الجمعـة 04 صفـر 1428 هـ 23 فبراير 2007 العدد 10314
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عبد الكلام.. الشعر والصواريخ

لبس الرئيس الهندي حذاء لأول مرة في حياته عندما التقى إنديرا غاندي وارتدى سترة عندما ذهب لتسلم أكبر وسام هندي.. ويجيب على الرسائل الإلكترونية شخصيا

براكريتي غوبتا
تضم الهند ثاني أكبر عدد للمسلمين في العالم بعد اندونيسيا، وفيها ثلاثة مسلمين ممن تولوا منصب الرئيس. ولكن الرئيس المسلم الحالي أبو بكر زين العابدين عبد الكلام، هو أول عالم هندي يترأس اكبر نظام ديمقراطي في العالم، باعتباره الرئيس الحادي عشر، وهو منصب يتولاه السياسيون عادة لا عالم نووي، غير أن عبد الكلام عادة يخالف التقليدي، فحياته كلها مخالفة للسائد. فهو مسلم يقرأ الهندوسية، وهو رمز لوحدة الهند يظهر في الأزمات وخلال الخلافات بين الطوائف الدينية العديدة في الهند. وتكشف الهويات الشخصية والمهنية له عن توليفة نادرة للعالم والشاعر والموسيقي. ولد عبد الكلام المعروف على نطاق واسع بـ«رجل الصواريخ وأب القنبلة النووية الهندية» لأبوين مسلمين يوم 15 اكتوبر (تشرين الاول) 1931 في مدينة «دانوشكودي راميشوارام» الواقعة في ولاية تاميل نيدو جنوب الهند، وهي مدينة معروفة بمراقدها الهندوسية. وهو من اتباع المذهب النباتي والامتناع عن تناول المسكرات، ويقرا القرآن والنصوص الدينية الهندوسية بتقوى متماثلة كل يوم. وبينما درس في كليات مختلفة، فقد اعتاد ان يترأس مجموعة النباتيين. يستمتع عبد الكلام بالموسيقى الكلاسيكية الهندية وهو عازف ماهر لآلة الفينا، وهي آلة هندية وترية تقليدية. وهو يكتب الشعر باللغة التاميلية، لغة أمه. وقد ترجمت قصائد عدة له الى اللغة الانجليزية. وتحدر من عائلة غير متعلمة من الطبقة المتوسطة الدنيا، واعتاد أبوه على تأجير قوارب للصيادين المحليين ليدفع رسوم دراسة عبد الكلام.

وقد كتب عبد الكلام قائلا «كنت على الدوام شخصا متدينا، بمعنى انني احتفظ بعلاقة مع الله. وكنت على دراية بأن افضل عمل يتطلب قدرة اكبر مما امتلك، وبالتالي فقد كنت بحاجة الى المساعدة التي لا يمكن ان يمنحها الا الله. وقد توصلت الى تقدير حقيقي لقدراتي، ثم رفعت ذلك بنسبة 50 في المائة، ووضعت نفسي بيد الله. وفي هذه العلاقة كنت دائما أتلقى القوة التي احتاجها، وفي الحقيقة كنت اشعر بأنها تتدفق في نفسي. وفي الوقت الحالي استطيع أن أؤكد بأن مملكة الله هي في داخلك في صيغة هذه القوة، للمساعدة على تحقيق أهدافك وأحلامك».

وقصة تطور عبد الكلام من صبي يبيع الصحف الى عالم نووي كبير، ثم رئيس لدولة بحجم الهند مثيرة. فقد كانت دراسته الأولية في مدرسة «شفارتز» الثانوية في «راماناثابورام». ويقول إن والده هو الذي اراد له ان يدرس العلوم في الكلية، فميوله الأدبية والشعرية كانت حاضرة لديه منذ كان صغيرا. تخرج من كلية «سانت جوزيف تيروتشيرابالي»، وانضم لاحقا الى معهد «مادراس للتكنولوجيا» ليتخصص في هندسة الطيران. وبعد تخرجه من المعهد عام 1958 أراد ان يحقق حلمه القديم في قيادة طائرة من طائرات سلاح الجو الهندي. ولكن القدر كان يخبئ له مهمات اخرى، اذ اخفق في اجتياز اختبارات سلاح الجو. واعترف علنا بأنه أحبط بسبب الرفض الى حد أنه غادر بيته لفترة أشهر وذهب الى الهمالايا. وفي وقت لاحق حصل على عرض بوظيفة في مديرية الانتاج والتنمية التقنية التابعة لوزارة الدفاع كمساعد علمي براتب 250 روبية شهريا. ووافق على وظيفته الجديدة، وقرر التغلب على استيائه من الفشل في أن يكون طيارا، معتقدا انه سيكون قادرا على صنع الطائرات ان لم يتمكن من قيادتها.

وفي وقت لاحق انضم إلى منظمة أبحاث الفضاء الهندية كمدير للمشروع، حيث كان مسؤولا عن تنفيذ التصميم والتطوير والمؤهلات واختبارات الطيران في القمار الصناعية. ولعب دورا رئيسيا في ارتقاء الهند في ابحاث الفضاء، مساعدا على تطوير«روهيني»، أول قمر صناعي يطلق الى الفضاء في يوليو (تموز) 1980. وفي عام 1982 كان عبد الكلام مسؤولا عن برنامج تطوير الصواريخ الموجهة، وهو أنجح مهمة أبحاث عسكرية في الهند حتى الآن. وفي عام 1992 ساعد عبد الكلام الهند على التطوير الناجح لصواريخ أرض ـ أرض البالستية، وهو الانجاز الفريد، الذي جعل الهند عضوا في نادي الدول المتطورة. وتعتبر الصين وباكستان في المدى الذي تصله الصواريخ الهندية.

ويصف أم. فيدياساغار الذي كان عبد الكلام رئيسه المباشر لسبع سنوات عبد الكلام، باعتباره شخصا اعتاد أن يكون مصدر الهام للشباب، فهو على الدوام مهتم ومتحمس بالتكنولوجيا الجديدة. ويقول فيدياساغار «انه انسان سيظل على خصائصه حتى لو أصبح رئيسا للعالم». وفي سيرته التي استمرت 40 عاما كعالم حقق الكثير من الانجازات المميزة، وأصبح مستشارا علميا للحكومة الهندية. وفي عام 1998 قاد الهند الى اختبارات نووية ناجحة، أكدت وضع الهند كدولة نووية.

ولا يمكن لأي هندي أن ينسى كلمات العالم الكبير بعد اجراء تفجيرات «بوخران 2» النووية «اعملوا الأشياء بأنفسكم. لا تنشغلوا بطرق مختصرة في استيراد المعدات». ويدافع هذا العالم المتواضع والمهذب والوطني قبل كل شيء بقوة عن برنامج الهند النووي، مجادلا بأنه كان قد منع الخصومات بين الهند وباكستان من الانفجار والتحول الى حرب شاملة.

وبعد الاستقالة من وظيفته الحكومية عام 2001 التحق عبد الكلام بالعمل الأكاديمي كأستاذ للتكنولوجيا والتحول الاجتماعي في جامعة «أنّا بتشيناي»، وهي الولاية التي ولد فيها، وانشغل بالتدريس ومهمات البحث فيها. وفي عام 2002 انتخب رئيسا للهند في اقتراع للبرلمان الهندي ملحقا الهزيمة بالمرشحين السياسيين الموسميين المنافسين. وهو دائما يقدم للأطفال، وهم جمهوره المفضل، شعاره للنجاح، وهو الفضول والتفكير والمعرفة والدأب والمثابرة. لم يستخدم عبد الكلام تكنولوجيا الصواريخ للمسائل الامنية فقط، وانما لقضية اجتماعية. فقد وسع من معرفته بتكنولوجيا الفضاء وآلياته لمساعدة الأطفال المعاقين باستبدال الأجهزة المعدنية الداعمة التي يبلغ وزن الواحد منها ثلاثة كيلوغرامات بسوار خفيف مصنوع من الكربون يزن 300 غرام فقط. ويكتب عبد الكلام قائلا «انها في الواقع تجربة مقنعة ان ترى كيف ان السوار الخفيف الوزن، يمكن أن يجلب السعادة الى الشخص المعاق». وهو الى جانب الرأي القائل بأن البرنامج الموجه المهمات يجب ان ترسم خطوطه الأساسية في حين انه في المعدات الطبية وصيانتها يجب ان ينشأ الأمر من التكنولوجيا في البلد وبالتالي يجعلنا معتمدين على أنفسنا.

واعتمادا على جهوده، أصبحت الهند مستقلة في صنع اللولب الذي يستخدم في التحام الأوعية الدموية، والذي يبقي أوعية القلب مفتوحة خلال عملية الجراحة التعويضية. وعندما سئل ذات مرة عما اذا كان يفضل التكنولوجيا لأغراض اجتماعية فحسب، ام الاستمرار في برامجه المتعلقة بالصواريخ، أجاب انه «اذا ما تعين ان تصبح الهند بلدا متطورا، يجب عليها ان تمتلك تنمية شاملة. وذلك يشمل حقل الطب وتكنولوجيا الدفاع وأي شيء آخر».

وهو يشعر بأنه في مجالات هندسة البرامج الالكترونية والمنتجات الكومبيوترية والتصميم والزراعة والأغذية والملاحة الجوية وأبحاث الدفاع وتكنولوجيا الفضاء والهندسة الكيمياوية، يمكن للهند أن تطور قدرتها الأساسية. ويعتقد عبد الكلام ان هناك الكثير من السبل التي يمكن أن تستخدم فيها تكنولوجيا الدفاع لغرض اجتماعي.

وفضلا عن ذلك، فإن شبكة هائلة من مختبرات الأبحاث الهندية أنتجت تحت توجيهه، منتجات مثل أجهزة السيطرة على الانهيارات الثلجية أو الصخرية في كشمير، ومشاريع تحلية المياه في صحراء ثار، وجهاز اكتشاف الغواصات بالموجات الصوتية لآخر بارجة حربية تحمل اسم «آي.أن.أس.دلهي»، ومناظير للرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء للجيش الهندي. ومهمته الحالية هي تحفيز عقول الشباب الهنود على التنمية الوطنية، عبر اللقاء مع طلاب المدارس الصغار في مختلف أنحاء البلاد.

وقد التقى عبد الكلام بما يقرب من 200 ألف من طلاب المدارس منذ أن اصبح رئيسا. ويحتفظ بعنوان على الانترنت، حيث يمكنه اقامة الصلات مع الأطفال، ويقول الموظفون في القصر الرئاسي، انه يجيب عن كل رسالة الكترونية شخصيا، ويجري تسلم حوالي 300 رسالة يوميا. وشعاره المفضل للأطفال هو «فكروا كبلد مليار شخص. عندئذ فقط يمكننا أن نصبح كبارا». وليس مما يثير الدهشة انه ينصح شباب البلاد قائلا «احلموا، واحلموا، واحلموا، وحولوا هذه الأحلام الى أفكار ومن ثم الى أفعال».

أما رؤيته بشأن التعليم في الهند فمثيرة للجدل، وهو يجادل قائلا انه «لدى الهند أناس يتمتعون بالقدرات والذكاء العالي. والشيء الوحيد المطلوب هو المزيد من التسهيلات والمعدات في مختبراتنا، والتمويل الحكومي والقيادة الجيدة في المجالات العلمية». وهو يطلب من الجامعات والمعاهد التعليمية اتخاذ خطوات من اجل خلق كادر عالمي من الشباب الماهرين الموهوبين الذين يتمتعون بالمهارات الخاصة والتعليم العالي من أجل تفعيل قطاعات التصنيع والخدمات في البلاد. وقد كسبت انجازاته وبساطته الكثير من القلوب. وبالنسبة للأغلبية من الشباب الهنود يعتبر عبد الكلام رمزهم المفضل. وهو يتطلعون اليه ارتباطا بعمله وحبه للبلاد وسلوكه المتواضع. شعبيته وسط الشباب الهنود جلية من خلال حقيقة ان الطلب على اعادة انتخابه رئيسا يتقدم على الانترنت على كل الطلبات الأخرى. وينتخب الرئيس في الهند مرة واحدة كل خمس سنوات من جانب اعضاء البرلمان، وتنتهي فترة ولايته بعد خمسة اشهر في العام الحالي. ومن بين الدلائل على شعبيته بين الشباب الهنود أن محطة «ام.تي.في.إنديا» رشحته مؤخرا لنيل جائزة رموز الشباب في الهند لعام 2006. ويفضل الأغلبية من الشباب انتخابه لولاية ثانية كرئيس، وتقول الأغلبية انه يمثل الهند افضل مما يمثلها «السياسيون الفاسدون» الآخرون. وتضيف انه «على الرغم من كونه المواطن الأول في البلاد، فإنه أكثر تواضعا من كثير من المواطنين الآخرين».

ويشار الى ان ظهوره الموجز الوحيد في الخارج كان عامي 1963 ـ 1964 عندما وجهت اليه دعوة من وكالة الفضاء الأميركية ناسا لقضاء اربعة اشهر في مركز والوبس آيلاند روكيتوري ومركز أبحاث لانغلي.

وأوضح في سيرته الذاتية «اتذكر أنني شاهدت في احد تسهيلات وكالة ناسا الاميركية لوحة معروضة في البهو. وتعرض اللوحة مشهدا من معركة تنطلق فيها الصواريخ في الخلفية. واكتشفت بعد فحص دقيق، ان اللوحة هي لجيش البطل الهندي تيبو سلطان خلال قتاله للبريطانيين. وشعرت بسعادة بالغة لمشاهدة بطل هندي يحظى باهتمام وكالة ناسا». ويتذكر ار. ارافامودان، وهو صديق مقرب وزميل سابق للرئيس الهندي علاقته الطويلة معه بقوله «كان شخصية جادة، ويهتم اهتماما شديدا بما يفعله. ويركز تركيزا شديدا في المشروع الذي يعمل به ويدفع الآخرين لبذل كل ما في طاقتهم». ويتذكر كيف كان كلام يتناول طعامه في كافتيريا الخدمة الذاتية في ناسا، ويحاول التقاط الاطعمة النباتية، ويعيش بصفة اساسية على البطاطس والبقول المسلوقة والخبز والحليب خلال فترة تدربه في مجال تجميع الصواريخ وإطلاقها في ناسا.

وأضاف «كنا نقوم برحلات الى واشنطن في عطل الاسبوع بطائرة داكوتا قديمة، كانت مخصصة مجانا لرحلات العاملين بين وولوبس والعاصمة واشنطن. وكانت فنادق العاصمة الأميركية تؤجر الغرف للعاملين في ناسا بسعر لا يزيد على 6 دولارات. وكنا نتجول في المدينة قبل العودة الى مقر عملنا باستخدام اول طائرة في الصباح للعودة الى وولوبس. وكنا نقوم بأشياء كثيرة خلال عطلة نهاية الاسبوع مثل التسوق في السوبر ماركت وزيارة دور السينما، وتناول طعام هندي في منزل هندي».

وأصدر عبد الكلام عدة مؤلفات، اهمها سيرته الذاتية المسماه «أجنحة النار» وتهدف الى اثارة حماس الشباب. وقسم عبد الكلام سيرته الذاتية الى عدة مراحل عمرية. من بدايته المتواضعة الى اول فرصة له الى الاحباط ثم النجاح. ويكتب بحماس شديد عن الاشخاص الذين راعوه وعن مدرسيه وزملائه. ويكتب مطولا عن بداياته والسنوات الاولى من لبرنامج الفضاء الهندي. كما يكتب عن الطريقة المثلى لتصبح قائدا جيدا، وملهما جيدا، ومدير مشروع جيد وفوق كل شيء كيف تصبح شخصا متحمسا ومخلصا لعملك. وتكشف سيرته الذاتية عن رجل ليس له مهمة اخرى في حياته اكثر من تلك التي تقدمها مهنته، وكيف انه يستخدم الحد الأدنى للمعيشة ويتبرع بمعدلات كبيرة.

ويقول «لن ادعي القول إن حياتي يمكن ان تصبح نموذجا لأي شخص، ولكن طفلا فقيرا يعيش في مكان مجهول في ظروف اجتماعية بائسة، ربما يجد العزاء في الطريقة التي تشكل بها قدري. وربما تساعد مثل هؤلاء الاطفال على تخليص انفسهم من قيود التخلف الوهمي».

وفي كتابه «الهند 2020» يدافع بشدة عن خطة عمل لتطوير الهند، وتحويلها الى قوة عظمى في مجال المعلومات، والى دولة متطورة بحلول عام 2020. ويطرح في الكتاب وجهة نظر بأن على الهند اتخاذ موقف اكثر حزما في مجال العلاقات الدولية، ويعتبر عمله في برنامج الأسلحة النووية الهندية كوسيلة لتأكيد وضع الهند كدولة عظمى في المستقبل. وفي كتابه «النفوس المرشدة: حوار حول هدف الحياة»، يكشف عن جانبه الروحي، بينما «شجرة الحياة»، هي عبارة عن ديوان شعري.

وفي كتاب «مهمة الهند» يعرض تصوره لمساهمات الشباب الهندي لجعل الهند دولة متقدمة. وقد حقق موقفا متميزا في العام الماضي، عندما اصبح اول رئيس يقوم بطلعة جوية في طائرة مقاتلة من طراز سوخوي 30، وأول رئيس يقوم برحلة جوية في غواصة روسية.

ومن الشخصيات التي اثرت على حياته وكانت مثالا له: الرئيس الاميركي ابراهام لينكون، الذي يعتبره عبد الكلام انه لم يتأثر على الاطلاق بالنقد. ويقول انه اذا ما بدأ القائد يتأثر بالنقد، فإنه يفقد قدراته القيادية، ويصبح تابعا لمن حوله من المسؤولين والاصدقاء ووسائل الاعلام وفي النهاية يتحول الى دمية. كما يجد عبد الكلام نيلسون مانديلا، الذي حارب ضد التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا، معلما عظيما.

وتأثر عبد الكلام ايضا بالزعيم الهندي مهاتما عاندي، الذي كان مسؤولا عن تحويل مطالب الاستقلال الى حركة شعبية على مستوى البلاد، حركت كل الطبقات ضد قوى الاستعمار. كما ابدى اعجابه ايضا بأمه اشياما التي علمت الأمور التي يحتاجها الاولاد والبنات للمعيشة. كيف تطهي وتنظف وتنقل المياه وتخيط ملابسك. والمرأة الأخرى التي اعجب بها هي المغنية الهندية ام اس سوبالكشمي، التي اعترف انه يستيقظ صباح كل يوم على صوتها.

ويوضح في سيرته الذاتية انه استمتع بطفولة مستقرة ماديا وعاطفيا. فقد تدلل كثيرا باعتباره الطفل الأصغر في الاسرة. ويعتقد عبد الكلام انه ورث الامانة والانتظام من والده، بينما كان ورث عن امه الايمان بالعمل الصالح والطيبة.

ولم يتزوج عبد الكلام. وكتب يقول انه وجد ان الاحتفاظ بعلاقات اكثر صعوبة من علم الصواريخ. وتتذكره اسرته كطفل يهتم فقط بالكتب، وذكر عبد الكلام في واحدة من مقابلاته الصحافية ان اس تي ار مانيكام، وهو واحد من جيران الأسرة كانت لديه مكتبة وكان عبد الكلام يزوره دائما للاطلاع على الكتب. ومؤلفه المفضل هو روبرت شولر الذي شيد الكاتدرائية الكريستالية بتكلفة تصل الى عدة ملايين من الدولارات، عبر التبرعات.

وهذا الاخلاص للعمل والبساطة يتضح من قميصه الازرق المكرمش وسرواله الواسع وشعره الطويل، الذي اصبح علامة مميزة قبل ان يصير رئيسا. ومن القصص الشهيرة عنه هو انه عندما التقى رئيسة وزراء الهند انديرا غاندي في السبعينات، كان عليه ارتداء حذاء للمرة الاولى في حياته، وعندما ذهب لتسلم اكبر وسام هندي مدني في الثمانينات من الرئيس انذاك، ارتدى سترة للمرة الاولى في حياته.

ويعتقد الرئيس أنه يجب على الانسان ألا يشعر بالضياع أو الصغر. ويظهر ذلك عندما تولى رئاسة الهند أصر على يأتي الطهاة بعد انتهاء الولائم الرسمية لتحية الضيوف. وهو شخصية مؤمنة بالعلوم الهندية التقليدية، ولذا اضاف حديقة موسيقية حيث ترتفع نافورتين وترقصان على نغمات النشيد القومي الهندي، وحديقة تأمل، بها نباتات واحراش مرتبطة بأديان الهند، وحديقة اعشاب عطرية تروج لاستخدام الاعشاب للعثور علي علاجات لكثير من الامراض مثل الربو القرحة والجذام والبهاق. وحديقة تنوع بيولوجي حيث تعيش مجموعة متنوعة من الحيوانات والطيور مثل الغزلان والأرانب والسلاحف والبط والديوك الرومية والطاووس معا في تناغم تام من دون أية أسوار للفصل بينها.

وعبد الكلام واحد من اكثر العلماء تميزا في الهند، حيث حصل على شهادات دكتوراه شرفية من 30 جامعة. كما حصل على أعلى وسام هندي: بادما بوشان عام 1981 وبادما فيوشان 1990 وأكبر جائزة مدنية، وهي بهارات راتنا عام 1997. كما تلقى عدة جوائز أخرى وشهادات زمالة من مراكز مختلفة. ورفض مؤخرا شهادة دكتوراه من جامعة، موضحا انه يشعر بالرضا من تلك الشهادات التي حصل عليها بجهده وتصميمه. ويتضح الجانب الأخر من شخصيته بتبرعه بدخله لاول 10 شهور في منصبه الى منظمة غير حكومية.

وحياته ومهمته هي دليل على ما يمكن لشخص يملك التصميم على تحقيقه ضد ظروفه غير عادية. وبالرغم من بلوغه سنة السادسة السبعين، فلا يزال يحلم بتحويل الهند الى قوة عظمى تكنولوجية.

وبعدما قضى سنوات يطلق الصواريخ المتقدمة، فإنه ينوي الآن تحويل اعادة استخدام الصواريخ الى حقيقة. ومثل رحلات الفضاء المكوكية، يمكن للصواريخ التي يعاد استخدامها حمل رؤوس حربية الى اهداف محددة من قبل، واطلاقه والعودة للقاعدة. وقد اكد على اهمية تطوير مفاعلات نووية باستخدام الثوريوم لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، وضرورة ان تعمل الهند على تطوير طاقة هيدروجينية، وهي خالية تماما من التلوث. ورؤية عبد الكلام هي تحويل الهند الى بلد متطور بحلول عام 2020 عبر العمل الصعب والتصيمم. ويحلم بعالم أول لدول العالم الثالث.

عبد الكلام مستمر في القيام بدور ناشط في قطاع العلوم والتكنولوجيا. فقد اقترح برنامج أبحاث زراعة الأعضاء البشرية. وهو مؤيد لبرنامج تشغيل برامج الكومبيوتر المعروف باسم «المصدر المفتوح» ويعتقد ان استخدامه علي نطاق واسع سيدفع العديد من الناس للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات. كل هذا ليس بغريب على رجل قال يوما «التفكير يماثل التقدم. وعدم التفكير ركود الفرد والمنظمات والبلاد. والتفكير يقود للعمل. المعرفة بلا عمل ليست لها فائدة. والمعرفة بعمل، تحول التنوع الى ازدهار».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال