الخميـس 19 شـوال 1428 هـ 1 نوفمبر 2007 العدد 10565
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جامع «ابن طولون».. تحفة من تحف المعمار الإسلامية

أنشأه ابن طولون بكنز فرعوني.. وجدده السلطان لاجين وفاء لنذره

القاهرة: «الشرق الأوسط»
شأن كثير من المساجد الأثرية في مصر تناولت يد الإصلاح جامع أحمد بن طولون، كما امتدت إليه يد التدمير والخراب في فترات من عصوره المختلفة، فالجامع الذي يعرف أيضا باسم «الميدان»، شيده أحمد بن طولون بكنز وجده في إحدى المقابر الفرعونية، وعلى الرغم من أنه ليس أول جامع يبنى في مصر، إلا أنه يعتبر أقدم جامع احتفظ بتخطيطه وبالكثير من تفاصيله المعمارية الأصلية.

فجامع عمرو بن العاص الذي بني سنة 21 هجرية لم يبق أثر من بنائه القديم، وكذلك جامع العسكر الذي بني سنة 169 هجرية والذي تهدم عن آخره. ولعل هذا هو ما منح جامع ابن طولون مزيداً من الأهمية والخصوصية قلما حظي بها أثر إسلامي آخر في مصر .

ويعد أحمد بن طولون واحداً من الشخصيات الهامة في تاريخ مصر الإسلامي حيث انتقلت مصر في عهده من ولاية تابعة للخلافة العباسية إلى دولة ذات استقلال ذاتي.

وقد نشأ أحمد بن طولون محبا للعلم شغوفا به فحفظ القرآن ودرس الفقه والحديث وأظهر من النجابة والحكمة ما ميزه على أقرانه. وقد بدأت علاقته بمصر عندما أرسل من قبل الدولة العباسية لولاية مصر في عام 254 هجرية الموافق 868 ميلادية. وكانت ولاية أحمد بن طولون على مصر أول الأمر قاصرة على الفسطاط أما أمر الخراج فكان موكولا إلى ابن المدير، ووسع أحمد بن طولون في نفوذه حتى شمل سلطانه مصر جميعها وتولى أمر الخراج وامتد نفوذه إلى الشام وبرقة وأسس الدولة الطولونية التي حكمت مصر من سنة 254 إلى 292 هجرية وتوفي سنة 270 هجرية.   وبالعودة إلى تاريخ بناء الجامع، نجد أن أحمد بن طولون كان قد انتهى من بناء قصره عند سفح المقطم، فأنشأ الميدان أمامه، وبعد أن انتهى من تأسيس مدينة القطائع، شيد جامعه على «جبل يشكر» فبدأ في بنائه سنة 263 هجرية وأتمه سنة 265 هجرية، وهو التاريخ المدون على لوح رخامي مثبت على أحد أكتاف رواق القبلة. وقد تأثر بانيه بالأساليب المعمارية العراقية ونقلها إلى مصر وظهرت تلك المؤثرات على عمارة المسجد سواء من ناحية التصميم أو التخطيط والزخرفة. يتكون جامع ابن طولون من صحن مكشوف متساوي الأضلاع  تقريبا حيث يصل طول ضلعه 92 مترا، تتوسطه قبة محمولة على رقبة مثمنة موضوعة على قاعدة مربعة بها أربع فتحات معقودة، وبوسطها حوض للوضوء، والملاحظ فيها هو وجود سلم داخل سمك حائطها البحرية، يصعد منه إلى أعلى الرقبة، ويحيط بالصحن أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة وبه خمسة صفوف من العقود المدببة المحمولة على أكتاف مستطيلة القطاع، مستديرة الأركان على شكل أعمدة ملتصقة، أما الأروقة الثلاثة الأخرى فيوجد بها صفين فقط ويغطي الأروقة الأربعة سقف من الخشب حديث الصنع، عمل على نفس نمط السقف القديم، وبأسفله أعيد وضع إزار الخشب القديم مكتوباً عليه عدد من الآيات القرآنية بالخط الكوفي المكبر. ويبلغ طول الجامع 138 مترا وعرضه 118 مترا تقريبا، يحيط به من ثلاث جهات، ثلاث زيادات عرض كل منها 19 مترا على وجه التقريب، مكوّنين مع الجامع مربعا طول ضلعه 162 مترا، ويتوسط الزيادة الغربية الفريدة في نوعها منارة الجامع التي لا يوجد مثيل لها في مآذن القاهرة وأغلب الظن أنها بنيت على غرار مئذنة سامراء، وهي مربعة من الأسفل، بينما وسطها أسطواني، وتنتهي على شكل مثمن تعلوها قبة ويبلغ ارتفاعها 40 متراً.

وتمتاز وجهات الجامع الأربع بالبساطة، مع خلوها من أنواع الزخرف، ما عدا صف من الشبابيك الجصية المفرغة المتنوعة الأشكال والمختلفة العهود، والتي تنتهي بشرفات مفرغة بديعة، وأمام كل باب من أبواب الجامع، يوجد باب في السور الخارجي، بالإضافة إلى باب صغير فتح في جدار القبلة وقد كان يؤدي إلى دار الإمارة التي أنشأها أحمد بن طولون في شرق الجامع. ويتوسط جدار القبلة المحراب الكبير الذي لم يبق من معالمه الأصلية سوى تجويفه والأعمدة الرخامية التي تكتنفه، كما توجد بأعلى الجزء الواقع أمام المحراب قبة صغيرة من الخشب، تحيطها شبابيك جصية مفرغة مشغولة بالزجاج الملون، وإلى جانب المحراب يوجد منبر مصنوع من الخشب على هيئة أشكال هندسية تحصر بينها حشوات محلاة بزخارف بارزة، ويعتبر هذا المنبر من أقدم منابر مساجد القاهرة، بعد منبر المسجد الموجود بدير القديسة كاترين بسيناء والذي أقامه «الأفضل شاهنشاه» في أيام الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 500 هجرية، ومنبر المسجد العتيق بقوص الذي أمر بعمله الصالح طلائع سنة 550 هجرية. أما الزخارف الجصية المتعددة، والزخارف التي استخدمت في الأبواب، فيلاحظ تأثرها الكبير بجامع «سامراء»، حيث بدأت الأسرة الطولونية هناك قبل أن تنشئ دولتها في مصر.

وقد امتدت يد الترميم والإصلاح إلى جامع ابن طولون في العديد من الفترات، إلا أن أهمها، كان ذلك الذي قام به السلطان حسام الدين «لاجين» المملوكي، فقد أنشأ القبة المقامة وسط الصحن عوضا عن القبة التي شيدها الخليفة الفاطمي العزيز بالله والتي كان قد أقامها بدلا من القبة الأصلية التي احترقت سنة 376 هجرية. وللسلطان المملوكي «لاجين» قصة مع المسجد رواها السيوطي في كتابه التاريخي «حسن المحاضرة في أخبار مصر القاهرة»، مفادها أن لاجين كان أحد المماليك الذين قاموا بقتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ومن ثم أخذ مماليك وحلفاء الأشرف في البحث عن لاجين ليثأروا منه، فما كان من «لاجين» إلا أن احتمى في منارة هذا الجامع الذي كان قد هجره الناس وتحول إلى مربط للخيل ومكانا للمسافرين، ونذر بتجديد وأعمار المسجد مرة أخرى إن مرت هذه المحنة بسلام، وتدور الأيام و يتولى لاجين عرش مصر، ولقب «بالمنصور»، وكان أول ما قام به هو الوفاء بنذره، فأعاد إعمار الجامع بعد خرابه بأكثر من 400 عام، وجعل فيه كتاب لتعليم الأطفال وزرع حوله البساتين، وأزال الخراب من حوله متكلفا مالا جما.

وفى القرن الثاني عشر الهجري كان هذا الجامع يستعمل كمصنع للأحزمة الصوفية، كما استعمل في منتصف القرن الثامن عشر ملجأ للعجزة ثم أتت لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1882، وأخذت في إصلاحه وترميمه، إلى أن كانت سنة 1918 حين أمر الملك فؤاد الأول بإعداد مشروع لإصلاحه إصلاحا شاملا، وتخلية ما حوله من الأبنية، راصدا لذلك 40 ألف جنيه، أنفقت في تقويم ما تداعى من بنائه، وتجديد السقف. أما آخر محاولة تم فيها ترميم المسجد فكانت في نهاية التسعينات حيث قامت وزارة الثقافة المصرية بترميم زخارفه وافتتاحه في عام 2005 كواحد من بين 38 مسجدا تم ترميمها ضمن مشروع القاهرة التاريخي، وقد أعلنت وزارة الثقافة أن إعادة ترميم الجامع تجاوزت تكلفتها 12 مليون جنيه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال