الاثنيـن 01 رجـب 1428 هـ 16 يوليو 2007 العدد 10457
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

قرية الصيادين بحي «المكس».. فينيسيا الإسكندرية المنسية

لوحة فنية تبدأ من بحيرة مريوط وتنتهي في البحر المتوسط

قرية الصيادين في حي «المكس»
الإسكندرية: داليا عاصم
بيوت صغيرة ملونة الجدران تتناثر على ضفتي مجرى ترعة الخندق الممتدة من بحيرة مريوط الى البحر الأبيض المتوسط، ترابض أمامها قوارب خشبية وزوارق، في مشهد ساحر لا يتوافر إلا في تلك المنطقة التي تعرف بحي «المكس» الواقع في غرب عروس البحر الابيض المتوسط، ويطلق عليها اسم «قرية الصيادين»، التي تقع على الجانب الأيسر من الطريق الى منطقة العجمي، التي كانت تعد في ما مضى واحدا من مصائف الطبقة الثرية في مصر. يمر على قرية الصيادين في كل يوم مئات المسافرين والمصطافين، الا ان احداً منهم لا يلتفت اليها، على الرغم من نجاحها في جذب أنظار بعض من نجوم الطرب اليها لتصوير كليباتهم الغنائية فيها، ومن هؤلاء هاني شاكر وحنان ماضي وشاهيناز. الطابع الشعبي هو السمة الرئيسية للمكان، الذي لا يعرف على وجه اليقين تاريخ ظهوره للحياة. ويحترف معظم قاطنيه حرفة صيد الاسماك عبر قوارب صغيرة يتوارثونها من جيل الى آخر. بينما تمتد منازلهم على مسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر، وتتميز بنسق معماري بدائي يأخذ شكل المدرج، بحيث ترى كل البيوت مياه البحر بلا فواصل. ولعل أهم المشاهد المميزة في تلك المنطقة، هو تجمعات الصيادين على القوارب لحياكة الشباك وتجهيزها للصيد في حميمية قد لا تراها في مكان آخر، وتفرضها عليهم طبيعة المكان وطبيعة مهنتهم التي تقوم على تعاون الجميع. تبدأ الحياة هنا في الساعات الاولى لبزوغ الشمس، حيث يسرع الجميع الى المراكب للقيام بعملية الصيد. ومع بداية الظهيرة تهل بشائر الخير مع مراكب الصيادين العائدة بما جاد البحر به من اسماك. فيسرع الجميع الى بيع السمك في السوق ويذهبون بعدها لتناول غدائهم على قواربهم في مجموعات. ويكون السمر في المساء والحديث عن شؤون البيع والصيد والابناء ليتفرقوا بعدها استعداداً لمعاودة الكرة مع فجر اليوم التالي. عم أحمد البطل، هذا هو اسم شهرته، أما اسمه الحقيقي فهو عادل مرسي، 60 سنة، ويعتبر أشهر صياد في المنطقة. أما سر تسميته بالبطل فيعود الى قدرته على الذهاب بقاربه الى أماكن بعيده لا يذهب اليها أحد. الا أن الحال الان لم يعد كما كان في الماضي، على حد قول عم أحمد، بعد تناقص كمية الاسماك المتاحة في البحر. ولكن الجميع راض بما يجود به الرزاق من حصيلة الاسماك في كل يوم. وبعيداً عن عالم عم أحمد وقاربه، يوجد في القرية الان عدد من الشباب المصري، الذي يعمل متطوعاً مع شباب من جنسيات مختلفة، من بينها كوريا واليابان وبعض الدول الأوروبية ويتبعون مؤسسة «جدران للتنمية»، التي تنظم معسكرات فنية بمشاركة دائرة تنمية الشباب في فلسطين بالقدس الشرقية والخليل والعديد من المؤسسات الدولية. الجميع يعيد طلاء ورسم جدران المنازل وتزيينها بشكل يؤكد قدرة الفنون على فتح باب الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة. ويلخص عبد الله ضيف، منسق برامج بالمؤسسة، تجربة الفريق مع أهالي القرية قائلا: «نعمل تحت شعار الفن مدخل للتنمية، فنحاول دفع مجتمع قرية الصيادين للأفضل، من دون أن نغير من طبيعة حياة سكانها. نتحدث معهم ونسمع مشكلاتهم، وقد أظهروا الكثير من التجاوب معنا في الكثير من الامور. وعلى الرغم من جمال المكان الا أن الحياة ليست دائما حلوة في قرية الصيادين، ففي الشتاء تتعرض بعض المنازل للانهيار وتساقط سطوحها بسبب تهالكها. ولهذا نعمل مع أهل القرية على حل هذه المشكلة من خلال إعادة بناء بعض المنازل وتجديد دعائمها وبناء ارصفة على جانبي الترعة لمكافحة النحر وحماية الاطفال من السقوط فيها.

سكان قرية الصيادين يعيشون الحياة برضا من دون التفكير في ترك المكان أو هجره، ولهذا يرفضون حتى مجرد الحديث عن فكرة كانت قد طرحت منذ سنوات، ويتم بمقتضاها إزالة القرية بهدف تطوير ميناء الاسكندرية وربطه بمنطقة الدخيلة. وهو ما يشدد عليه أحد السكان ويدعي «بَيّض زغلول» من استحالة توافق الصيادين وتكيفهم في أي بيئة أخرى غير موقعهم الذي عاشوا فيه. ويضيف: ربما تفتقر منازلنا للكثير من مقومات الحياة العصرية، الا أنها باتت جزءاً منا ونحن جزءا منها. فنحن لا نريد قصوراً أو مساكن فخمة، فقط نريد العيش في سلام في قريتنا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال