الثلاثـاء 30 رجـب 1428 هـ 14 اغسطس 2007 العدد 10486
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الحياة في عالم الخيال

في «حياة ثانية» مجتمعات سكانية وشركات وأعمال مزدهرة

لسكان العالم الافتراضي لـ«الحياة الثانية» توجد جميع مرافق الخدمات مثل المطاعم والفنادق
برندا بيتش التي تمتلك ارضا في «حياة ثانية» اختارت زوجا افتراضيا
دون آيزورث في منزله بكاليفورنيا والى اليمين شخصيته الافتراضية شيمون اوكس واقفا امام منزله الافتراضي
نيويورك: سيث كوغل
من سطح فيللا شيرمان أوكس ذات الطراز المكسيكي والواقعة على جرف عال، يمتد مشهد جزيرة جاليسكو التي يبلغ عدد سكانها حوالي 20 ألف نسمة. انه مشهد جذاب من أشجار النخيل والمروج والسماء الصافية. وهناك، بالطبع، الرمال المثالية المحيطة بالبحيرة حيث يستلقى السكان للاستمتاع بالشمس. والسيد أوكس في الحقيقة هو دون اينزويرث، معلم الموسيقى المتقاعد البالغ من العمر 57 عاما، والذي يعيش في فنتورا بولاية كاليفورنيا، وجاليسكو هي قطعة ارض افتراضية في «حياة ثانية» Second Life، أو العالم الافتراضي الذي قدمته شركة ليندن لاب في سان فرانسيسكو عام 2003.

ولكن الأمر ليس خيالي بالكامل. فالحياة في جاليسكو، حيث زيارات الجيران متكررة، تشبه الحياة في عالم واقعي. والكثير من المقيمين يعرفون من هم جيرانهم في الحياة الواقعية، وفي بعض الأحيان يتحدثون معهم من خلال الاتصالات الهاتفية عبر الانترنت. ويمكن لمئات الآلاف من مستخدمي الحياة الثانية القيام برحلات افتراضية بارادتهم، والتحول الى تنين على سبيل المثال ويغيرون جذريا مظهرهم عبر قليل من النقرات على فأرة الكومبيوتر. فقد شيد هؤلاء السكان مدنا وخلقوا خطوطا لانتاج الملابس ويبرمجون الشخصيات الافتراضية التي تمثلهم في الفضاء الثلاثي الأبعاد للحياة الثانية، لكي يركبوا الخيول ويمارسوا الرقص. وبعد بضعة اشهر من الرقص في النوادي الليلية، ولعبهم أدوارا في فيلم «سيد الخواتم» راحوا يستقرون: يشيدون البيوت الافتراضية، ويزرعون الحدائق، ويتسوقون الأثاث والأجهزة الإلكترونية ويقومون بأعمال الديكور. انهم يتحولون الى اشخاص جديين بشأن خلق بيوت خيالية.

ولا يحتفظ ليندن لاب بتسلسل لعدد البيوت التي شيدت عبر ما يزيد على 12 ألفا من عمليات التقليد في الحياة الثانية، أو عدد المستخدمين النظاميين الذين يمتلكون بيوتا او يعيشون فيها، ولكن من المؤكد أن العدد بالآلاف وفقا لما ذكرته كاترين سميث المتحدثة باسم الشركة التي تقول «من الصعب معرفة عدد المستخدمين في «حياة ثانية» بالضبط لان كل شخص يستطيع الدخول باكثر من شخصية. ورغم ذلك فقد استطاعت الشركة حصر حوالى 8.6 مستخدم منهم 1.6 مليون شخص من المستخدمين النشطين».

وتضيف سميث ان «وضع الاساسات مهم بالنسبة للمستخدمين ولذلك فهم يتجهون لبناء البيوت». وبالنسبة للبعض تعتبر هذه البيوت الافتراضية على الانترنت خيالات معمارية. والحقيقة ان الحياة الثانية لديه مجلته الخاصة، التي تحمل اسم (بريم بيرفكت) بتصميم البيوت التي ينشرها احد الأعضاء والتي تعرض بعض البيوت الرفيعة المستوى في العالم الافتراضي. ولكن بالنسبة لكثيرين آخرين، مثل معظم سكان جزيرة جاليسكو (التي سميت على اسم الولاية المكسيكية) يعتبر البيت قبل كل شيء مكانا للاسترخاء وتسلية الأصدقاء والتجريب في مجال الديكور.

وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي عندما قرر المخلوق الافتراضي لاينزويرث شراء منزل بعد أشهر من البحث. وقال في مقابلة معه في سطح منزله الافتراضي في جاليسكو مع دون كاميلو رودنبيرغ، الشخصية الافتراضية لكاتب هذا المقال، والذي شخص نفسه في المقابلات باعتباره كاتبا في صحيفة «نيويورك تايمز»، قال لاينزويرث «كنت أحوم حول «الحياة الثانية» ولم اهتم وقتها بانشاء مكان لي اطلق عليه بيت ولكن بعد فترة قصيرة بدا الأمر مثل فكرة جذابة».

وتمتلئ «حياة ثانية» بمختلف المناطق التي يمكن للشخص الاختيار منها لبناء بيته فهناك أكشا كيفز وهي منطقة صحراوية تحفل بالبيوت الفاخرة وهي ملك انشي تشونغ (الاسم الافتراضي لرجل الاعمال الصيني ايلين غريف الذي حصد الملايين من الدولارات عبر مشاريعه في «حياة ثانية»). هناك ايضا منطقة البندقية والتي تشبه الى حد ما المدينة الحقيقية تجاورها منطقة توسكاني الافتراضية.

ولكن آينزويرث استقر على منطقة جاليسكو فهو على معرفة بمخترعها روبي بيغونيا «السكان والاصدقاء في حي جاليسكو كانوا اهم عوامل الجذب بالنسبة لي» قال آينزويرث الذي اضاف انه يقضي ساعات طويلة في الليل في العالم الافتراضي بدلا من الجلوس امام التلفزيون.

وتتميز منطقة جاليسكو بالاسلوب المعماري المكسيكي الذي تصر عليه مخترعة المنطقة روبي بيغونيا (بريندا بيتش اسمها في الحقيقة) والتي اشترت الموقع من شركة ليندن لاب نظير 1200 دولار، وحصلت بالتالي على حق التحكم فيه وتحديد قوانينه فهي العمدة والمرشد السياحي في آن واحد. تمضي روبي حوالي 8 ساعات كل يوم في عالم «حياة ثانية» تفرض فيها القوانين وتقنع سكانها بالتزاور وايضا تساعدهم في بناء وتزيين منازلهم بالمجان.

تبلغ تكلفة شراء قطعة ارض في جاليسكو 55 الف دولار ليندن وهو ما يعادل في الحقيقة 200 دولار اميركي (يستطيع السكان معرفة اسعار العملات الحقيقية والافتراضية عبر ماكينات للصرف الآلي في «حياة ثانية»).

وتقول روبي في مقابلة هاتفية ان الجو اللطيف الذي تتمتع به جاليسكا يرجع لارتفاع اسعارها فالمبلغ المرتفع نسبيا يدفع السكان الى المشاركة في الحياة الاجتماعية في المنطقة. الاسعار في المناطق الاخرى اقل من جاليسكا ففي البندقية يبلغ ايجار شقة في الاسبوع دولاران اما في منطقة كيوبي فيمكن بناء منزل باقل من 20 دولارا.

أما بالنسبة للبيوت وللمفروشات فاسعارها منخفضة فيبلغ سعر طاولة مثلا دولار او اثنان، أما بيت آينزورث فبلغت تكلفته حوالي 1400 دولار ليندن وهو ما يساوي خمسة دولارات اميركية في حين بلغ سعر الاثاث عشرون دولارا اميركيا.

تتميز غرفة استقبال أينزويرث بنظافتها الشديدة ووضع فيها أثاثا اشتراه من مخزن الأثاث «تاون أند كونتري»، كذلك بنى بنفسه مستوقدا.

لكن الجزء الأكثر إثارة في بيته هو الفراغ المتوفر في الخارج حيث توجد ثلاث شرفات فسيحة مع حوض استحمام ساخن وأرضية للرقص ومشرب. ومثل معظم أرضيات الرقص في «الحياة الثانية» يمتلك أينزويرث «قاعات رقص» تدور وحالما يضغط المستخدمون على زر معين تبدأ المخلوقات الافتراضية بالتحرك. وفي «الحياة الثانية» لا يوجد راقصون سيئون.

وعلى الرغم من أن الكثير من الأشخاص يتعلمون تلك الخبرات فإن الاهتمام المتنامي بـ«الحياة الثانية» قد خلق سوقا لبيوت مسبقة الصنع مثل بناء أينزويرث الذي أنجز بواسطة معماريين ومقاولين متخصصين في المباني الافتراضية.

مع ذلك فإنه بالنسبة لأي شخص يمتلك ذائقة بسيطة يشكل تزيين البيت عملا سهلا. فهناك الاثاث والالكترونيات والأعمال الفنية والسلع الخاصة بالبستنة متوفرة كثيرا في المخازن.

وما زال الكثير من مصممي «الحياة الثانية» يشتغلون على الديكور. ففي العدد الأخير من مجلة «بريم برفكت» تم عرض «بيت أوداسان» وهو قصر كبير ذو نمط فني عال ويعود الفضل في ذلك إلى المخلوق الافتراضي تروي فوغل». وأظهر العدد شقة أنيقة في البندقية مع كنبات حمراء ووسائد مخططة بشكل مماثل لجلد الحمار الوحشي مع خشب معقد قامت بصفه ايزابيلا لازارنو من شركة «كلاسيك كريشنز».

كذلك وجد مصممو الاثاث الحقيقي طريقهم إلى «الحياة الثانية». فالمصمم الداخلي توماس وانغ من هاواي بدأ باستخدامها منذ عام 2004 كمكان لبناء نماذج لمشاريع تنتمي إلى العالم الحقيقي، لكنه بدأ يصمم الكثير من المشاريع الافتراضية عبر مخلوقه الافتراضي بيل ستيرلينغ.

كذلك بادرت هانا هيلز، 31 سنة، مديرة المبيعات التنفيذية من غلدفورد بانجلترا والتي تأمل أن تدخل عالم «الحياة الثانية» كمصممة داخلية وضعت إعلانات تجارية لتقديم خدمات تصميم ديكورات المنازل، وقالت معلقة: «إنه شيء كنت دائما منجذبة له في الحياة الحقيقية لكن لم تتوفر لي الفرصة يوما كي أضع هذه الرغبة موضع التطبيق».

وفي الوقت الحالي تعمل هانا عبر شخصيتها الافتراضية لمخلوقتها مرسيدس جورجيت على تصميم منزلها الافتراضي والذي يحتوي على حجرة نوم على مساحة دور باكمله وهناك ايضا الحديقة المصممة على الطريقة المغربية. واشترت جورجيت كل مفروشات منزلها واللوحات الفنية فيه من المحال المنتشرة في «حياة ثانية». ورغم ان منزلها الافتراضي مكتمل الا ان هانا ما زالت تعمل على تزيين منزلها، في الحقيقة فهي تجد الامور اكثر سهولة في العالم الافتراضي.

*خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال