الاربعـاء 07 ذو القعـدة 1427 هـ 29 نوفمبر 2006 العدد 10228
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

هل أميركا مستعدة لأول رئيسة ؟ أو أول رئيس أسود؟

السناتور أوباما الذي رشحته «التايم» لرئاسة أميركا يتذكر أحلام والده

واشنطن: محمد علي صالح

قال مراقبون وصحافيون في واشنطن ان باراك صار ينافس السناتورة هيلاري كلينتون التي اكدت انها سترشح للرئاسة باسم الحزب الديمقراطي ايضا. وقال هؤلاء ان الحزب ربما سيرشح هيلاري (ستكون اول رئيسة اذا فازت)، او اوباما (سيكون اول رئيس اسود اذا فاز).

لكن، جريدة «واشنطن بوست» نشرت في الاسبوع الماضي، تحليلا طويلا عنوانه: «هل اميركا مستعدة لأول رئيسة؟ وهل اميركا مستعدة لأول رئيس اسود؟» واجابت الجريدة بأن فرص هيلاري اكثر لأن اغلبية الاميركيين لا ترفض رئيسة، لكن فرص اوباما اقل لأن هذه الاغلبية، رغم انها لا ترفض علنا رئيسا اسود، ربما لا تريد ذلك في الواقع.

غير ان قلة تجارب اوباما السياسية (سنتان فقط في الكونغرس) ربما ستؤذيه اكثر من لونه، خاصة اذا ترشح ضد السناتور الجمهوري جون ماكين، (عشرون سنة في الكونغرس، وطيار في حرب فيتنام، وكاد ان يصير رئيسا قبل ست سنوات ما لم يرجح الحزب جورج بوش مرشحا للرئاسة).

وقال فردريك هاريس، استاذ علوم سياسية في جامعة روشستر (في ولاية نيويورك)، ان الاميركيين ربما لن يرفضوا اوباما رئيسا عليهم، لأنهم ينظرون الى اوباما نظرة مختلفة عن بقية السياسيين السود. وذلك لسببين:

اولا، والده اسود، ووالدته بيضاء. وتفرق اغلبية الاميركيين بين نصف ابيض واسود بالكامل. ربما تبدو هذه النظرة عنصرية، لكنها، ايضا، ثقافية لأن نصف الابيض اكثر تعرضا لثقافة الاغلبية من بقية السود.

ثانيا، هاجر والد اوباما الى اميركا من كينيا. وتفرق اغلبية الاميركيين بين الاميركي الاسود والمهاجر الاسود. وذلك لأن الثاني، في حالات كثيرة، ليست في نفسيته عقدة تجارة الرقيق وسنوات التفرقة العنصرية.

كما يوضح اسم الكتاب، «احلام والدي: قصة عرق وتراث»، يركز المؤلف على عرق أوباما الاسود، ربما اكثر من مناسب، واكثر من معقول. ويقول، منذ اول صفحة: «كل هذا الكتاب عن قبولي لحقيقة مهمة، وهي اني واخواني واخواتي السود، سواء في افريقيا او في الولايات المتحدة، نواجه مصيرا واحدا».

ويكاد اوباما ينكر امه البيضاء، ويصف زواج والده الاسود بوالدته البيضاء بأنه كان «عابرا». وقال انه يتجنب الاشارة الى لون والدته «حتى لا يعتقد شخص بأني اود لو كنت ابيض». وقال انه قرر ذلك منذ ان كان عمره عشر سنوات تقريبا. وقال: «قلبي مضطرب، وروحي منقسمة، ودمي مختلط، انا المولاتو المعذب» (مولاتو كلمة ذم اميركية لنصف ابيض ونصف اسود).

وكرر في كتابه كثيرا كلمة «نيغر» (عبد) التي يشتم بها البيض السود، وقال انه ظل يعاني منها منذ ان كان صغيرا.

ويبدو واضحا، منذ بداية الكتاب، ان اوباما يعاني مشكلتين خطيرتين: اولا، عقدة عنصرية عميقة. ثانيا، احساس بالتدني امام البيض. لكن هناك سببين ربما يغفران له ذلك:

اولا، كتب هذا الرأي قبل اكثر من عشر سنوات، وربما غيره الآن (وهو الآن سناتور وربما سيترشح لرئاسة الجمهورية).

ثانيا، ربما كان لا بد ان يقول ما قال خلال سنوات البحث عن الهوية في مجتمع معقد مثل المجتمع الاميركي.

ولد براك حسين اوباما الاب (والد باراك الابن) في كينيا، وكان ذكيا وطموحا منذ ان كان صغيرا، ونجح في الحصول على منحة دراسية اميركية الى جامعة هاواي. وهناك قابل «ستانلي آن»، الطالبة البيضاء الخجولة زوجة المستقبل. رحب والداها بزيارة «الطالب الافريقي الذكي» الى منزلهما عندما دعته ابنتهما، لكنهما ترددا، وكادا ان يرفضا الزواج، بسبب لون الطالب الافريقي.

غير ان الوالدين، بعد الزواج، رحبا بالأفريقي كجزء من العائلة (قال اوباما في الكتاب إنهما فعلا ذلك اضطرارا، لا قناعة). ولاحظ الطفل حب جده وجدته له منذ ان كان صغيرا (لكنه قال ان سبب ذلك انهما كان ليبراليين متحررين، عكس بقية البيض). وبدا غريبا ان يحكي باراك في الكتاب «حرج» جده وهو يحمله عندما كان صغيرا، لأن الجد كان ابيض والطفل اسمر. كيف عرف الطفل «حرج» الجد؟ هل كان الجد «حرجا» ام فخورا؟ لماذا كل هذا التركيز على اللون؟

هاجرت عائلة الام البيضاء من ولاية كنساس الى ولاية هاواي (في المحيط الهادي) بحثا عن حياة افضل. لكن الكتاب قال انها فعلت ذلك «لتحقيق حلم الرئيس كنيدي بالبحث عن حدود جديدة، ولتحقيق حلم القس الاسود مارتن لوثر كينغ بالتخلص من القيود».

لكن، هل كان هذا، حقيقة، سبب الانتقال من ولاية الى اخرى؟ هل كان دور القس الاسود مماثلا لدور الرئيس كنيدي؟ لماذا كل هذا الاهتمام بمساواة البيض والسود؟

لم يستمر الزواج كثيرا، وذلك لأن الزوجين اختلفا، وعندما انتقل الوالد الكيني من جامعة هاواي الى جامعة كولومبيا (في نيويورك) لمزيد من الدراسة، لم تذهب معه الأم، وكانت تلك بداية طلاقهما، وكان عمر الطفل سنتين. وبينما بدا الجد والجدة يربيان الطفل، لان الام كانت تواصل دراستها، قابلت الام طالبا من اندونيسيا في الجامعة، ثم تزوجته. وعندما انهى الاندونيسي دراسته وعاد الى اندونيسيا، عادت معه الزوجة، وحملت بطفلها باراك.

وهكذا، خلال اربع سنوات في اندونيسيا، عاش الطفل مع ام بيضاء واب آسيوي حاضر، واب افريقي غائب. وتعرض، مثلما يتعرض كثير من الاولاد والبنات (خاصة الذين ينتمون الى اقليات دينية او عرقية او حضارية) الى إساءات وإحراجات من الصغار والكبار.

لكن، لم يدم الزواج الثاني كثيرا، ووقع الطلاق، وعادت الام الى اميركا. وهذه المرة تعرض الطفل الى مشاكل اجتماعية (خاصة انه كان يمر بمرحلة المراهقة والبحث عن هويته وسط ظروف معقدة مر بها).

لم يهتم الوالد الافريقي (الذي نال الدكتوراه في الاقتصاد، وعاد الى كينيا) بابنه بعد ان هجر والدته. وزاد هذا من مشاكل الابن.

لكن، سافر الابن الى كينيا عندما علم بوفاة والده، بعد خمس وعشرين سنة من آخر لقاء بينهما، وبعد ان درس الابن في جامعة هارفارد وتخرج منها.

كانت تلك اول مرة يزور فيها قرية «نيانغوماكوغيلو». وعرف ان والده حسين اوباما كان مسلما، وان اسمه «باراك» اصله «بركة». وكذلك قابل هناك عمته «زيتونة»، وعميه «سيد» و«يوسف». وعرف ان عائلة والده تتكلم اللغة السواحيلية (خليط من العربية والافريقية في شرق افريقيا).

لكن، قلق اوباما على لونه الاسود (او ربما فخره به) لازمه الى كينيا. لاحظ، خلال غداء في مطعم، ان الجرسونات (السود) سارعوا لخدمة سواح اميركيين «بيض»، واهملوه هو وعمته «زيتونه» لأنهما «اسودان». ولاحظ ان طفلة اميركية شقراء يتدلى شعرها الاشقر مثل ذيل حصان اشتكت من ان الطعام الافريقي لم يكن مناسبا، بينما هو وعمته يعانيان من الجوع.

تأكد اوباما، عندما كان في كينيا من إسلام والده وعائلة والده، وما كان يعرف ذلك قبل ان يسافر الى كينيا. وذكر في كتابه: «لم يعن اسلام والدي شيئا كثيرا. ذكرني اول ما ذكرني بأمة الاسلام»، أي جماعة وارث الدين محمد، وفرقان، ومنظمات مسلمين سود اخرى.

هل باراك مسلم؟

لا. لقد تربى مسيحيا، وهو عضو الآن في كنيسة «كرايست» الليبرالية. اصبح واضحا ان انتماءه الديني وسّع مداركه، وزاد ثقته بنفسه، وخلق فيه الميول الانسانية والليبرالية التي يدعو لها الآن، وهو يقترب من البيت الابيض. واصبح واضحا ان دينه قلل من قلقه العرقي، ومن عقدة اللون التي كتب عنها كثيرا في هذا الكتاب الذي صدر قبل اكثر من عشر سنوات.

يبدو ان الدين، اخيرا، حلّ عقدة اللون.

لم يعرف اوباما شيئا عن الاسلام، لأن والده تركه وعاد الى كينيا عندما كان عمره سنتين.

لكن، بعد الرحلة الى كينيا، عرف باراك جيدا ان عائلة والده سواحيلية مسلمة، رغم ان فيها مسيحيين ووثنيين، في منطقة ينتشر فيها نشاط المبشرين المسيحيين.

هل سيصبح دين باراك مشكلة إذا ترشح لرئاسة الجمهورية؟

بدأت منظمات يهودية صهيونية، ومسيحية متطرفة، وجمهورية محافظة، تشكك في دين اوماها، وتسأل: «هل هو مسلم سرا ومسيحي علنا؟»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال