضطرت «العائلة» الى طلب وساطة مطران مدينة زحلة للموارنة لاقناع الاب بذلك لانه اعتبر الاسم «نحساً».

كان حلم الياس الهراوي دراسة المحاماة لكنه عاد فترك كلية الحقوق ليلتحق بكلية التجارة بعدما استهواه عالمها.

تزوج وهو في الحادية والعشرين من عمره من افلين الشدياق، وانجب منها ثلاثة اولاد. ولكن حياتهما المشتركة توقفت بعد تسع سنوات لانها لم توافق على خوضه العمل السياسي.

وبعد طلاقه بعام واحد تعرف الياس الهراوي الى منى جمال الاردنية من اصل فلسطيني، فتزوجها في اقل من سنة وانجب منها 3 اولاد توفي البكر منهم، فسمى الاصغر على اسمه. بدأ الياس الهراوي عمله السياسي «في الظل» فكان الى جانب شقيقه جورج. لكنه لم يفلح في ايصال جورج الى المجلس النيابي الا عام 1953 بعد تعديل الرئيس كميل شيمعون قانون الانتخاب الذي جاء ملائماً هذه المرة لجورج الهراوي الذي انتخب لثلاث دورات لم يكمل آخرها بعدما توفاه الله، فاقنع الياس الهراوي عمه يوسف بالترشح رغم الخصومات التاريخية بينهما لملء مقعد جورج. لكن العم لم يكمل ولايته فتوفي بعد 11 شهراً من انتخابه، ليترشح الياس الهراوي لاول مرة عام 1965. غير ان طريقه لم يكن سهلاً، اذ تعرض لضغوطات من الاستخبارات العسكرية (المكتب الثاني آنذاك) لسحب ترشيحه. ولما لم يفعل استدعاه رئيس الجمهورية شارل حلو ليقنعه ولكن من دون جدوى. الا ان الوساطات نجحت في اقناعه لاحقاً فرشح شقيقه الثاني جوزف الذي كان طبيباً نسائياً ففاز وبقي يهتم بعيادته فيما تولى الياس المشاركة في اللقاءات السياسية. وانتهت ولاية جوزف عام 1968، لكن الياس لم يفلح في دخول البرلمان الا عام 1972 بعد وصول سليمان فرنجية الى رئاسة الجمهورية وابعاده مرشح «المكتب الثاني» خصم الياس الهراوي. واللافت ان المرة الوحيدة التي دخل فيها الياس الهراوي البرلمان كانت الاطول في تاريخ البرلمان. اذ مددت ولايته 5 مرات بسبب الحرب الاهلية، فلم يغادر مجلس النواب الا عندما انتخب رئيسا للجمهورية.

مرة جديدة... كان الياس الهراوي «الرجل الثاني» فقد انتخب رئيساً للجمهورية على عجل خلفاً للرئيس رينيه معوض اول رئيس في عهد الطائف الذي اغتيل بعد 17 يوماً من انتخابه. كان الرئيس الهراوي ترشح في مواجهة معوض، لكنه نال 5 اصوات مقابل 34 لمعوض و16 لمنافسه الآخر جورج سعادة.

كان السوريون قد سألوا المرشح الاول جان عبيد اذا كان مستعداً للقبول بنشر الجيش السوري في مختلف المناطق اللبنانية اذا انتخب رئيساً، فتردد وطلب مهلة للتفكير، فخسر فرصته. اما الياس الهراوي فقد تلقى مكالمة هاتفية سورية تطلب منه الانتقال الى شتورة حيث انتخب رئيساً للجمهورية بـ 47 صوتاً مقابل 5 اوراق بيضاء.

لم تكن بداية ولاية الياس الهراوي مريحة، فقد كان رئيساً لجمهورية مقسمة. ميشال عون كان يرأس حكومة عسكرية لا تعترف به ويسيطر على القسم الرئيسي من الجيش اللبناني. فيما كانت بقية المناطق مقسمة بين الميليشيات المختلفة. اما الجنوب فتحتله اسرائيل.

اقام الياس الهراوي في البداية في ثكنة عسكرية للجيش اللبناني في البقاع. ثم ما لبث ان انتقل الى الشطر الغربي من بيروت بواحدة من سيارتين مصفحتين اهداهما اليه الرئيس الراحل رفيق الحريري. وبقيت الرئاسة بلا سيارة رسمية حتى العام 1997.

اقام الهراوي في مقره الرئاسي الذي قدمه الحريري ايضاً في محلة الرملة البيضاء. وبقي فيه نحو 3 سنوات قبل ان يعود الى القصر الجمهوري الذي تعرض للتدمير جراء العمليات العسكرية، بعدما استطاع ان يسوق فكرة اطاحة عون بالقوة العسكرية فكان له ما اراد بعد محاولات عدة لإقناع الاخير بالتعاون والتنازل طوعاً.

بعدما «ضاق صدره» من الرئيس سليم الحص، اول رئيس حكومة في عهده، لانه كان يصر على ملازمته في رحلاته الخارجية وفي اجتماعاته مع المسؤولين الدوليين والعرب ولو ادى ذلك الى خرق للبروتوكول، تعاون الرئيس الهراوي مع الرئيس عمر كرامي فلم تكن تجربته معه افضل. وما لبث الاخير ان اضطر للاستقالة تحت وطأة اضطرابات شعبية اتهم الهراوي بتدبيرها لانه يريد التعاون مع الرئيس رفيق الحريري. لكن الحريري لم يأت الى رئاسة الحكومة الا بعد ان اجرت حكومة اخرى برئاسة رشيد الصلح الانتخابات النيابية.

وتعود علاقة الهراوي بالحريري الى العام 1984. لكنها توطدت في العام 1989 خلال اجتماعات النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية. غير ان عملهما معاً لم يخل من الكثير من الازمات السياسية بدأت منذ اللحظة الاولى لتأليف الحريري اولى حكوماته. وتواصلت الخلافات و«الاتفاقات» بين الرجلين طوال عهد الهراوي وتخللتها اعتكافات من رئيس الحكومة. لكن الود بينهما لم ينقطع ابداً. وكان الرئيس الحريري اول من اطلق شرارة تمديد ولاية الهراوي عام 1995.

«الرئيس الثاني»... الممدد له كان الرئيس الهراوي، الرئيس الثاني، في لبنان الذي يعدل الدستور من اجل تمديد ولايته بعد الرئيس بشارة الخوري. واذا كان الاخير لم ينج بفعلته فاضطر الى الاستقالة بعد 3 سنوات تحت ضغط المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، فان الرئيس الهراوي فعل، اذ مرت ولايته الممددة من دون اعتراضات تذكر. اقرت في عهد الهراوي التعديلات الدستورية التي نقلت لبنان الى عصر «الجمهورية الثانية» التي تقلصت خلالها صلاحيات الرئاسة الاولى لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً. لكن اتفاق الطائف الذي كان اساس هذه التعديلات لم يطبق بالكامل. فعدد النواب ارتفع من 108 (كما اقر في الطائف) الى 128. اما قانون الانتخاب فقد كان في كل مرة يقر بنسخة جديدة، وكل نسخة كانت مخالفة لاتفاق الطائف.

لم يستطع الياس الهراوي ايصال نجله جورج الى البرلمان في اول انتخابات جرت في عهده وكذلك اقرب المقربين اليه شوقي فاخوري. وقد شهدت هذه الانتخابات مقاطعة مسيحية واسعة جعلت بعض النواب يفوز بنحو 40 صوتاً في المناطق المسيحية. كما شهد عهده اطاحة «القوات اللبنانية» التي حُلّت وسجن قائدها سمير جعجع 11 سنة بعدما رفض اكمال التعاون مع السلطة الجديدة، بالاضافة الى اغتيال داني شمعون نجل الرئيس السابق كميل شمعون لتكتمل حلقة اضعاف الزعامات المسيحية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال