الثلاثـاء 21 شعبـان 1431 هـ 3 اغسطس 2010 العدد 11571
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الإصلاح والتجديد بالمغرب: محمد بن الحسن الحجوي نموذجا

رضوان السيد

صدرت عن الإصلاحي السلفي المغربي محمد بن الحسن الحجوي (1874 - 1956) دراستان عن دار المدار الإسلامي، هما: «الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر، محمد بن الحسن الحجوي، دراسة ونصوص» لسعيد بنسعيد العلوي، و«نظرية التحديث في الفكر المغربي (1844 - 1944)» لحميد الصولبي. وقد قدَّم العلوي لدراسة الصولبي أيضا، وتطرق الصولبي إلى سائر الإصلاحيين المغاربة من مثل الطاهر الفاسي وابن المواز مع تركيز على الحجوي؛ في حين اقتصرت دراسة الأستاذ سعيد بنسعيد على الحجوي، مع نشر نصوص مختارة له في خاتمتها.

وتشبه المحاولة المغربية على مدى نحو القرن للإصلاح، المحاولةَ المصرية، من حيث إن السلطة السياسية هي التي لجأت إليها، على أثر الخسارة أمام الجيش الفرنسي في موقعة إيسلي عام 1844، وأمام الجيش الإسباني في موقعة تطوان عام 1860. ولا يختلف حالُ تونس عن حال المغرب كثيرا، ولذلك يحسن في هذا السياق إيراد الاقتباس الشهير لخير الدين التونسي، الذي يمثّل المحور الذي تدور في نطاقه سائر الأفكار الإصلاحية: «إن التمدن الأوروباوي تدفق سيلُهُ في الأرض فلا يعارضه شيء إلا استأصله قوةُ تياره المتتابع. فيُخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار، إلا إذا حذَوا حَذْوَهُ وجَرَوا مجراهُ في التنظيمات الدنيوية، فيمكنُ نجاتُهُم من الغرق».

والواقعُ أنه إذا كان هناك تماثُلٌ في الإطار المرجعي بين أمثال الفاسي وابن الموّاز وخير الدين التونسي ومحمد عبده ورشيد رضا وصولا إلى الثعالبي وعلال الفاسي؛ فإننا لا نكادُ نجدُ بين هؤلاء وعلى مدن قُرابة القرن مَنْ مارس مثل الحجوي العملين معا وبالدأَب نفسه: التفكير الفقهي التأليفي والإصلاحي، والعمل العام مع الدولة أو كما يُسمى بالمغرب: «المخزن». فعلى مدى نحو السبعين عاما من الكتابة، ترك الحجوي أكثر من مائة عنوان ما بين رسالة وتسجيل لخبر ومؤلَّف كبير. ومن تلك المؤلفات التي اشتهرت: «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، و«التعاضُد المتين بين العقل والعلم والدين»، و«الرحلة الأوروبية»، و«إصلاح التعليم»، و«تعليم البنات». ومن المعروف أنه بعد أن درّس سنتين بالقرويين؛ عمل في الديوان عملا إداريا، ثم صار نائبا للسلطان على الحدود مع الجزائر، ثم سفيرا للمغرب في الجزائر. وبعد فرض الحماية على المغرب تولى وظيفة مندوب المعارف (= وزارة التربية) لمدة تزيد على عشرين عاما. وفي عام 1939 صار رئيسا للمجلس الشرعي الاستئنافي الأعلى، ثم وزيرا للعدل. وفي الوقت نفسه ظل يعمل بالتجارة، ويمارس الكتابة بشكل شبه نادر بين علماء المغرب. وكما أُخذت على محمد عبده وجوه تعاوُنه مع اللورد كرومر، فأثر ذلك على سمعته بين الوطنيين والإسلاميين؛ فقد أُخذ على الحجوي عمله في ظل سلطات الحماية وبخاصة عندما عُزل السلطان محمد الخامس لصالح ابن عرفة، إبان اشتعال الحركة الوطنية المغربية. يعتبر الدارسان بنسعيد والصولبي، أن الحجوي كان يملك مشروعا شاملا في الإصلاح، أو أن ذلك المشروع تطور لديه على مدى خمسة أو ستة عقود. لكننا إذا بدأنا بتأمل «المشروع» من الجهة السياسية (إقدام الفقهاء على خَلْع السلطان عبد العزيز لصالح أخيه عبد الحفيظ بإغراء من الفرنسيين)، نجد أن هؤلاء الفقهاء، ومنهم الحجوي، رجعوا في ذلك للمبررات السنية التقليدية الواردة في كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية: «طاعة الإمام»، ثم نقضوها عمليا بخلع السلطان بحجة «ضرورات حفظ النوع» وحفظ مصالح الأمة، خوف انتشار الفساد والفوضى. والحق أن الفقهاء جميعا وفي مقدمتهم الحجوي ينسَون ما امتدحوا بسببه السلطان عبد العزيز عندما دعا الأعيان ووجوه القبائل إلى الشورى عام 1905 إجابة على التحدي الفرنسي. فعلى سبيل الإنصاف للعقل الفقهي/ الإصلاحي؛ لا ينبغي الاعتمادُ عليه كثيرا في مسائل الإصلاح السياسـي في مطلع القرن العشرين، رغم انفتاحه على المسألة الحضارية بشكل جيد وواعد. والواقع أن الحجوي - شأنه في ذلك شأن السـياسي والوزير خير الدين التونسي - يبرع في مقترحات وأفكار التنظيم المالي والإداري. وهكذا فإنه في نقاشات الإصلاحات المالية في العقد الأول من القرن العشرين، اقترح الفقيهان السلاوي والحجوي فرض الضريبة على ما تجب فيه الزكاة. لكنهما - شأن الطهطاوي والتونسي قبلهما - رأيا أملا كبيرا في الإنتاج والتجارة من طريق الشركات. وذهبا هما وغيرهما إلى أن أبواب الشركات الطويلة في كتب الفقه القديمة ليست مُصادفةً، وينبغي الاستنتاج منها (ومن كلام ابن خلدون في المقدمة، وكلام الشاطبي في المصالح)، أن «حفظ نظام الكافة» ركنٌ من أركان الوجود والعمران البشري والإسلامي. والطريف أنه في ذلك الوقت بالذات (عام 1906) اقترح فقيهان هما عبد الله زنيبر وعبد الكريم مراد وضع «اكتتاب» لجمع مال كاف لإنشاء «بنك المغرب» الوطني. وما رأى زنيبر حرجا في أن يديره الفرنسيون حتى يكون المغاربةُ قد تدربوا. وفي كتابات الحجوي من تلك الفترة وما بعدها، وعلى حواشي رسائله في التجارة، ما يُشعر بدعمه الكبير لمشاريع الإصلاح المالي، ومنها إيجاد بنك المغرب، وتنظيم مسائل الاستيراد والتصدير بما يتوافقُ مع المصالح، وليس مع اهتمامات سلطة الحماية. ويمكنُ المُضي على النهج نفسه مع الحجوي، فنذكر اقتراحاته لإصلاح التعليم في الكتاتيب وفي القرويين، وتعليم البنات... إلخ. فللرجل اقتراحاتٌ جزئيةٌ كثيرةٌ في سائر مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والسياسية.

إنما الذي ينبغي الاهتمامُ له أن الحجوي، صاحب «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، تعمد في الكثير من مؤلفاته أن يتخذ سِمة المفكر والمرشد والفيلسوف، وليس سِمَة الفقيه المشترع أو المجتهد على أُسس فقهية. والواقع أن هذا هو شأن الفكر الإصلاحي الإسلامي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وحتى أواخر الثلث الأول من القرن العشرين. فالمقدمات عنده، مثل المقدمات عند خير الدين التونسي (من الناحية النظرية على الأقل)، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، بمعنى الحديث عن أسباب التمدن وشروطه، وعن العلم النافع الذي يُوصلُ إليه العقلُ السليمُ والتنظيمُ وتقصُّد البناء على مقدمات صحيحة، والبُعد عن الفساد والإفساد. وهكذا كثيرا ما يقترن التأصيل الفقهي عنده، بالتأصيل الفكري والحضاري التمدني. ولنقرأ له هذا النص المُضيء: «إني ممن يحب الاعتدال في كل شيء، ولا سيما في الأحكام الشرعية التي لم نقف فيها على نص مَنْع أو جواز. ومعلوم أن الله لا يغفل ولا ينام ولا تأخذه سنة في سن الأحكام. فما ترك النص فيها إلا ليترك لنا باب الاجتهاد مفتوحا لنتطور فيه بتطور الأزمان، ونعمل بما يصلح الأمة ويبلغ بها مستوى الأُمم الراقية».

ولذا فيمكن القول إن رؤية الحجوي الإصلاحية والتحديثية لها ثلاثة مصادر: التربية التقليدية التي نشأ عليها، التي تتسم بالتسامح والثقة بالنفس، والإيمان بالعمل النافع. والمعرفة بالتجارب الأوروبية في النهوض والتقدم تنظيما وعملا. والتجربة الشخصية الطويلة في العمل التجاري والعمل الوظيفي والعمل التأليفي. وقد افْضت به تجربتُه الطويلة، والخيباتُ المتكررةُ التي كان قد لقيَها بنفسه أو لقيتْها الدولةُ التي كان يعمل لها، إلى القول بضرورة العمل مع «سلطة الحماية» الفرنسية لثلاثة أسباب: التعلّم والإفادة من التجربة المتقدمة في تعليم النفس وبناء الكوادر ووضْع التنظيمات، واتقاء الشرور والفِتَن؛ فالمغربُ الأقصى ما دمَّرهُ إلاّ ثوارُه! وأخيرا بناء المغرب الجديد في فسحة من الزمن تُمكّن من الاستغناء عن الفرنسيين وعن غيرهم! وبالوُسع القول: إن الحجوي - بين الجيل القديم من الإصلاحيين - كان الأشد والأوسع اهتماما بمشكلة التعليم. وهذا لا يعود إلى توليه لوزارة التربية والتعليم لأزيد من عقدين وحسْب؛ بل ولوجود ذلك الاهتمام في أصل تفكيره بالتمدن وشروط التقدم، وما هي السُبُل المؤدية إلى إصلاح الحال وصلاحها. وشأن الحجوي في ذلك شأن إصلاحيي المشرق، إذ هو لا يرى ضرورة للقطيعة بين القديم والحديث، فالتغيير بالنسبة له يظلُّ محصورا بأمرين: المعارف الجديدة، والتنظيم، المؤدي إلى الإفادة منها في الحياة الشخصية والحياة العامة.

إن هذا الوعي بالضرورات أو المصالح، هو الذي قاد الحجوي ومُعاصريه إلى ما سبق ذكْرُهُ من اعتبار أسباب التقدم والمدنية، والتأسيس من جهة أُخرى على مقاصد الشاطبي للاجتهاد في التلاؤم مع العصر والإعداد للمستقبل. ولنتأمل هذا النص في «الفكر السامي» كيف يوفق الرجل بين ركني تفكيره: شروط الاجتماع البشري وتمدنه، والمصالح الضرورية للاستمرار: «لم يجعل الله شريعة من الشرائع منافية لناموس الاجتماع». وهذا النص: «الشريعة لا بد أن تتبع أحكامها الدنيوية الأزمان والأمم، لحفظ المصالح العامة..».

وبالنظر إلى هذه الاعتبارات جميعا، وفي طليعتها الانفتاح والجمع بين النظر والعمل، أرى أن الحجوي (- 1956) يقع في أبرز حلقات السلسلة التي يبلغ بها الذروة علال الفاسي (1910 - 1974). وهذه صفحةٌ انطوتْ بسواد الاختلال في التجربة السياسية، وظهور الأصوليات الإسلامية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال