الجمعـة 27 جمـادى الثانى 1428 هـ 13 يوليو 2007 العدد 10454
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نوريلسك الروسية: أسوأ مدن العالم تستثمر تلوثها في إنتاج النيكل

محاطة بأشجار ميتة وتتساقط عليها أمطار حمضية

لمدة خمسين عاما ظل يهبط على مدينة نوريلسك الروسية غبار أسود من المعادن وأغلبه من النيكل (نيوريوك تايمز)
نوريلسك (روسيا): اندرو كريمر *
تمتلك هذه المدينة المتهالكة أسوأ نوعية هواء في العالم. فهي محاطة حتى الأفق بأشجار ميتة وتتساقط عليها أمطار حمضية سامة. لكن بالنسبة لفلاديمير ستراتيف فإن الضباب المؤذي للعين هو رحمة صرف، فهو يعمل عامل مناجم ويشارك في تلويث الهواء. وبالنسبة إليه فإن نوريلسك هي أشبه بالأم الغنية بالعروق المعدنية.

وتنتج المصاهر هنا خمس الإنتاج العالمي من النيكل وهو عنصر أساسي في إنتاج الفولاذ غير القابل للصدأ بينما يتم استخراج 1.9 مليون طن من ثاني أوكسيد الكبريت سنويا وهي أكثر مما ينتج في كل فرنسا. كذلك ينتج هنا ما يقرب من 10800 طن من الدقائق المعدنية.

ولمدة خمسين عاما ظل يهبط على المدينة غبار أسود من المعادن وأغلبه من النيكل لكن هناك بعضا من دقائق النحاس والكوبالت أيضا. وعند ذوبان الثلوج في الربيع يدخل هذا السخام في البحيرات والأنهار حيث يستقر في القاع متراكما بشكل تدريجي إلى ارتفاع 3 إلى 5 اقدام.

ومع تلمس وجود فرصة «للبزنس» جلب مسؤولو بعض المصانع متعاقدا هو بوليغون، لاستخراج المعادن من إحدى هذه الرواسب المعروفة باسم «مصادر التكنوجينيك لخامات المعادن».

وقال ستراتيف، المشرف على فريق من عمال المنجم يستخدمون شبكة وجرافة لاستخراج الرواسب السوداء الغنية بالنيكل الذي كان في الهواء قبل سقوطه إلى المياه، وهو يجمعها من بحيرة كبيرة يعيدها إلى المصنع الذي جاءت منه أولا، «يجب أن يصنعوا تماثيل لنا. نحن نحل مشكلة بيئية».

وفي المصنع يتم رفع الرواسب إلى مصاهر ثم تمزج مع خامات لتحويلها إلى نيكل صاف ومعادن أخرى، بما فيها البلاتينيوم والبالاديوم. ويباع النيكل أكثر لصانعي الفولاذ لإنتاج رقائق قليلة الالتماع التي تستخدم حاليا في صناعة أدوات المطبخ. ومن المفارقة أن البالاديوم يستخدم في المحولات التحفيزية لتقليل التلوث في الهواء.

وإذا كانت اوكسيدات النيكل الخام والأملاح معا تسبب في الإصابة بالسرطان فإنها غالية الثمن أيضا. ويبلغ سعر النيكل في سوق بورصة المعادن بلندن حوالي 36 ألف دولار للطن.

وخلال اعوام وأعوام ظلت المصاهر تقذف آلاف الأطنان من غبار النيكل، ففي عام 1995 وصلت الكمية إلى 1280 طنا قبل أن يقدم أصحاب المناجم بعض الوسائل للسيطرة على بعث هذا الغبار وساعد على هبوطه إلى 800 طن سنويا. مع ذلك فإن سعر هذه الكمية المخفضة من الغبار اليوم يصل إلى 30 مليون دولار.

ويخطط المصنع لتخفيض كمية ما يقذف إلى الهواء بحيث يتماشى مع المعايير الروسية قبل انتهاء عام 2015 حسبما قال يفجيني رومانوف نائب مدير المصنع.

في الوقت نفسه فإن استمرار التلوث في هذه المدينة جعل معهد بلاكسميث في نيويورك المعني بالبيئة يعتبرها واحدة من أكثر عشر مدن من حيث درجة التلوث على المستوى العالمي. وفي أحد المصانع يقوم كناسوه بتنظيف مآرب السيارات ثم يعيدون ما يجمعوه إلى المصاهر. وحسب تقييم مركز مقره في أوسلو يدعى «برنامج الإشراف والتقييم القطبي» فإن هناك جملة من الأمراض يعاني منها سكان روسيا القطبية مثل ارتفاع نسب الإصابة بسرطان الرئة والحساسية والإصابة بمرض جلدي اسمه «اكزما النيكل» ووجدت نسب عالية من النيكل في بول الأطفال.

مع ذلك فإن التأثيرات على الصحة العامة في روسيا تظل لغزا لأن السلطات لا تسمح أبدا بإجراء أي تحليل تفصيلي، حسب الدراسة النرويجية، وهو جزء من تراث الاتحاد السوفياتي في التكتم عن مخاطر الصحة العامة الناجمة عن البيئة.

ومن جملة آثار النسبة العالية من الملوثات في الهواء انخفاض درجة تجمد الماء بطريقة مشابهة لرمي الملح في الشوارع لتخفيض درجة تجمد الماء، وقال كريموف العضو في بلدية نوريلسك إن هناك 70 من كل 1000 بناية في نوريلسك تم هجرها.

من جانب آخر دمر إطلاق ثاني أوكسيد الكبريت 1.2 مليون فدان من الغابات المحيطة بالمدينة، وفي رحلة بالسيارة لهذه المناطق كان يمكن مشاهدة جذوع أشجار عملاقة ميتة، غارقة في ضباب مخيف من ثاني أوكسيد الكبريت، والمسافرون يبدأون بإغلاق نوافذ سياراتهم لا شعوريا وهم يتجاوزون هذه المنطقة المدمرة.

وقال الكسندر كورلوف نائب رئيس المهندسين في المصنع إن العمل المضاد للتلوث بدأ قبل خمس سنوات «إنها عملية على طول أيام السنة. بركة الماء ما عادت تجمد» بسبب المواد الكيماوية وتيار الهواء الدافئ المنبعث من المصنع.

أما الأطفال فيغطسون في البركة في ايام الصيف الحارة، على الرغم من الجهود المبذولة لإبعادهم عنها، حسبما قال ستراتيف «أنا أقول لهم: لا تستطيعون السباحة هنا إنها بحيرة مملوءة بالمعادن الثقيلة». وقبل 4 سنوات غرق صبي وتطلب العثور على جثته وسط الرواسب أياما عديدة من البحث.

وقال ستراتيف إنه يعرف الكثير من الأماكن في البلدة حيث من المحتمل أن يكون في مقدوره العمل على عروق غنية بالتلوث. وأضاف: «قد يكون بإمكانهم أن يضعوني في مصهر ويذيبوني أيضا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال