الثلاثـاء 24 صفـر 1431 هـ 9 فبراير 2010 العدد 11396
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

شيزر.. قلعة أثرية سورية هزمت الغزاة وهزمها الزلزال

«عرف الديك» المشرفة على النهر والبحر.. وذكرها امرؤ القيس

قلعة شيزر على نهر العاصي
دمشق: هشام عدرة
في قلب شمال غربي سورية، على الطريق الجبلي المختصر الذي يربط الداخل بالساحل، ومدينة حماة بمدينة اللاذقية، تتربع قلعة شيزر الأثرية الشامخة.

تقع هذه القلعة على مسافة تقارب الـ25 كلم إلى الغرب حماة، وتتبع لها إداريا مع البلدة التي تحتضنها وتحمل الاسم نفسه. وما يذكره التاريخ أن بدايات هذه القلعة تعود إلى الفترة السلوقية. ويشير البعض إلى أنه في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ورد ذكر «سيزار» أو «سنزار» في رسائل تل العمارنة المتبادلة بين فراعنة مصر والحيثيين، اسم البلدة قبل تشييد قلعتها. وفيما بعد عرفها اليونانيون السلوقيون وأطلقوا عليها اسم «لاريسا»، وعاد اسمها للظهور في عصر الجاهلية، وقد ذكرها الشاعر الشهير امرؤ القيس باسم «شيزر» في قصيدته الشهيرة عندما مر بها في طريقه إلى القسطنطينية، إذ قال:

تقطّع أسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماةَ وشيزرا العرب فتحوا شيزر صلحا عام 638م. ونظرا لأهمية القلعة، سواء لموقعها الحربي أو التجاري، فإنها ظلت عرضة لغزوات البيزنطيين (الروم) الذين تمكنوا من الاستيلاء عليها عام 998م، حتى تمكن سديد الملك بن مقلد بن نصر بن منقذ من استخلاصها منهم. ودخلت القلعة في سلطة الأيوبيين والمماليك فيما بعد، فرمموا بعض أقسامها، ولم تفقد القلعة قيمتها العسكرية إلا في أواخر العصر العثماني.

أما الحقبة التاريخية الأهم بالنسبة لشيزر وقلعتها، فكانت في أواخر القرن الأول من الألفية الثانية (1081م) عندما غدت عاصمة لإمارة آل منقذ. وعبر السنين تعرضت القلعة للكثير من الأحداث، كان أبرزها تعرضها لزلزال مدمر قضى على آل منقذ، وكانوا إذ ذاك مجتمعين في وليمة ختان، فهلكوا جميعا باستثناء شاعرهم وفارسهم أسامة بن منقذ، الذي يشاء القدر أن يكون في دمشق مع شقيقين له، فنجا الثلاثة. وعلى الأثر أمر الأتابك نور الدين زنكي بإعادة بناء القلعة كما كانت.

ومما يجدر ذكره أن للقلعة العريقة شكلا معماريا فريدا يختلف عن أشكال معظم القلاع السورية، ولنتوء الأكمة التي تتربع فوقها، لقبها المؤرخون والجغرافيون العرب بـ«عرف الديك». ومما يضيف في روعة موقعها، أن نهر العاصي يلتف حولها من جهات ثلاث، وبالتالي، فهي واقعيا شبه جزيرة، وأكمل الإنسان عمل الطبيعة في تحصينها عن طريق حفر خندقها من الجنوب، وهكذا ازدادت منعتها.

المعماريون يعتبرون قلعة شيزر نموذجا لفن العمارة العسكرية في العهد الأيوبي، ومصداقا جليا للطراز العربي، وشاهدا حيا على براعة العرب في بناء القلاع والحصون. ولا تزال بعض أسوار القلعة موجودة حتى الآن، وكذلك أبراجها التي كان يصل عددها إلى 14 برجا ولكن بقي منها 4 أبراج فقط.

وبجانب الموقع الفريد المطل على نهر العاصي، والتحصين المتقن الذي يشهد بالقدرات الهندسية والمعمارية العربية، ضمت القلعة ناعورة مياه شهيرة هي «ناعورة شيزر» التي خربت بفعل الزمن، وكانت الناعورة الوحيد الموجودة خارج مدينة حماة من مجموع النواعير وعددها مائة، يعمل منها اليوم 20 فقط، أما الباقي فيخضع للترميم والإصلاح، ومنها «ناعورة شيزر».

وفي هذا السياق، تنشط مديرية الآثار السورية حاليا بأعمال ترميم واسعة النطاق في قلعة شيزر تشمل برج مدخلها، وتصفيح محيطها للحد من التصدعات لجعل القلعة آمنة وسهلة الزيارة لكل من يقصدها من السياح المحليين والعرب والأجانب. ثم إن هناك مشروعا مهما نفذته البعثة الأثرية السورية الإيطالية المشتركة لإكمال أعمال التوثيق والدراسة التاريخية للقلعة، وكانت قد بدأت قبل 5 سنوات، مع إجراء أعمال ترميم للبرج الجنوبي والسور الغربي. وكذلك إجراء تنقيبات وحفريات أثرية في قلب القلعة للكشف عن المزيد من أسرارها المعمارية وكنوزها التاريخية.

في قلعة شيزر عدد من الأقسام ذات الأهمية المعمارية والأثرية المميزة، منها: الباب الرئيسي الذي يقع في الناحية الشمالية، والذي يوصل إليه بجسر حجري، وكان في الماضي خشبيا، وهو يرتكز على طابقين من القناطر. و«قصر البردويل»، ويسمى أيضا «قصر غيبور»، وهو البرج الجنوبي الذي بني فوق الخندق الصناعي. و«باب السر» الذي يوصل ساكن القلعة إلى ضفة نهر العاصي من دون أن يراه أحد. أما الكتلة الهرمية فقد أقيمت على الصخر المقطوع بشكل عمودي يدب الرهبة في الناظر إلى أسفل، وفي أعلاها الشرفات الدفاعية وهي في غاية المنعة.

أما عن آثار بلدة شيزر المتبقية فهناك «الجسر القديم»، بقواعده التي تعود إلى العصر الروماني في القرن الأول الميلادي وبقناطره التي تعود إلى العهد الأيوبي. ولقد رمم عدة مرات، غير أنه تعرض عام 1941 لفيضان نهر العاصي فتهدم القسم الأوسط منه وأعيد بناؤه في ما بعد. وهناك الطاحونة بجانب الجسر، والحمام الذي يعود أيضا إلى عهد الأيوبيين ويحتوي على حجرات وتمديدات للمياه. ويطلق سكان البلدة على هذا الحمام اسم «القهوة» وكان استعمل لفترة طويلة كخان. وأيضا هناك «سد الخرطلة» التاريخي الذي يزيد ارتفاعه على 10 أذرع، وكان قد تهدم عام 1343م واستخدمت بقاياه في سد بسيط.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال