الاربعـاء 03 ذو القعـدة 1428 هـ 14 نوفمبر 2007 العدد 10578
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

موستار.. مدينة الأسرار في زمن البوح

الجامع الصخري في منطقة موستار بالبوسنة
سراييفو: عبد الباقي خليفة
موستار.. من لم يسمع بهذا الاسم ؟!، من لم يزر المدينة التي لاحقت وتلقى اهتماما عالميا منذ عدة سنوات، على الصعد السياحية والثقافية والسياسية.. موستار مدينة الأسرار في زمن البوح، كما يقولون، فهي لا تبعد سوى 25 كيلومترا عن البحر الادرياتيكي، مما جعل الكثيرين يتساءلون عن سر هذه المسافة ، قبل أسرارها الحضارية والثقافية والتاريخية الأخرى. وهي مسافة تثير التعجب إلى حد القلق. وقد تعددت التفسيرات التاريخية لذلك بين جعلها قريبة من التجمعات السكانية البوسنية الأخرى كيابلانيتسا مثلا، لتسهيل الدفاع عنها، وقد أثبتت الحرب الأخيرة قوة ذلك التفسير، وبين جعلها نموذجا للتعايش بين مختلف مكونات البوسنة الاثنية، وهو ما يحاول المجتمع الاهلي والدولي ارساءه بعد الحرب (1992 / 1995).

وتنقسم مدينة موستار إلى قسمين هما موستار الشرقية والغالبية العظمى من سكانها بوشناقا مسلمين وموستار الغربية وهي أحياء جديدة تمت إقامتها في الفترة اليوغسلافية وجلب إليها الكروات من أماكن مختلفة داخل كرواتيا والبوسنة. لكن الحركة السياحية متمركزة في موستار الشرقية. ولا يمكن زيارة موستار والاطلاع على معالمها التاريخية من دون زيارة نبع «بونا» وهو اسم النهر المتفجر من تحت الارض بمياهه الباردة صيفا والحارة شتاء ويستهلك منه 43 ألف متر مكعب في الثانية. وبجانب النبع الذي يعد معلما سياحيا توجد عديد المطاعم التي تقدم جميع أصناف الطعام ولا سيما المشويات، سواء كانت سمكا أو الستيك، أو لحم الخروف المشوي بالطريقة التقليدية وهي لف الذبيحة على الجمر الملتهب إلى حين نضوجها. وهي مطاعم منتشرة على طول المسافة بين سراييفو وموستار عبر كونيتس ويابلانيتسا. أما الطقس في موستار فهو شبيه بأجواء البحر الابيض المتوسط، ففي الشتاء تكون موستار ملجأ للفارين من زمهرير أشهر نوفمبر وديسمبر ويناير وفبراير وتكون قمة الجمال في مارس. فعندما تتكدس الثلوج في سراييفو التي يطلق عليها اسم ثلاجة أوروبا، تتمتع موستار بجو مشمس هادئ ولطيف في أغلب الاحيان، لذلك لا يسأم السياح والسكان أجواء الكآبة التي تنبعث مع الضباب أو استمرار تهاطل الثلوج والامطار، فهناك البديل موستار لمن مل التزحلق على هضاب سراييفو أومنحدرات بيهاتش. وقد زاد من اهتمام السياح بموستار الشرقية وضع جسرها التاريخي في يوليو 2005 على قائمة التراث الانساني من قبل اليونسكو. وهو جسر يحمل دلالات فلسفية مناقضة لفسلفة الجدران الكريهة المعبرة عن المقابر والانقطاع والكراهية والتقوقع والغيتوهات سواء للذات أو للآخر، بينما تعني الجسور التواصل والتفاهم والتعايش والحوار، بل والمودة. وتضم موستارأحياء عتيقة، ومساجد وتكايا وآثار إسلامية عريقة، كل هذا يشكل في نظر الجميع معالم تاريخية ذات أهمية حضارية وقيمة إنسانية كبيرة تستحق أن توضع على قائمة اليونيسكو. وقد عبر عن ذلك العضو السابق في مجلس الرئاسة البوسني سليمان تيهيتش بالقول إن «المعالم الحضارية لمدينة موستار كانت ولا تزال الروح المعنوية التي أعطت سكانها التسامح والرغبة في بناء مجتمع تعددي وحضارة أصيلة تعترف بالآخر» وأوضح أن الحرب في «موستار» ومحاولات تدمير هويتها الأصيلة كانت تهدف إلى إيجاد فصل قومي وديني وخنق الروح الحضارية والإنسانية العالية التي عاشتها وتعتز بها كمدينة مفتوحة يسود التسامح والتعاون والخير بين أهلها. وبعد مرور 11 سنة على هدم الجسر التاريخي من قبل الكروات شهدت مدينة موستار البوسنية في 23 يوليو (تموز) 2004 افتتاح جسرها التاريخي الذي يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر (سنة 1566 تحديداً) على يد المعماري الشهير خير الدين تلميذ المهند الاشهر سنان. وذلك بحضور2500 مدعو يمثلون 60 وفدا عالميا من القارات الخمس، بالإضافة لعشرات الآلاف من البوسنيين ولا سيما سكان مدينة موستار (120 كيلومتراً جنوب سراييفو).. والجسر القديم أو «ستاري موست» باللغة البوسنية، هو أحد المعالم التاريخية، ويمثل معلماً سياحياً يجذب إليه عشرات الآلاف من السياح سنوياً من داخل البوسنة وخارجها. الرئيس البوسني سليمان تيهيتش قال أثناء الافتتاح «العالم كله في موستار» وقال: «إعادة بناء الجسر القديم يعني الكثير، لقد مكن الملايين من معرفة البوسنة، وما يتم فيها من تقدم على طريق النصر والخير والسلام» وتابع «إعادة بناء جسر موستار انتصار للبوسنة، وفي المقام الأول لسكان موستار، وللتعايش المشترك». الحكومة والشعب البوسني احتفلوا على طريقتهم بالجسر والضيوف معاً. وغطى عملية الافتتاح أكثر من 500 وسيلة إعلام من مختلف أنحاء العالم. أما الشعب البوسني فقد احتفل بعملية إعادة بناء الجسر بمهرجان خاص استمر لمدة 10 أيام.. وجسرموستار ليس مجرد جسر، وأكثر من كونه رمزاً، فهو مأوى أفئدة الأدباء والشعراء في البوسنة الذين طالما تغنوا به، واستلهموا من هلاله ومياهه المنسابة بين مرفقيه روائعهم وإبداعاتهم عبر السنين. لقد مثلت عملية افتتاح جسر موستار حدثاً مهما على المستوى المحلي في موستار والبوسنة والعالم، إنها عملية تجديد للذاكرة بالنسبة للبوسنيين، واعتراف بالجريمة بالنسبة للكروات الذين هدموا الجسر في 9 نوفمبر 1993 رافضين بذلك فكرة السلام والتعايش واللقاء والحرية، فالجسر كان يرمز لذلك كله.

بالنسبة للبوسنيين يمثل الجسر تاريخاً عامراً بالمجد والصعود والانتصار، أما الكروات فكان يمثل بالنسبة لهم شاهداً على هوية الأرض، وممثلاً لطابع ثقافي متجذر في الأرض، يرفض مشروع كروتة موستار وفصلها عن البوسنة الأم، ولذلك هدموه بالقنابل والقصف المركز. وهاهو الجسر يتربع من جديد على نهر نيريتفا شامخاً في تحد، ساخراً من كل الذين حاولوا إلغاءه إلى الأبد، ومؤكداً أن التاريخ لا يموت. وأثناء افتتاح الجسر تم إطلاق 200 زوج من الحمام تعبيراً عن انتهاء زمن الإلحاق ومحاولات السيطرة، وإحلال السلام. وكان الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش قد صرح في 17 يونيو 1996 بأن الجسر رمز للعلاقة بين الشرق والغرب حيث قال رحمه الله «نحن نتفهم جميعاً، سواء أولئك الذين هدموا الجسر، أو نحن الذين نعيد بناءه بأنه رمز كبير للترابط بين عالمين، هما الشرق والغرب» وقد تلقف العالم رسالة بيجوفيتش، وأصبح يشار إلى الجسر بالفعل على أنه رمز للعلاقات الداخلية في البوسنة بين المكونات الإثنية، ورمز لعلاقات أكبر بين الشرق والغرب. وفي 28 من سبتمبر 1997 نقلت وسائل الإعلام الدولية عملية وضع حجر الأساس لإعادة بناء الجسر، وكان أول حجر وضع في أساس الجسر بوزن 5 أطنان. وفي 29 مارس 1998 زارت سفيرة اليونسكو الأميرة ماريا تريزا من لكسمبورج البوسنة حيث توجهت الى موستار وأعلنت عن استعداد اليونسكو للمساهمة في إعادة بناء الجسر كرمز للعلاقة بين الشرق والغرب. وفي 26 من يونيو 2002 زار الرئيس الإيطالي تشامبي موستار ووصف عملية هدم الجسر بـ «البربرية» و«هدم للتعدد الثقافي في أوروبا» وأعلن عن مساهمة إيطاليا في إعادة بنائه إلى جانب تركيا واليونسكو. وقد طاف مجسم للجسر بعدد من البلدان الغربية والشرقية من بينها كرواتيا وصربيا واليونان وتركيا بالإضافة إلى سراييفو قبل أن يستقر في متحف موستار. وفي 23 من يوليو 2004 احتفل العالم بإكمال عملية إعادة البناء. وإلى جانب رمزه الثقافي والسياسي يمثل جسر موستار أحد أهم معالم المدينة، ويحتوي على متحف يحكي تاريخه، ويضم أشرطة فيديو تروي لحظة بلحظة عملية هدمه من قبل الكروات بفعل القصف المركز صورها المصور البوسني نجاد قاسيموفيتش أثناء العدوان. وكان من بين من حضر حفل إعادة افتتاح الجسر الذي هدمه الكروات سنة 1993 كل من الأمير السعودي تركي بن محمد بن سعود، ولي عهد بريطانيا الامير تشارلز، ورؤساء ألبانيا وبلغاريا وكرواتيا وصربيا والجبل الأسود. قال الرئيس الكرواتي ستيبان ميسيتس إن موستار عادت مرة أخرى «رمزا للتعايش والتسامح والحب في العالم». أما وزير الخارجية الإيطالي الاسبق فرانكو فراتيني فقال إنه يأمل أن يؤدي تدشينه إلى المساعدة في تحقيق الاستقرار في غربي منطقة البلقان ويساعد الدول في المنطقة على الانضمام للاتحاد الأوروبي. واعتبر وزير الخارجية الفرنسي الاسبق ميشال بارنييه الذي شارك في الاحتفالات أن إعادة افتتاح جسر موستار القديم ترمز إلى «وعد سلام نهائي» في المنطقة. لقد أضحى الجسر رمزا للتسامح التاريخي في البوسنة والهرسك أمام تنوع سكانهما. وقد ارتفعت حركة السياحة بعد إعادة بناء الجسر مما عزز الاقتصاد المحلي. وكانت مدينة موستار التي دمرتها الحرب وتعرضت للتقسيم العرقي يزورها ما بين 20 ألف و25 ألف سائح سنويا لمشاهدة القوس المحطم للجسر التاريخي. وسجل نحو 300 ألف زيارة للسياحة عام 2004، و50 ألفا عام 2005، ووصل العدد إلى 750 ألفا بنهاية عام 2006 ويقدر عدد من زار موستار حتى شهر يوليو 2007 بأكثر من مليون سائح. وتعتبر السياحة بمثابة الحافز لإنشاءات أخرى، وافتتاح فنادق جديدة ومطاعم وغير ذلك من الأعمال في موستار وضواحيها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال