الاثنيـن 06 ذو الحجـة 1428 هـ 17 ديسمبر 2007 العدد 10611
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

صلصة التاباسكو «الحرّاقة» أميركية المنشأ.. تنتجها شركة عائلية منذ عام 1868

رغم الجذور المكسيكية لاسمها

لندن: «الشرق الأوسط» *
تعرّضت ولاية تاباسكو الصغيرة في جنوب المكسيك قبل بضعة أسابيع لفيضانات مدمرة شردت مئات الألوف من السكان، وفرضت هذا الاسم نفسه على متابعي الأخبار في كل أنحاء العالم، مذكراً كثيرين ممن يهتمون بالطهو، ولا سيما الأطباق الحارة، بصلصة التاباسكو الشهيرة. المنشأ أميركي.. وليس مكسيكياً: الطريف أن صلصة التاباسكو لا علاقة فعلية لها بالمكسيك مع أن الاسم مأخوذ من الولاية المكسيكية، ذلك أن المنشأ الأصلي لفلفل التاباسكو الذي يشكل عنصراً أساسياً في صنع هذه الصلصة، ولايات الجنوب الأميركي وبالتحديد ولاية لويزيانا، حيث تصنع هذه الصلصة الحارة الشهيرة منذ عام 1868 شركة ماكيلهيني في جزيرة ايفيري آيلاند إلى الغرب من مدينة نيوأورليانز. وهذه الشركة عائلية ما زالت ملكيتها محصورة بـ125 من أفراد الجيل الخامس من العائلة كلهم تقريباً ورثوا حصصهم من ذويهم المتوفين أو حصلوا عليها من أقارب أحياء. ولكن عودة إلى الاسم. مصدر اسم هذه الصلصة الحارة هو المسمى العلمي لفصيلة الفلفليات التي يتبعها الصنف المستخدم فيها وهو «كابسيكوم فروتسكنز تاباسكو». ويقوم تصنيع الصلصة أساساً على خلط هذا الصنف من الفلفل مع الخل والملح وحفظ الخليط في براميل مصنوعة من خشب السنديان الأبيض لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يكسب الصلصة مذاقها الحار الحرّاق ونكهتها المميزة المرغوبة في مختلف أنحاء العالم. وصلصة التاباسكو اليوم تعد من أشهر الصلصات الحارة وأوسعها انتشاراً وبخاصة في الولايات المتحدة.

بداية الشركة: أطلق صلصة التاباسكو إدموند ماكيلهيني، المولود في ولاية ماريلاند بشمال شرق الولايات المتحدة عام 1815، لكنه انتقل عام 1840 إلى لويزيانا في أقصى الجنوب حيث عمل مصرفياً حتى جاءت الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) فقضت على مورد رزقه. وهنا تحول إلى تصنيع الصلصة الحارة متأثراً ومتشجعاً بتجربة كان قد سبقه إليها في هذه المضمار رجل أعمال من مدينة نيوأورليانز اسمه مونزيل وايت... وكذا بدأت قصة النجاح الأسطورية. أول محصول تجاري من فلفل التاباسكو انتجه ماكيلهيني في ايفيري آيلاند عام 1868، وباع أول صلصة مستخرجة منه في العام التالي 1869. وفي عام 1870 حصل ماكيلهيني على امتياز أو براءة ترخيص لإنتاجه الذي سوقه في زجاجات سعة 2 أونصة (57 ملليليترا) مغلقة فوهتها بسدة من الفلين، وعليها الشعار التجاري بشكل «معيّن» Rhombus شبيه جداً بالشكل الحالي للشعار. غير أن بداية أعمال التسويق اقتصرت على ولايات الجنوب الأميركية المطلة على ساحل خليج المكسيك، وكان الرواج الأكبر في مدينة نيوأورليانز بالذات. ولكن السوق اتسعت خلال بضع سنوات لتشمل معظم مدن الولايات المتحدة وولاياتها، وبنهاية عقد السبعينات من القرن التاسع عشر بدأ التصدير إلى الخارج ولا سيما أوروبا وإن بكميات محدودة. في عهدة العائلة : ماكيلهيني توفي عام 1890، وتولت عائلته تسيير أمور مؤسسته من بعده، فوسعت عمليات الإنتاج وحدثت أساليبه إلى درجة أن اسم صلصة التاباسكو صار على امتداد الولايات المتحدة وأوروبا ومناطق عدة من العالم، بما في ذلك الصين والهند وشمال إفريقيا وغربها، مرادفاً لصلصة الفلفل الحار الحرّاقة المذاق. والأمر الطريف الذي يستحق الذكر في هذا المجال أن المؤسس لم يرَ أن ابتكار صلصته الشهيرة إنجاز كبير من إنجازات حياته، إذ شطبه من قائمة ما يود أن يتذكره الناس به! خلال العقدين الأخيرين وزعت عملية زراعة فلفل التاباسكو على عدد من الشركات في دول أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، وذلك لضمان إنتاج أوفر على مدار السنة في أراض واسعة في أكثر من بلد، ويكون أقل تأثراً بتقلبات الطقس. لكن ايفيري آيلاند ما تزال مصدر البذور الأساسية في مستهل كل موسم إنتاج. العملية الإنتاجية: التزاماً بالتقاليد المعمول بها، يجمع العاملون بشركة ماكيلهيني المحصول من الفلفل يدوياً، وبذا يتيسر لهم التيقن من نضجه. ومن الأدوات المستخدمة في فحص الثمار عصا حمراء صغيرة أو «لو بوتي باتون روج» وهو اسمها الدارج بالفرنسية، علماً بأن ولاية لويزيانا، كانت قاعدة التوطن الفرنسي بجنوب أميركا الشمالية منذ القرن السابع عشر، وقد حملت اسم امبراطور فرنسا الملك لويس الرابع عشر. وعاصمتها حتى اليوم مدينة باتون روج... أي العصا الحمراء. الثمار التي تقطف يجب أن تتمتع بالأوصاف المطلوبة، ولا سيما، بالنسبة للون الذي لا بد أن يماثل لون العصا الحمراء. وعلى الأثر ينقل المحصول إلى المحطة التالية وهو المعمل في ايفيري آيلاند، وفيه يصار إلى هرس الثمار ويضاف إليها بعض الملح، ثم يوضع الفلفل المهروس المملح في براميل كبيرة من خشب السنديان الأبيض تغطى سدّاتها بكميات أكبر من الملح بحيث تكون عازلاً طبيعياً حافظاً، وهكذا يحفظ ويعتّق لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. بعد التعتيق يحوّل الفلفل المهروس إلى براميل خلط عملاقة يستوعب واحدها نحو ثلاثة آلاف رطل انجليزي منه وهنا تمزج هذه الكمية بـ1400 غالون من الخل، ويصار إلى فرز البذور والقشور، وتكون الحصيلة النهائية من كل برميل خلط 1600 غالون من الصلصة الشهيرة.

التسويق : اليوم تنتج الشركة أنواعاً جديدة من صلصة التاباسكو بينها: صلصة خضراء اللون تعتمد على فلفل الهالابينيو، وصلصة التشيبوتليه المدخنة، وصلصة الهابانيرو، وصلصة الثوم، وصلصات «الحلو والمطيّب» Sweet & Spicy، بجانب إنتاجها صلصة ووستر وصلصة التاباسكو بالصويا. وبطبيعة الحال تتفاوت درجة الحرارة المذاقية لهذه الصلصات على مقياس سكوفيل - المعتمد لقياس الحرارة الحراقيّة - لإرضاء مختلف الأذواق في كل الأسواق العالمية. وتتراوح درجة حرارة صلصة التاباسكو الحمراء التقليدية الشهيرة بين 2500 و5000 وحدة، مقابل ما بين 7000 و8000 لصلصة الهابانيرو الحرّاقة جداً. وفي المقابل، صلصة التشيبوتليه التي تضاف فيها مقادير من فلفل التشيبوتليه إلى الصلصة الأصلية أقل حرارة إذ تتراوح حرارتها بين 1200 و1800 وحدة، والأقل منها حرارة الهالابينيو و«الحلو والمطيّب».

وبما يخص استراتيجية التسويق والبيع تباع ماركة التاباسكو اليوم في أكثر من 160 دولة في العالم، ويلصق شعارها التجاري على زجاجاتها المميزة بـ22 لغة ولهجة، ويبلغ حجم الإنتاج اليومي منها نحو 720 ألف زجاجة سعة 2 أونصة (57 ملليليترا) تخرج من معمل ايفيري آيلاند. كذلك تباع الصلصة في زجاجات سعة 5 أونصة (150 ملليليترا) وفي جرار أكبر حجماً سعة غالون (3.8 ليتر) للمطاعم والمقاصف والفنادق. وتستعمل هذه الصلصة، التي يمكن حفظها في مكان جاف وبارد لمدة خمس سنوات تبقى خلالها صالحة للاستهلاك، مع أصناف متعددة من الأطعمة كالشطائر (السندويشات) والمعجنات وفطائر البيتزا والهامبرغر وعجة البيض والبطاطس المطهوة والمقلية.

هذا، وتصنع الشركة الصانعة مواد غذائية كثيرة تدخل في مكوناتها صلصة التاباسكو ومشتقاتها منها، على سبيل المثال لا الحصر، الزيتون المحفوظ والمكسرات على أنواعها وصلصة المايونيز وصلصة التيرياكي وصلصة شواء الباربكيو وصلصة الصويا والفُشار (الذرة المنفوشة المشوية) والمشروبات الخليطية.

مصادر أخرى لدخل العائلة وشركتها: يبقى القول، أن نشاط شركة ماكيلهيني، هذه الشركة العائلية الناجحة، لا يقتصر اليوم على صنع صلصة التاباسكو. ذلك أنه يشمل ضمن ما يشمل استخراج الملح الصخري، وضخ النفط والغاز الطبيعي، واستثمار «الحدائق الدغلية» Jungle Gardens في ايفيري آيلاند التي تمتد على مساحة 250 فداناً وتضم انواعاً عديدة من الأشجار والنباتات، كما تسرح فيها من الحيوانات البرية التماسيح والغزلان وحيوان الراكون اللاحم وتعشش في أشجارها وفوق نباتاتها المائية أصناف مختلفة من طيور المناطق المدارية والمستنقعات.

* وحدة أبحاث «الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال