الاربعـاء 12 رجـب 1429 هـ 16 يوليو 2008 العدد 10823
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

غلاسكو.. أقدم المدن البريطانية تتسلق السلم السياحي

محطة مثالية للتعرف على اسكوتلندا

أحد مراكز التسوق في «جورج سكوير» في وسط المدينة («الشرق الأوسط»)
غلاسكو: كمال قدورة
غلاسكو (Glasgow) من المدن البريطانية والاسكوتلندية الخاصة والمثيرة، فهي من اقدم المدن في البلاد واكثرها اناقة وترحابا. ولأنها منذ سنوات طويلة مدينة الطبقة المتوسطة والعاملة في اسكوتلندا، لا يضاهي ضجتها ضجة كل اسبوع، حيث تضم ناديي العدوين اللدودين في عالم كرة القدم: «رينجرز» و«سالتيك» اللذين يستقبلان اسبوعيا ما لا يقل عن 125 الف مشجع. ولفرادة المدينة وطيبة اهلها اصبح لها لهجتها الخاصة بها وبأبنائها التي يطلق عليها اسم «غلاسكويجيان» نسبة الى اسم المدينة. وهي لهجة انجليزية ايرلندية سلتية محلية ومخلوطة وسريعة ومقتضبة وثقيلة يصعب فهمها في البداية، لكن مع الوقت يمكن للفرد ان يكتشف تعابيرها وجمالها وسخريتها وقربها الى القلب.

ويعني اسم «غلاسكو» المكان الاخضر المحبوب، لذا موقع المدينة يستخدم منذ ازمنة ما قبل التاريخ من اجل السكن بسبب قربها لنهر «كلايد» وتضمنها مساحة طبيعية رائعة لصيد سمك السلمون المعروف والطيب.

المدينة التي يعيش في احيائها القديمة والحديثة حوالي مليوني شخص، من أكبر مدن اسكوتلندا والثالثة من حيث عدد السكان في بريطانيا. وتتمتع بموقع طبيعي ممتاز على ضفاف النهر، منذ القرون الوسطى (المناطق الوسطى الغربية). وقد ساهمت الكنيسة والجامعات في المدينة فيما يوصف بالتنوير الاسكوتلندي. وتقول الموسوعة الالكترونية الحرة: ان غلاسكو اصبحت مهمة في القرن الثاني عشر، واعاد تنظيمها الملك داوود انا من اسكوتلندا واسقف غلاسكو. لكن الذي اسسها كما نعرفها فهو القديس كينتيغيرن (Saint Kentigern)، فالمعرض السنوي الذي يجري في المدينة تحت اسم «معرض غلاسكو» يعود تاريخه الى عام 118. اصبحت المدينة منذ القرن الثامن عشر احدى نقاط التجارة الاساسية مع الاميركيتين. ومع الثورة الصناعية، نمت المدينة والمنطقة المحيطة بها لتصبح واحدة من اهم مراكز الهندسة وتعليمها وبناء السفن البارزة في العالم. وايام «الامبراطورية البريطانية»، خصوصا عهد الملكة فيكتوريا كانت غلاسكو المدينة الثانية بعد لندن، وكانت عماد الامبراطورية الصناعي الذي لا يقهر. وبين العصر الفيكتوري ونهاية الحرب العالمية الثانية ايام كثرت هجرة الإيرلنديين اليها، بقيت المدينة من اهم المراكز الأكاديمية والقانونية والصناعية الدولية، خصوصا على صعيد انتاج الصلب والفحم الحجري وبناء السفن الضخمة (مثل السفن الشهيرة: Queen Mary, Queen Elizabeth, QE2، Royal Yacht Britannia ). وغيرها من الآلات الصناعية الثقيلة والهندسة البحرية. لكن بعد الحرب العالمية الثانية تراجعت مكانة المدينة بعد سطوع نجم اليابان والمانيا صناعيا، وعاشت فترة طويلة من الركود المالي والاجتماعي تواصلت حتى التسعينات من القرن الماضي. منذ ذلك الوقت وتعيش المدينة نهضة كبيرة على جميع الصعد لدرجة انها اقتربت من استعادة سمعتها وجاذبيتها واهميتها، وهي حاليا من اكبر المراكز الاوروبية التجارية والمالية، إذ انها رابع اكبر مدينة في اوروبا ايضا بعد لندن وباريس وبرلين. وقد اعتبرت عاصمة اوروبا الثقافية عام 1990.

تعتبر غلاسكو اكبر منطقة اقتصادية في اسكوتلندا، واهم المدن من حيث الانتاجية في البلاد، وتضم ما لا يقل عن 12 الف شركة. ووصلت قيمة الاستثمارات الخارجية فيها عام 2006 الى 4.2 مليار جنيه استرليني (8 مليارات دولار). ويقال ان غلاسكو من اكثر المدن الاوروبية نموا من الناحية الاقتصادية وخلق فرص العمل، خصوصا ان 55% من سكان المناطق المحيطة يدخلون اليها كل يوم. ورغم ان المدينة لا تزال نشطة على صعيد بناء السفن فإن التركيز حاليا على اقتصاد منوع، مثل قطاع المال والشركات (السادسة عشرة في اوروبا) والاتصالات والعلوم والصناعات الذكية والصحة والتجارة والتعليم العالي والجامعي خاصة وعلى رأسه السياحة بالطبع. وفضلا عن ان المدينة تصنع 60 في المائة من انتاج اسكوتلندا بشكل عام، تنشط في المدينة قطاعات عدة مثل الالكترونيات والبرامج والرقائق والكيميائيات والنشر والطباعة والاقمشة. وفي المدينة ممثلون ومكاتب لاكبر الشركات في العالم والتي يطلق عليها اسم «بلو تشيب». المدينة الحالية يعود تاريخها العمراني الى القرن التاسع عشر، إذ لم يبق إلا شواهد قليلة على القرن الرابع عشر مثل كاتدرائية «القديس مونغو». ومع هذا تعتبر من المدن الجميلة عمرانيا وفيها الكثير من المباني التاريخية والمهمة (Glasgow City Chambers وUniversity of Glasgow) على صعيد فن العمارة اكان فيكتوريا ام كلاسيكيا حديثا. وعاش في المدينة في القرن الثامن عشر نخبة المعماريين المعروفين في جميع انحاء العالم مثل جورج سكوت الذي صمم جامعة غلاسكو، والكسندر ثومسون، والاهم تشارلز ماكينتوش. باية حال فإن عمران المدينة قوي وجميل ومتنوع ودليل على الثروة والعظمة التي تمتعت فيها ايام الامبراطورية. ومعظم المباني مبنية بالحجارة الرملية الحمراء والبرتقالية الدافئة. ومع هذا تضم المدينة اكبر عدد من المباني والابراج العالية الخاصة بالبلدية، لكن هناك مباني اخرى عالية وحديثة على ضفاف الـ«كلايد» ومنها اطول برج في اسكوتلندا «برج اليفينستون بالاس» (39 طابقا) في منطقة «تشيرين كروس» المعروفة. ومنها ايضا «القاعة الموسيقية الملكية» (Glasgow Royal Concert Hall) و«مركز المعارض والمؤتمرات الاسكوتلندي» (Scottish Exhibition and Conference Centre) و«قاعة كلايد التي صممها المعماري المعروف السير نرومان فووستر» (Clyde Auditorium) و«متحف المواصلات» (Museum of Transport) الجديد الذي صممته المعمارية البريطانية العراقية الاصل زهى حديد.

وسط المدينة يحتضن كل النشاطات الثقافية والترفيهية والتراثية، خصوصا في ساحة «جورج سكوير»، مثل «المسرح الملكي» (الاوبرا والباليه) و«ذي كينغز ثييتر» (The King"s Theatre) و«صالة الفنون الحديثة (Gallery of Modern Art ) و«مكتبة ميتشل» (Mitchell Library ) و«صالة الأفلام» (Glasgow Film Theatre ) و«مركز العلوم» (Glasgow Science Centre ) الذي يجذب الراغبين لفهم كيفية عمل التكنولوجيا وتطبيقاتها بوسائل سهلة وقابلة للهضم. والاهم من كل هذا «مدرسة غلاسكو للفنون» ( Glasgow School of Art ) التي صممها ماكينتوش، وتعتبر تحفة من تحف العمارة في العالم لجمالها واناقتها. ولربما كانت من اجمل جامعات العالم. ويقول الدكتور السلطاني وهو معماري وأكاديمي عراقي ومدرس في الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون حول المدرسة:«لكن العمل المهم في الانتاج الابداعي لـ «ماكينتوش»، كان تصميم وتنفيذ «مدرسة الفنون» في غلاسكو ( 1899 ـ 1909). ففي هذا المبنى ينأى «ماكينتوش» بنفسه بعيداً عن تقليدية استخدام الاساليب المعمارية التاريخية، ويستند في خلق التكوين التصميمي للمبنى انطلاقا من وظائفيته، اذ يجعل نوافذ الطابق الاول بمثابة فتحات زجاجية واسعة، تدلل بوضوح عن غايتها المضمونية، كونها فضاءات للمشاغل الفنية».

ومن هنا لا بد من ذكر تشارلز ماكينتوش ( 1868 ـ 1928 ) الذي يعتبر من المع المعماريين المبدعين بدايات القرن العشرين. وجميع اعمال ماكينتوش حصلت في غلاسكو وعلى رأسها «مدرسة الفنون». وصمم المعماري الرقيق والذكي مباني رسمية وحكومية ومنازل خاصة وعددا من المقاهي الخاصة بالشاي (غرف الشاي). وقد عمل ماكينتوش الى جانب زوجته مارغريت ماكدونالد واخته فرانسيس وهربرت ماكنير، ويقال ان الاربعة وضعوا في تصميماتهم وافكارهم اسس ما اصبح يطلق عليه الآن «ذوق غلاسكو». وتعرف مبانيه بأناقتها ووسامتها ووضوحها في إطار المفهوم «المكاني» او «الفضائي». ويعمل ماكينتوش عادة في هذا الإطار على تسخير جميع انواع الاضواء اكانت طبيعية ام اصطناعية، كما كان مولعا بالتفاصيل الرقيقة والشفافة، وهو من مؤسسي ما يعرف بمدرسة او حركة «الآرت نوفو الاوروبية» (Art Nouvaeu). وهذه المدرسة من اهم المدارس المعمارية الحديثة. ويقول الدكتور خالد السلطاني، في هذا الإطار في احدى كتاباته الموسعة والممتعة، ان تيار «الارت نوفـو» Art Nouvaeu تيار مفعم بالروح العصرية والتألق نحو تكريس الجديد (والمثير ايضا) في الممارسة التصميمية.

تقول الارقام الرسمية في اسكوتلندا ان المدينة التي تستقطب عشرات الآلاف من السياح سنويا قبل التسعينات اصبحت محطة سياحة من الدرجة الاولى تستقطب ما لا يقل عن 4 ملايين سائح في السنة، واصبحت المدينة ايضا اهم مراكز عقد المؤتمرات في اوروبا. وقد وضعت الحكومة المحلية خطة خاصة لادخال المدينة في العصر الحديث وجعلها من المدن الناجحة. ويساهم قطاع السياحة ايضا في خلق الكثير من فرص العمل التي وصل تعدادها الى 150 الف فرصة في السنوات الاخيرة (2005 ـ 2006).

بعد لندن ومانشستر يمكن القول إن غلاسكو اهم مراكز التسوق في بريطانيا واوروبا، إذ تقدم ـ كما تقدم المدن الكبرى كبرشلونة وباريس ـ كمية هائلة من العروض والبضائع والثياب والمنتجات، خصوصا التي تحمل اسماء لامعة في ميلان وباريس ولندن وغيرها. وتفكر مؤسسة «هارفي نيكولز» العريقة قرب «هارودز» بفتح قسم لها هناك كما هو الحال مع اكبر مراكز التسوق في لندن «سلفريدجيز». والاهم من هذا ان التسوق في المدينة سهل لانها مصممة على الطريقة الاميركية وتكون الانطلاقة عادة من ساحة «جورج سكوير» باتجاه شارع «ارجايل» (Argyle) وشارع «بوكانين» (Buchanan Streets ) ومركزي التسوق:«بوكانين غاليريز» (Buchanan Galleries ) و«سانت اينوخ سنتر» (St. Enoch Centre) المهمين. هذا على صعيد التسوق الاستهلاكي، أما على الصعيد المحلي فهناك اسواق شعبية رخيصة لا تحصى ولا تعد، اكانت للفاكهة والخضار أم للملابس أم للكتب والتحف والمجوهرات والاثاث وغيره، إذ ان المدينة تضم جالية ضخمة وقديمة من الايطاليين والباكستانيين. ويعتبر الباكستانيون اكبر جالية اجنبية مزدهرة في المدينة، خصوصا في قطاع المطاعم الهندية. ولهذا تعتبر كل من غلاسكو وادنبرة واسكوتلندا بشكل عام من اهم الاماكن التي يتم العثور فيها على مطاعم هندية من جميع الدرجات، خصوصا الفاخرة والمعروفة دوليا.

* هل تعلم؟

* - ان جون بيرد مخترع التلفزيون بث أول صورة تلفزيون في العالم من غرفته في فندق «سنترال اوتيل» (Central Hotel) في وسط غلاسكو. - ان جيمس واط الذي ولد في غرينووك، اخترع مكثفا خاصا خلال سيره في المدينة عام 1765 وقد ادى اختراعه لاحقا الى اختراع القطار البخاري الذي مهد للعالم الحديث وربطه ببعضه بعضا وسهل عمل الامبراطوريات.

- ان المهندس المعماري تشارلز ماكينتوش اخترع المعطف المضاد للماء عام 1842 خلال عمله في المدينة.

- ان جراح غلاسكو المعروف غرانفيل باتيسون، هو الذي أسس عيادة بالتيمور الطبية في الولايات المتحدة والتي ادت لاحقا إلى تأسيس أول مدرسة لتعليم الطب في الولايات المتحدة.

- ان ابن المدينة السير وليام بوريل كان يصرف 20 الف جنيه في السنة على شراء الاعمال الفنية وواصل ذلك لمدة 45 عاما.

- ان ابن غلاسكو يذهب الى السينما بمعدل 51 مرة في السنة أي اكثر من أي فرد آخر في العالم. كما ضمت المدينة 114 صالة سينما بسعة 175 الف مقعد.

- ان مجلس النواب في المدينة يملك نسخة مصغرة وحقيقية عن تمثال الحرية في نيويورك.

التعليــقــــات
bader almuzyien، «الكويت»، 22/07/2008
رائعين في اختيار الموضوع وفي الطرح والأسلوب كعادتكم متميزين يا كتاب الشرق الأوسط.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال