السبـت 21 شعبـان 1429 هـ 23 اغسطس 2008 العدد 10861
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كوريا الجنوبية تقيم منطقة صناعية في الشمال

موطئ قدم للرأسمالية في كوريا الشمالية

المجمع الصناعي موطئ قدم للرأسمالية التي من الممكن أن تقوض هذه البلاد التي تسير على نهج ستالين (أ.ف.ب)
كايسونغ (كوريا الشمالية): مارتن فاكلر *
منطقة كايسونغ الصناعية بعيدة كل البعد عن المدينة الكورية الشمالية التي تقع في ضواحيها. فبينما توجد في المنطقة الصناعية التي تديرها كوريا الجنوبية مصانع حديثة وسيارات رياضية نفعية، فإن مدينة كياسونغ تعيد الى الاذهان الحرب الباردة. صفوف طويلة من العمارات الرمادية الكئيبة تطل على شوارع فارغة، ولافتات حمراء تعلن انتصار حزب العمال.

أُنشئت الأسوار المرتفعة وانتشر العديد من الحراس المتيقظين حول منطقة كايسونغ الصناعية، وذلك لفصله عن بقية أراضي كوريا الشمالية. إلا أن هذا لم يمنع سكان كوريا الجنوبية من الحلم بأن يكون المجمع الصناعي بمثابة موطئ قدم للرأسمالية التي من الممكن لها في يوم من الأيام أن تقوض هذه البلاد التي تسير على نهج ستالين، وأن تجعلها مماثلة مع مدينة شينتشين الصينية، وهي منطقة استثمارية خاصة ساعدت في بداية معجزة السوق الحرة بالصين منذ قرابة 20 عامًا. وبالرغم من عزلتها والشعور السائد بأنها تشبه السجون، إلا أن منطقة كايسونغ الصناعية مزدهرة بعمليات الإنشاء والتشييد. وتأمل شركة «هيونداي أسان»، وهي شركة كورية جنوبية تدير المنطقة الصناعية في أن تتوسع هذه المنطقة الصناعية لتصبح مدينة صغيرة على مدار الـ12 عامًا المقبلة، تضم شققا سكنية داخل بنايات شاهقة وفنادق وبحيرة صناعية و3 ملاعب للغولف. وبحلول هذا الوقت، تأمل الشركة بأن يضم المجمع 2000 مصنع يعمل بها 350 الف شخص من كوريا الشمالية وينتج سلعا وبضائع بقيمة 20 مليار دولار في العام الواحد. يذكر أن الإنتاج الحالي من البضائع والسلع المصنعة لم تتجاوز قيمته 366 مليون دولار خلال النصف الأول من هذا العام، وذلك طبقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة توحيد الكوريتين في كوريا الجنوبية. وأشارت الوزارة إلى أنه خلال الشهور حتى يونيو (حزيران)، بلغ حجم تدفق السلع والبضائع من وإلى المنطقة الصناعية حوالي 42 في المائة من إجمالي 881 مليون دولار هي حجم التجارة بين الكوريتين. تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة خففت بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على كوريا الشمالية في وقت سابق من هذا الصيف، بعد تقديم الأخيرة تقارير مفصلة عن برنامجها النووي، ونسفها برج التبريد الملحق بمفاعلها النووي في يونغ بيون، ومع ذلك أبقت واشنطن على القيود المفروضة على عمليات الاستيراد، الأمر الذي جعل منطقة كايسونغ الصناعية أقل جاذبية وملاءمة للشركات الكبرى بكوريا الجنوبية والشركات الأجنبية. من ناحية أخرى، أثار «لي ميونغ ـ باك»، رئيس كوريا الجنوبية المحافظ، غضب كوريا الشمالية بعدما لمّح بصورة مبدئية إلى أنه لن ينفذ الاتفاقات التي أبرمها سلفه بشأن توسيع نطاق التعاون الاقتصادي بين البلدين. وبالرغم من هذا، شيدت 72 شركة كورية جنوبية صغيرة بالفعل مصانع لها بالمنطقة الصناعية، آملة بذلك في اجتذاب العمالة الرخيصة التي تتحدث اللغة الكورية المتوافرة بكوريا الشمالية. وحتى الآن، لا توجد إلا شركة أجنبية وحيدة تمارس أعمالها في هذه المنطقة الصناعية. ويمكننا أن نرى مدى التغيير الذي شهدته المنطقة الصناعية من خلال ما حدث في شركة «إس جيه تيك» وهي شركة من كوريا الجنوبية تعمل في صناعة قطع غيار السيارات والهواتف الجوالة، حيث شيدت تلك الشركة مصنعًا لها بالمنطقة بقيمة 4 ملايين دولار منذ أربع سنوات.

وأشار يو شانج ـ جيون، رئيس الشركة، في خضم حديثه عن التجارب والمصاعب التي خاضوها، الى أن موظفي أول دفعة عملت بالشركة من القادمين من كوريا الشمالية لم يكونوا قد رأوا في حياتهم لوحة مفاتيح، ناهيك من جهاز الحاسب ذاته. وقد أمضت شركة «إس جيه تيك» الكثير من الوقت لتعليمهم مهارات وأشياء أخرى مثل تشغيل الماكينات ومفاهيم الإدارة، ولهذا يصف «يو» مصنعه بأنه «أول مدرسة لإدارة الأعمال في كوريا الشمالية».

ومع ذلك، كان الكوريون الشماليون تواقين إلى التعلم والمعرفة، فقد اتجهوا إلى رسم شكل لوحة المفاتيح على الورق من أجل تعلم مهارات الكتابة. وفي الوقت الحالي بات من الواضح أن الـ 430 موظفا من كوريا الشمالية العاملين بشركة «إس جيه تيك» تعلموا ما يكفي لإدارة المصنع بصورة مباشرة بدون وجود مشرفين من كوريا الجنوبية، بل عمدوا أيضًا إلى تغيير شكل حلاقة الشعر الخاصة بهم ليبدو أكثر شبهاً بزملائهم من كوريا الجنوبية. ويقول يو «إن الكوريين الشماليين يشبهون الإسفنج، فسرعان ما يمتصون كل ما تعرضه عليهم (من مهارات)».

وهذه النتيجة تحديدًا هي ما كانت حكومة كوريا الجنوبية تطمح إليه، فقد سعت إلى دعم التبادل الاستثماري والسياحي مع كوريا الشمالية بالرغم من الانتقادات اللاذعة من حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة. كما صرح الرئيس لي ـ الذي تم انتخابه في شهر ديسمبر (كانون الأول) ـ مؤخراً بأنه سيدعم التعاون الاقتصادي بين الكوريتين. ويؤكد مؤيدو التعاون مع سيول أن هدفهم على المدى البعيد هو إعداد كوريا الشمالية بصورة آمنة للاندماج والتوحد بصورة سلسة مع جارتها الجنوبية الأكثر ثراء. وبالنسبة لكوريا الشمالية فقد أصبحت الروابط الاقتصادية مصدراً للعملة الصعبة التي تحمل أهمية بالغة لاقتصاد هو في مرحلة الاحتضار وعاجز عن إطعام 23 مليون كوري شمالي. وتحصل كوريا الشمالية على المال من خلال تأجير أراضي منطقة كايسونغ لمدة خمسين عاماً. كما تدفع الشركة المسؤولة عن تشغيل المنطقة، وهي «هيونداي أسان» ما يصل إلى 100 دولار عن كل سائح يشارك في أي من الجولتين اللتين تنظمهما، وتتجه إحداهما إلى كايسونغ والأخرى إلى جبل كومجانغ بالجزء الجنوبي الشرقي من كوريا الشمالية. من جهتهم يؤكد النقاد داخل كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة أن الأموال التي تجنيها كوريا الشمالية من وراء هذه المشروعات تساعد في تمويل الحياة الباذخة التي يعيشها رئيس كوريا الشمالية، كيم يونج إيل، أو ربما، وهو الأسوأ من ذلك، تمويل طموحاته النووية. إلا أنه تتوافر أدلة تشير إلى أن الاتصالات المتنامية التي توفرها هذه المشروعات تسهم بالفعل في تحقيق بعض التغيير، وإن كان ضئيلاً، حيث تحول بعض النقاد السابقين إلى التأييد المعلن للتعاون مع كوريا الجنوبية. في هذا الصدد، أشار أندريه لانكوف، بروفسور تاريخ كوريا الشمالية بجامعة كوكمين في سيول والذي فاجأ زملاءه مؤخراً بنشر مقال، أعلن خلاله تأييده لمشروع منطقة كايسونغ، إلى أنه «عندما تطعم فأرا بسم مغطى بالسكر، فأنت بذلك لا تطعمه فعلياً» وأضاف «عندما يتمكن أبناء كوريا الشمالية والجنوبية من التفاعل مع بعضهما البعض بصورة يومية، فإن ذلك يشكل فرصة للكوريين الشماليين كي يعاينوا بأعينهم أن الحملات الدعائية ببلادهم لا معنى لها». جدير بالذكر أن سياسة التعاون بين الكوريتين حظيت منذ أمد بعيد بدعم واسع النطاق بين الكوريين الجنوبيين، الذين ينظرون في معظمهم إلى أبناء كوريا الشمالية باعتبارهم أقرانا مضللين بحاجة إلى العون. وحتى بعد حادث إطلاق النار على قتل سائح كوري جنوبي في 11 يوليو (تموز) على يد جندي كوري شمالي بمتنزه كومجانغ، لم تصدر صيحات تنديد على الصعيد العام داخل كوريا الجنوبية تطالب بتغيير سياسة التعاون مع كوريا الشمالية، رغم أن سيول جمدت الجولات السياحية حتى الانتهاء من مراجعة مستوى الأمن المتوافر للسائحين. وفي إجراء انتقامي واضح، أصدرت كوريا الشمالية أوامرها بطرد جميع المواطنين الكوريين الجنوبيين من المنطقة طالما ظلت الجولات السياحية مجمدة. وبطبيعة الحال، ربما يكون تأثير معظم التغييرات التي طرأت حديثاً على كوريا الشمالية اقتصر على الأفراد الذين يعيشون بالقرب من كايسونغ، وهي مدينة تضم قرابة 140 الف نسمة. علاوة على ذلك، من العسير تقدير حجم التغيير الذي يطرأ على مجتمع يخضع لمستوى التعتيم البالغ الذي يخضع له مجتمع كوريا الشمالية، الذي يفرض قيوداً على حرية حركة الأفراد ومعظم الاتصالات بين أبنائه. على سبيل المثال، في إطار جولة تمت مؤخراً إلى كايسونغ، كان الكوريون الشماليون المسموح إجراء محادثات معهم هم المرشدين وموظفي الحسابات بمحلات الهدايا. وقام السائحون، الذين انتموا بصورة رئيسة إلى كوريا الجنوبية، بزيارة مدرسة عتيقة وأحد الشلالات وهم داخل حافلات ضخمة مرت عبر شوارع كايسونغ الخالية دونما توقف. وظهر بعض الكوريين الشماليين وهم يسترقون النظر بخجل من وراء نوافذ المباني السكنية. وخلال المحادثات القليلة التي جرت خلال الجولة، التزم الكوريون الشماليون بصرامة بالتوجهات السياسية الرسمية لبلادهم. ورغم اعترافهم بمعاناة بلادهم من فقر شديد، فإنهم ألقوا اللوم عن ذلك على عاتق العقوبات الاقتصادية الأميركية. ومع ذلك، بدا الكوريون الشماليون في بعض الأحيان أكثر صراحة عما سبق، حيث أكد القليلون منهم أن المنطقة الصناعية التي تديرها كوريا الجنوبية تسهم في تحسين مستوى حياة أبناء المنطقة من خلال دفع رواتب للعاملين به تعادل قرابة 60 دولاراً شهرياً، ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط الرواتب بباقي أنحاء كايسونغ. حتى الآن، تتمثل الشركة الأجنبية الوحيدة المشاركة في منطقة كايسونغ في «بريتل غروب» الألمانية المتخصصة بمجال إنتاج قطع غيار السيارات، التي تشيد مصنعا لها بالمنطقة. ومن المقرر أن تبدأ شركتان صينيتان في العمل داخل المتنزه قريباً. إلا أن غالبية الشركات المشاركة هناك ما تزال في معظمها شركات كورية جنوبية صغيرة تعمل بمجال إنتاج سلع منخفضة التقنية موجهة في الجزء الكبر منها إلى الاستهلاك المحلي. يذكر أن حكومة كوريا الجنوبية أنفقت ما يزيد على 150 مليون دولار لدعم المنطقة، علاوة على تقديمها قروضا بفائدة منخفضة وتأمينا للشركات التي تقدم على خوض مخاطرة الاستثمار في كوريا الشمالية رغم ما تعانيه من انعدام استقرار وما تبديه من عداء تجاه الشطر الكوري الجنوبي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال