الخميـس 29 ذو القعـدة 1427 هـ 21 ديسمبر 2006 العدد 10250
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مكتبة الغازي خسرو بك ودار القلم في سراييفو أكبر وأعرق المؤسسات الثقافية في البلقان

البوسنة تترجم مئات الكتب الإسلامية آخرها «المقدمة» في ذكرى مرور 600 عام على وفاة ابن خلدون

سراييفو : عبد الباقي خليفة
تعتبر مكتبة الغازي خسرو بك، التي يعود إنشاؤها إلى عام 1537، و«دار القلم» للطباعة والنشر التي أسست في سبعينات القرن العشرين، أحد أهم المكتبات التاريخية ودور النشر في البوسنة والهرسك ومنطقة البلقان.فمكتبة خسرو بك التي تعتبر من أقدم المكتبات العامة في منطقة البلقان عرفت ازدهاراً وإشعاعاً وتوسعاً، كما شهدت أحداثاً جساماً كادت تبقيها أثراً بعد عين، وماضياً مجهولاً بعد سالف العظمة. من تلك الأحداث العدوان الذي شنه النمساويون على سراييفو وتضررت من جرائه المكتبة أيما ضرر في سنة 1697، عندما حاول النمساويون حرقها، كما تعرضت المكتبة لعملية نهب وسرقة منظمة لكنوزها في العهد النمساوي منذ سنة 1878 وحتى 1919، وقد سرقت بعض المخطوطات وهي الآن في بريطانيا، والنمسا، وفرنسا، فيما يعتبر سرقة للذاكرة، وقد استمرت عمليات السرقة والنهب والإتلاف في عهد المملكة الصربية ثم الدولة اليوغسلافية 1945 ـ 1990. وخلال العدوان الصربي على البوسنة والهرسك وخاصة سراييفو 1992 ـ 1995 تعرضت المكتبة لنكبة كبرى، فقد وجه الصرب فوهات مدافعهم نحو المكتبة التي تمثل الذاكرة الثقافية للمسلمين في البوسنة والهرسك، وإحدى أهم ركائز هويتهم، في ذلك العدوان أحرقت 3000 مخطوطة، وكادت تأتي النيران على كل المخطوطات الموجودة بالمكتبة، حيث تمكن أهالي سراييفو من إنقاذ 10 آلاف مخطوطة هي الآن في مكان أمين ووضع يتحسن يوماً بعد يوم . وحول دار القلم التي ترجمت أخيرا «مقدمة ابن خلدون» بمناسبة مرور 600 سنة على وفاته ومكتبة الغازي خسرو بك، وبمناسبة صدور المجلد الخامس عشر لفهرسة المخطوطات فيها التقت «الشرق الاوسط» بمدير الدار سليم ياركوفيتش ومدير المكتبة مصطفى ياحييتش، ليرويا لنا قصة المكتبة والمراحل التاريخية التي مرت بها، وآخر ما وصلت إليه من مراحل إعادة البناء والتأهيل المتجدد «أصدرنا قبل العدوان الصربي ثلاثة مجلدات: الأول سنة 1963 والثاني سنة 1971 والثالث سنة 1991، أي قبل بداية العدوان الذي كان في أبريل سنة 1992، وبعد توقف القتال شرعنا في نشاطات عدة لحفظ المخطوطات وصيانتها بطرق عصرية، وقد تم حتى الآن إصدار خمسة عشر مجلدا». وتابع ياركوفيتش «في المكتبة عشرة آلاف مخطوطة، والعمل مستمر ومتواصل بكل نشاط ونحن بصدد طبع المجلد السادس عشر.. ولم يبق لنا سوى عمل قليل لاصدارالمجلدين المتبقيين في غضون السنتين المقبلتين، وبذلك تتم عملية فهرسة جميع المخطوطات» وافاد بأن جميع المخطوطات مصورة على ميكرو فيلم ونصفها مصور على سيدي روم ديجيتل(التصوير الرقمي) حتى الآن. وعن أهمية هذه المخطوطات قال «أهمية المخطوطات تكمن في محورين، الأول كونها تراثاً إسلامياً عالمياً، فلدينا مخطوطات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، سواء التي جلبها الأتراك من العالم الإسلامي إبان الخلافة العثمانية أو تلك التي أوقفها العلماء وطلبة العلم من البوسنيين أو من المسلمين الذين كانوا يزورون البوسنة والهرسك في العهد العثماني وما بعده، فقد كان الطلبة البوسنيون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وخاصة في اسطنبول، ينسخون المخطوطات ويأتون بها إلى البوسنة وهي من مختلف صنوف المعرفة، وبعض المخطوطات وصلت إلى البوسنة عن طريق الحجاج الذين يذهبون لأداء المناسك ويمرون بأقطار إسلامية شتى وكان بعضهم يهتم كثيراً بالمخطوطات ويقتني منها ما وسعه الأمر من وقت ومال وبضاعة، وكان للتجار دور في جلب الكتاب الإسلامي للبوسنة والهرسك، فالأهمية الأولى تاريخية، تراثية، ترمز للوحدة الثقافية بين المسلمين من حيث أزمنتهم وأماكنهم. والأهمية الثانية هي أن الشعوب التي لها حظ في المستقبل هي التي تحتفل بذاكرتها الثقافية» وواصل «حفاظنا واهتمامنا بالمخطوطات التي لدينا أمر يشعرنا بالانتماء وخاصة أن جزءاً كبيراً من المخطوطات الإسلامية لأجدادنا من البوسنة والهرسك، وهي باللغات البوسنية والعربية والفارسية والتركية». وحول المخطوطات القديمة قال «تعود بعض المخطوطات للقرنين الرابع والخامس الهجريين وهي كنوز عظيمة لم تكتشف بعد في عالم النشر، ولدينا مخطوطات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مشرقه ومغربه، ولدينا المخطوطات القديمة والجديدة». و تطرق إلى الاقبال على تحقيق المخطوطات سواء من داخل البوسنة أو خارجها،«أساتذة الجامعة وخاصة من كلية الدراسات الإسلامية، ومن كلية الاستشراق واللغات الشرقية، وكلية الفلسفة في سراييفو، ومن معاهد مختلفة في البوسنة، ومن بعض الكليات بيوغوسلافيا السابقة، يأتون للمكتبة لتحقيق بعض المخطوطات والقيام بدراسات مختلفة، منها ما هو لنيل درجات الماجستير والدكتوراه، والإقبال يزداد يوماً بعد يوم ولا سيما من قِبل أساتذة وطلبة كلية الدراسات العليا بسراييفو، كما جاء بعض الباحثين من دول مختلفة من العالم، ومنهم غير مسلمين، يبحثون عن المخطوطات النادرة التي لا توجد لها نظائر في مكتبات أخرى، وفي أثناء الحرب قَدِمَ باحث أميركي وقام بتصوير إحدى المخطوطات في التفسير وقام بإرسال نسخة من التحقيق للمكتبة» وأشار إلى أن «باحثين عربا زاروا المكتبة، وفي السنة الماضية كان لنا اتصال بوزارة التربية بالكويت ـ قسم المكتبات الإسلامية، وزودناهم بصور من المخطوطات في مادة الفقه حسب طلبهم في ذلك الحين، كما زارنا باحثون وأساتذة من المملكة العربية السعودية، وقاموا بتصوير بعض المخطوطات وأخذوها معهم، وأتتنا طلبات من السعودية عن طريق الهيئة العليا لجمع التبرعات، كما جاءتنا طلبات من الأردن ومصر واسرائيل».

وعن المخطوطات التي طلبها باحثون اسرائيليون قال «طلبوا المخطوطات التي تعنى بالتجويد، ومخارج الحروف، وكان الطلب وارداً من الجامعة العبرية ببير زيت». وفي رده على سؤال حول كيفية تمكنهم من الحفاظ على هذا الكم الهائل من المخطوطات كل هذه السنوات، وكيف كان وضعها أثناء الحرب.. اجاب «أنتم تعرفون أن الصرب أحرقوا المكتبة الوطنية في سراييفو سنة 1992 ومكتبة لمعهد الاستشراق، حيث أحرق الصرب أكثر من خمسة آلاف مخطوطة كلها ضاعت، وفي المكتبة الوطنية أحرقوا أكثر من مليون كتاب لكن في مكتبة الغازي خسرو بك كان الوضع مختلفاً نسبياً، رغم التلف والحرق الذي أصاب جزءاً من ذلك، ففي أبريل سنة 1992 نقلنا المخطوطات من المبنى القديم، ثم نقلنا الكتب، ثم تكررت عملية النقل من مكان إلى آخر ثماني مرات، ولم يكن أثناء الحرب أي مكان في مأمن من القذائف الصربية، وخاصة أن هناك صرباً داخل المدينة، وبذلك حافظنا على عشرة آلاف مخطوطة».

وعن سر استهداف الصرب للمخطوطات الإسلامية قال «لا أستطيع أن أفهم تحديداً ماذا كانوا يفكرون به، ولكني أعلم أنهم كانوا يستهدفون كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين، حتى شواهد القبور طمسوها، وإذا كانت القبور هدفاً فهل تتصور أن كنوز المعرفة ورموز الهوية الحية كالمخطوطات والكتب ستكون في منأى من العدوان، خاصة وهو يستهدف اقتلاع المسلمين وجوداً ديموغرافيا ودينياً وثقافياً ومسح آثار كل ذلك، فالمخطوطات دليل على وجودنا في هذه الأرض منذ قرون، وهذا لا يخدم أهدافهم العدوانية، فهم يزيفون التاريخ عن قصد عندما يعلنون أننا أتراك، فهل كنا أتراكاً كفاراً ثم أسلمنا في البوسنة سنة 1463، أم كنا بوشناقاً بوغمليين فلما قَدِمَ الأتراك دخلنا في الإسلام أفواجاً، كما دخلت في الإسلام أعداد كبيرة من الصرب والكروات، بل إن الإسلام دخل البوسنة قبل الأتراك ولكن العدد كان قليلاً، والبوغميلية كانت ديانة تؤمن بأن عيسى رسول الله، وكانت تطلق على أجراس الكنائس نواقيس الشيطان، وكان البوغميل يتعرضون لحملات عسكرية عاتية من قِبَل الأرثوذكس والكاثوليك لحملهم على اعتناق إحدى العقيدتين، فهما ليسا مذهبين وإنما عقيدتان مختلفتان، ولا يلتقيان إلا في إشراك عيسى في الألوهية بطرق غير متطابقة، فلما جاء الإسلام كان الأقرب إلى فطرتهم، وهذا أغاظ الصرب والكروات الى يوم الناس هذا، فيطلقون علينا لقب الأتراك والأغراب، رغم أننا جميعاً قدمنا للمنطقة في القرن التاسع الميلادي أي قبل مجيء الأتراك للبلقان بستة قرون تقريباً». وعودة لموضوع المكتبة والصعوبات التي واجهوها أثناء نقل المخطوطات من مكان لآخر ثماني مرات، كما قال في بداية الحديث، ذكر أن «الصعوبات التي واجهناها كثيرة وكبيرة وخطيرة، فأثناء نقل الكتب والمخطوطات من مكان إلى آخر اضطررنا للمرور أحياناً بالقرب من خطوط النار، وفي مرة كنا على مسافة مائتي متر من خنادق العدو، وكنت أثناء الحرب أسكن في منطقة كوبيلا غلاوة (10 كلم عن وسط سراييفو) كنت آتي للعمل مشياً على الأقدام يومياً وبعض العاملين في المكتبة كانوا يقطعون أضعاف تلك المسافة لأنهم خارج سراييفو، ولم تكن هناك مواصلات ولم يكن هناك وقود للسيارات مما اضطر عدداً من العاملين لترك العمل ولم يبق سوى اثنين من المساعدين معي، ولم تكن هناك أماكن آمنة، والمهجرون قدموا بأعداد كبيرة لسراييفو، وطيلة فترة الحصار التي تعرضت لها سراييفو التي تجاوزت الألف يوم كان القصف العشوائي يأتي على مختلف المناطق». واوضح «لقد قمنا بترميم المكان بمساعدة البنك الإسلامي للتنمية بعد زيارة الدكتور أحمد محمد علي لسراييفو، فهو شاهد الكتب والمخطوطات مكدسة على الأرض، فساءه ذلك، ووعدنا بالمساعدة وهو ما تم بعد شهرين من تاريخ الزيارة، والآن بحمد الله لدينا أجهزة الحاسوب المتطور، وعن طريقها تقع عملية فهرسة المخطوطات، التي توفر لها مكان مناسب ولائق للحفاظ عليها وفق المعايير العلمية المعروفة في العالم سواء فيما يتعلق بالرطوبة أو الحرارة، وإذا كان الحاضر واعداً فإن المستقبل بدون شك سيكون زاهراً بإذن الله تعالى».

وتستعد المكتبة الانتقال إلى المبنى الجديد كما أكد ياهيتش «ففي هذا المبنى الذي هو من أملاك الأوقاف كانت هناك بعض المؤسسات الوطنية في فترة الحرب، وبعد توقف القتال أصبح المبنى فارغاً، فقد خرجت المؤسسات ومن بينها مؤسسة الجيش، وكانت إحدى كتائب الجيش وتدعى الفتح هنا أثناء الحرب، أما المكتبة فهناك إلى جانب جناح المخطوطات، وعددها عشرة آلاف مخطوطة 20 ألف عنوان تقريباً، ولدينا أرشيف الوثائق التاريخية المتعلقة بالفترة العثمانية في البوسنة والهرسك، وعدد الوثائق تقريباً 5 آلاف، ولدينا مجموعة الوقفيات وعددها 1400 وثيقة، ومجموعة سجلات المحكمة الشرعية بسراييفو وعددها 86 سجلاً، هذا ما يخص الأرشيف وهناك بعض الكتب التاريخية، وعندنا مجموعة من المطبوعات باللغات الإسلامية، وأكثرها العربية وهي السمة الغالبة على مخطوطات المكتبة، وهي من مختلف العصور، أما التركية فهي محدودة بحدود زمن الخلافة وهي في التاريخ والأدب، أما الفارسية فهي في مجال الأدب الكلاسيكي وخاصة دواوين الشعر، ولدينا مجموعة المجلات والجرائد البوسنية كاملة وهي تعود إلى القرن الثامن عشر، ولم تتوقف إلى اليوم، فلدينا أرشيف كامل منها يحتوي على كم هائل من الجرائد والمجلات البوسنية التي كانت تكتب بالحروف العربية».

أما دار القلم للنشر فلها ـ كما يقول مديرها ـ سليم ياركوفيتش الكثير من الميزات التي لا تتوفر في غيرها من دور النشر في منطقة البلقان، وينبع تميزها من تخصصها في طبع ونشر الكتب الاسلامية، ولا سيما المترجمة عن العربية إلى اللغة البوسنية. وتصدر دار القلم للطباعة والنشر سنويا عشرات الكتب المحلية والمترجمة عن العربية واللغات الاخرى، والتي غالبا ما تكون مرتبطة بالاسلام والثقافة الاسلامية في البوسنة والعالم.

لقد طبع القرآن الكريم في البوسنة عدة مرات، وكان لدار القلم نصيب الاسد في ذلك حيث طبعت القرآن الكريم أكثر من 10 مرات، كما اهتمت الدار بنشر علوم القرآن الكريم. كما طبعت «دار القلم» كتاب العلامة المودودي «شروط أساسية لفهم القرآن الكريم» بعد ترجمته إلى اللغة البوسنية على يد الاستاذ والدبلوماسي البوسني السابق محمد مراهوروفيتش والذي عمل مديرا لدار القلم حتى عام 2003 . وقدم للامام المودودي بأنه غني عن التعريف، فهو الذي ساهم في تنمية الوعي بأن «القرآن ليس مجرد طقوس تؤدى، وإنما منهج حياة يشمل الدنيا والآخرة» كما يشمل الكتاب ترجمة وافية عن الامام المودودي رحمه الله المولود في حيدر آباد سنة 1903، والذي «كان واحدا من المسلمين المثقفين الذين عارضوا بكل طاقتهم وعزيمتهم مختلف أنواع تأثير الحضارة الغربية التي كان يتحمس لها البعض من معاصريه، وكتب ما يزيد عن 200 مصنف، بين كتب ورسائل تناول فيها القضايا الجوهرية التي تهم العالم الاسلامي».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال