السبـت 07 جمـادى الثانى 1428 هـ 23 يونيو 2007 العدد 10434
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مقاهي «الشيشة» في لندن.. هل تلفظ أنفاسها الأخيرة؟

حظر التدخين في العاصمة البريطانية خلال أسبوع.. قرار يريح كثيرين و«يخنق» آخرين

لندن: فيصل عباس
ابتداء من الأول من شهر يوليو، أي بعد اسبوع واحد وحسب من الآن، يصبح التدخين ممنوعا بشكل نهائي داخل كافة الأماكن المغلقة والعامة تقريبا في العاصمة البريطانية لندن. ومما لا شك فيه ان مثل هذا القرار يعد انتصارا لأعداء التدخين وتتويجا لجهود استمرت سنوات طويلة في مكافحة هذه العادة، ومما لا شك فيه أيضا ان تطبيقه سيكون مزعجا للمعتادين على التدخين، سيما ان السيجارة هي من «اساسيات» السهر في الحانات والنوادي الليلية اللندنية، كما انها «رفيقة» فنجان القهوة في مقاهي الكثيرين المفضلة. لكن الحظر الذي سيطبق ابتداء من السبت المقبل لا يقتصر على السجائر وحسب، فـ«التدخين» الذي سيمنع يشمل التبغ بكافة انواعه، وأي مادة أخرى كذلك، مما يعني ان «السيجار» و«الشيشة» (الأرجيلة) باتا أيضا على قائمة الممنوعات.

لذلك وفيما سيجعل هذا القرار البعض يتنفسون الصعداء، فإنه «سيخنق» الكثيرين من جهة أخرى بشكل او بآخر... ويبدو ذلك جليا لدى زيارة ما تعارف على كونه «شارع العرب» في لندن.. «إدجوار رود».

«الوضع سيكون مقبولا خلال الصيف لأنه يمكننا وضع طاولات وتقديم الشيشة على الرصيف» يقول ربيع حامد صاحب مقهى «كافيه لبنان» في شارع «ادجوار رود»، لكنه يضيف «إلا ان ذلك سيجعلنا نخسر الكثير لأننا محصورون بتقديم الشيشة في الخارج فقط، والمساحة التي يمكننا استخدامها محدودة».

وبعكس الحانات والنوادي الليلية التي تعتمد في أرباحها اساسا على بيع المشروبات الكحولية للساهرين بأسعار مرتفعة (واحيانا تفرض رسوم «دخول») مما يعني ان منع التدخين لن يؤثر على مصدر دخلها الرئيسي، فإن الكثير من المقاهي العربية تعتمد بشكل كبير على بيع «الشيشة» لمرتاديها كمصدر لدخلها... عدد كبير من هذه المقاهي لا يقدم الكحول، وكثيرون من العرب الزائرين والمقيمين يرتادونها اساسا لأنها تقدم بديلا مقبولا عن النوادي الليلية كمكان لتمضية سهرة مع الأصدقاء. اللافت هو انه حتى النوادي الليلية التي لا يعتبر فيها بيع السجائر مصدرا اساسيا للدخل لم تدع القرار يمر بدون تسجيل اعتراض عليه، وآخر الغيث في هذا السياق هو اعلان رجل الأعمال دايف وست، صاحب احد ابرز نوادي رقص التعري في لندن، عن تعيينه لتشيري بلير، زوجة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يغادر منصبه خلال أيام، كممثلته القانونية في الدعوى التي يقيمنها على اساس ان قانون الحظر يمثل اعتداء على حقوق موظفيه ورواد محله. واعتبر وست ان القرار لم «يترك مجالا للمراوغة»، داعيا اصحاب النوادي الليلية الى دعمه في تحدي الحظر ومضيفا «سأغرم 2500 جنيه استرليني كلما تم الاخلال بالقرار .. والطريقة الوحيدة التي سيتمكن من خلالها الساهرون من التدخين هي بالخروج الى الرصيف مما قد يترتب عليه مشاكل مع الشرطة اذا ما تسببت ذلك في ازعاج او ضوضاء». وبالعودة الى مقاهي «الشيشة»، فإنه على الرغم من أن بعضها يقدم المأكولات العربية، مثل الأطباق اللبنانية والمغربية، اضافة الى العصائر والمشروبات الغازية والشاي والقهوة، الا ان كل ذلك يمثل دخلا ثانويا بحكم ان غالبية الزوار يأتون اساسا لتدخين الشيشة، حيث يوضح ربيع حامد أن 65% من دخله كصاحب محل يأتي من بيع الشيشة. ويقول «يكلف تحضير رأس الشيشة الواحدة نحو 50 بنسا ونبيعها بـ 6 جنيهات، اذا فنسبة الربح فيها يفوق الـ 1000%». أما النتيجة المتوقعة لتنفيذ القرار فهي بديهية، انزعاج من قبل المقيمين في لندن من «عشاق» الشيشة اضافة الى أنها «مفاجأة» سلبية للسياح الذين بدأوا يتوافدون على العاصمة البريطانية مع بداية موسم الاصطياف لهذه السنة... وفوق ذلك خسائر كبيرة لأصحاب المقاهي، الذين قد يلجأ بعضهم الى تسريح عدد من العاملين لديهم، أو حتى اغلاق محله تماما في أسوأ الأحوال. الجدير بالذكر هو أن قرار الحظر لم يكن وليد اللحظة بل تم الاعلان عنه منذ اكثر من عام، وهو من المواضيع التي تطرق باستمرار في الاعلام المحلي ببريطانيا، وبالتالي فإن متسعا من الوقت كان متوفرا لأصحاب محلات الشيشة للتحرك ضد مشروع الحظر، فلماذا اذا لم يتحركوا أو انهم تحركوا، ولم ينجحوا في الحصول على استثناء؟

يقول ربيع حامد انه تقدم عن نفسه باحتجاج، باعتبار ان القرار سيضر بمصلحته حتما، الى ذلك فهناك حملة نظمتها «رابطة ادجوار رود» تحت عنوان «أنقذوا الشيشة»، ويمكن للمعترضين على شمل مقاهي الشيشة ضمن الحظر الانضمام الى قائمة الحملة او تسجيل اعتراض إلكتروني من خلال الموقع الالكتروني www.savetheshishacampaign.com ، إلا أن اللافت هو ان كارولين عباسي ـ لاركي، وهي متحدثة باسم وزارة الصحة البريطانية تفيد بأن «الوزارة نشرت مقترحات بشأن تعليمات منع التدخين التي شُملت تحت قانون الحظر في يوليو الماضي (أي منذ عام كامل)، وقد تم ارسال هذه الاستشارة الى رابطة ادجوار رود وشبكة الصحة الاسلامية، الا ان الهيئتين لم تردا». وتضيف كارولين «تمت دراسة القانون بحرص من قبل البرلمان، وتمت مناقشة كون تدخين الشيشة بشكل خاص في مجلس اللوردات في 9 مايو 2006، وخلال تلك الجلسة تم النظر بشكل خاص الى آراء رابطة ادجوار رود».

وبخصوص التأثير السلبي على مداخيل اصحاب المقاهي، تقول كارولين «يتعامل اصحاب الاعمال مع القرار بطرق مختلفة، نعلم ان كثيرا منهم تعامل مع القرار على انه فرصة تجارية، وبالتالي قاموا بتنويع الخدمات التي يقدمونها. وعلى سبيل المثال، فإن 40 من بين الـ 45 محلا الذي يقدم الشيشة في منطقة ويستمنستر مسجلة كمطاعم». إلا أن ربيع حامد يقول، إن ذلك الخيار لا يناسب الكثير من اصحاب المقاهي، ويضيف «لدي زملاء يقرون بأنهم لا يستطيعون تقديم مأكولات على مستوى جيد، وتوظيف شيف مناسب سيكلفهم الكثير، كما اننا في شارع ادجوار رود محاصرون بالمطاعم، ولا نستطيع المنافسة».

لكن الخلاصة هي ان أيا من المساعي التي بذلت لم تنجح حتى الآن في الحصول على استثناء لمقاهي الشيشة، لأن «الحكومة تؤمن بأن إبقاء هذه المقاهي ضمن الحظر يساهم في الوصول الى أهداف القرار» بحسب ما تقول كارولين. والآن، عكف بعض اصحاب هذه المحلات على التفكير في حلول، ولعل الحل الأمثل في نظر البعض هو تركيب نظام تهوية خاص ينقي الجو، لكن ذلك الخيار مرفوض من قبل وزارة الصحة، حيث تقول كارولين «الأدلة تثبت ان نظام التهوية ليس حلا قادرا على ازالة المخاطر الصحية المتعلقة بتدخين الدرجة الثانية (استنشاق غير المدخنين للدخان)، حيث نعلم ان 85% من الدخان هو غير مرئي وبلا رائحة». كما يبدو أن «الشيشة» تحديدا ليست ذات شعبية على الاطلاق في الأوساط الطبية، فبحسب ما تقول متحدثة باسم حملة «انجلترا خالية من التدخين» لـ«الشرق الأوسط» فإنه بحكم المدة التي يمضيها الشخص في تدخين الشيشة (بين 40 و 45 دقيقة) مقارنة بالمدة التي يتطلبها تدخين سيجارة (5 إلى 10 دقائق) فإن دراسة لـ«مؤسسة الرئة الأميركية» أفادت في فبراير الماضي بأن مدخن الشيشة قد يدخن ما يوازي 100 سيجارة أو اكثر في جلسة واحدة.

وتضيف المتحدثة بأن منظمة الصحة الدولية أوصت في تقرير صادر عام 2005 بأن يتم حظر الشيشة في الأماكن العامة بموازاة منع السجائر وأصناف التبغ الاخرى، ويمكن الحصول على معلومات مختلفة حول التدخين والقوانين الجديدة عبر زيارة www.smokefreeengland.co.uk وهو الموقع الالكتروني للحملة. من جهة ثانية يقول حامد «ثمة قضية أخرى، وهي متعلقة بمسألة الثقافة، فالشيشة جزء من ثقافة الجالية العربية الوافدة الى لندن»، ويضيف «وبالتالي فإن القرار يسلب البعض من ما يعتبرونه جزءا من ثقافتهم لا بديل له، لكونه من المستحيل على كثيرين السهر في حانة او ناد ليلي وذلك لأسباب دينية». ويعتقد حامد ان الحظر سيفشل في نهاية الأمر، لكونه يترتب عليه عواقب عدة سيما ان اضطرت عدة محلات الى الاقفال (والتوقف عن دفع الضريبة) وتسريح الموظفين، متوقعا (أو آملا) ان يحل الأمر لاحقا باستحداث «رخصة تبغ»، بحيث تدفع المحلات رسوما معينة مقابل رخصة تسمح لهم ببيع التبغ على ان لا يدخل المحل او يعمل فيه احد من غير المدخنين. اذا فلا حل حاليا امام اصحاب المقاهي وروادها سوى الرضوخ للقوانين، الأمر الذي سيترتب عليه ازدحام شديد على المقاهي التي لديها اماكن خارجية تسمح بالتدخين، مما يعني انه على الزوار حجز اماكنهم باكرا... وعلى الجميع الاعتماد في هذا الصيف على طقس لندن الذي لا يمكن معرفة متى قد «يغدر» بك، أما حين يحل الشتاء.. فيبدو أن «مدينة الضباب» ستخلو حقا من دخان «المعسل».

* آفة التدخين عالمياً ... إحصاءات وآفاق

* قدرت «منظمة الصحة العالمية» في تقرير لها صادر بمطلع عام 2006 عدد المدخنين في العالم بنحو 1.3 مليار شخص غالبيتهم (نحو مليار) من الرجال. ويشكل هذا الرقم ما نسبته ثلث سكان العالم ممن تجاوزوا سن الخامسة عشرة. ومع الأخذ في الاعتبار الوعي الصحي والحرص الحكومي في الدول المتقدمة على التضييق على عادة التدخين، ولاسيما السجائر، من الملاحظ ـ حسب التقرير ـ أن 84% من المدخنين اليوم أي نحو مليار شخص هم من سكان دول «العالم الثالث».

في الصين وحدها، وفق التقرير، يوجد ما يقرب من 350 مدخنا (نسبة الرجال بينهم 60%) وهذا الرقم أكبر من مجموع سكان الولايات المتحدة. وعالمياً تشير التقديرات الى أنه إذا استمرت الاتجاهات والمعطيات الحالية للإقبال على التدخين وبالذات بين الصغار يتوقع ارتفاع عدد المدخنين إلى 1.9 مليار، (الرقم الحالي 1.3 مدخن) يستهلكون أكثر من 9 تريليون (التريليون يساوي ألف مليار) سيجارة بحلول عام 2025.

هذا، وتتوقع الدراسات أن يصبح التبغ أكبر مسبب في العالم للوفيات بحلول عام 2030 ، إذ من المحسوب أن يموت 10 ملايين نسمة سنوياً بأمراض متصلة مباشرة بالسجائر، منها 3 ملايين في دول العالم المتقدم و7 ملايين في «العالم الثالث». ومما يجدر ذكره أن المعطيات الإحصائية والعلمية تقدّر أن التدخين مسؤول وحده عن نسبة 21% من الوفيات بالسرطان في عموم دول العالم.

من ناحية ثانية، وفي ما يخص صناعة التبغ والسجائر، تفيد الإحصائيات بأن مدخني العالم يستهلكون يومياً أكثر من 15 مليار سيجارة. ومجدداً تتبوأ الصين مكانة مميزة في ميدان صناعة السجائر، إذ تعد «مؤسسة التبغ الصينية الوطنية» ـ التي تملكها الدولة ـ أكبر صانع للسجائر في العالم حيث يغطي إنتاجها ثلث حجم السوق العالمية. بل يعادل إنتاج الصين وحدها من السجائر مجموع إنتاج الدول التسع التي تليها في قائمة أكبر الدول المنتجة.

وهنا، فمن الجدير بالذكر، أن التبغ يزرع اليوم في أكثر من 125 دولة ثلاثة أرباعها من دول «العالم الثالث». وقد انتقل إلى هذه الدول، من الدول المتقدمة، مركز الثقل سواء في مجال الإنتاج أو الاستهلاك خلال العقود الأخيرة.

ففي حين يتراجع عدد المدخنين في دول أوروبا الشمالية والغربية وأميركا الشمالية فإنه يرتفع وينمو في أوروبا الشرقية ـ ولاسيما روسيا وبلغاريا ـ، ومناطق «الشرق الأقصى وجنوب آسيا وحوض المحيط الهادئ» و«أميركا اللاتينية» و«الشرق الأوسط والعالم العربي» و«إفريقيا». وتسجل منطقة «الشرق الأقصى وجنوب حوض المحيط الهادئ» أسرع نسبة نمو لسوق السجائر في العالم، وفيها أربع دول لديها أسرع نسب نمو محلياً، هي ماليزيا وإندونيسيا وباكستان وفيتنام. وفي ما يلي قائمة تعود إلى عام 2004 لأكبر الدول المنتجة للسجائر في العالم:

1 ـ الصين ....................... 2.013.735 طنا (35.1% من الإنتاج العالمي) 2 ـ البرازيل ..................................................... 757.075 طنا 3 ـ الهند ........................................................ 598.000 طنا 4 ـ الولايات المتحدة ......................................... 357.612 طنا

* وحدة أبحاث «الشرق الأوسط»

التعليــقــــات
سعيد كامل، «فرنسا ميتروبولتان»، 23/06/2007
على الرغم من أنني عربي، إلا أني أدعم إغلاق هذه المقاهي نهائياً ومن الدرجة الأولى. وأدعم بأن يكون هناك هيئة رقابة تراقب المطاعم والمقاهي في شارع العرب وما أشبه إليه من حيث الطعام والتسعير وحتى الأخلاق.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال