الاحـد 11 ربيـع الثانـى 1428 هـ 29 ابريل 2007 العدد 10379
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الزهاوي الظريف

خالد القشطيني

نحن نعرف جميل صدقي الزهاوي كشاعر وفيلسوف. قلما نعرفه كظريف. له حكايات وطرائف كثيرة شهدها المقهى المعروف باسمه، مقهى الزهاوي في شارع السراي. لم يكن هذا المقهى يعرف بهذا الاسم، وإنما باسم قهوة أمين. دعاه يوما نوري السعيد للالتقاء به. سأله الزهاوي، وين نلتقي. قال له رئيس الوزراء في قهوة أمين. التقيا هناك. رئيس الحكومة والشاعر الفيلسوف. ليس فيها من متاع الدنيا غير بضع مصطبات وكراسي قديمة وفونوغراف أبو الزمبرك. تصوروا رئيس الحكومة يجتمع في مثل هذه المقهى.

مع ذلك، أعجب الزهاوي به فاتخذه مقاما له. وسرعان ما تحول الى وكر للأدباء والمفكرين. كان بينهم الرصافي. وكما ذكرت في مناسبة سابقة كان بينهما ما صنع الحداد. وإن كنت لا ادري ماذا صنع الحداد. انطلق الرصافي في إنشاد قصيدة طويلة، فأخذ الزهاوي يتضايق منها ومن صاحبها. جلس يتربص لفكرة يعمل فيها مقلبا عليه. حتى ظهر صبي يبيع الحب. فقاطع الزهاوي زميله الرصافي متوجها الى بياع الحب، «يا ولد عندك قميص شبابي على كدي؟». استغرق الحاضرون بالضحك. وضاعت القصيدة على الرصافي فخرج غاضبا ولم يعد الى ذلك المقهى قط. وعندئذ تربع الزهاوي في جلسته وقد نصب من نفسه أميرا على المقهى.

ذهب الرصافي، واذا بمحله يأخذه شاعر نابغ آخر تعرفونه: محمد مهدي الجواهري. انطلق الجواهري يتلو شيئا من شعره هو الآخر حتى قاطعه الفيلسوف: «افندم تتراهن؟». استغرب الشاعر الشاب، كان عمره سبعا وعشرين سنة، من هذا السؤال.

أعاد الكرة: «نتراهن على أي شيء أستاذ؟».

ـ «على ان اقطع نفسي وانت تقطع نفسك، وخلي نشوف منو يخلص نفسه بالأول!».

يقول المثل: «ديكين على مزبلة واحدة ما يعيشون». كان الأفضل ان يقال شاعران في مقهى واحدة لا يعيشان.

بيد ان الزهاوي لم يكن بخيلا في الواقع، أو حريصا على الآنة، أجرة المقهى. بل كان المعتاد له عندما يهم بالانصراف أن ينادي على الخادم ويدفع على الجالسين ممن يحبهم ويستثني من الدفع من لا يحبهم، أو من أغضبوه وعاكسوه في جلسة ذلك اليوم. لا. هذا اخذ حسابك منه! يقول للخادم ويشير بأصابعه الى من أغضبه.

وهناك كان ينفث أفكاره الفلسفية في شتى العلوم، الداروينية وأصل الانسان، وجاذبية الأرض ونحو ذلك.

فيما كان يوما محلقا بأفكاره هذه، اقتحم المقهى رجل يتطاير الغضب من عينيه، وتوجه فورا الى الزهاوي. فسبه وقال: تنكر خلقة الخالق؟ تقول اصل الإنسان قرد! آني أبويه قرد؟!

مسك به الزهاوي وقال له: لا، ابني. أنا ما قلت أبوك انت كان قرد. حاشا. أنا قلت، ومسك ذقنه بيده وقال: أنا قلت، آني أبويه كان قرد!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال