الاثنيـن 05 رمضـان 1431 هـ 16 اغسطس 2010 العدد 11584
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«تبييض» القدور النحاسية مهنة توشك على الانقراض في سورية

هجرها الكبار فقرر بعض الشباب المغامرة من خلال الشاحنات الجوالة

المبيض مارديني في ورشة التبييض بدمشق («الشرق الأوسط»)
دمشق: هشام عدرة
كانت أسر سورية كثيرة سابقا تحجز دورا لها عند «المبيض» المختص بتنظيف الأدوات المنزلية النحاسية حتى تحافظ على وضعها الصحي بطلائها بمادة القصدير. فالازدحام على أشده لدى هؤلاء، وتنفيذ طلبات هذه الأسر قد يستغرق أياما كثيرة، خاصة أن العمل في مهنة التبييض صعب ويحتاج لمهارة وطول بال وتحمل درجات الحرارة العالية وروائح مواد التبييض الكريهة والمؤذية.

لكن ومع انحسار اعتماد السوريين على أواني المنزل النحاسية وتخلي الحرفيين الكبار عن مهنة التبييض لما تسببه من إجهاد لهم، انقرضت هذه المهنة في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحالي ولتبقى بشكل محدود جدا من خلال «المبيضين الجوالين». وهؤلاء مجموعة من الشباب أرادوا الحفاظ على هذه المهنة اليدوية التراثية وتحقيق بعض الاستفادة المادية منها كمشروع تجاري وبأسلوب جديد من خلال تجوالهم في الحارات والشوارع في دمشق مع شاحناتهم الصغيرة منادين من خلال مكبرات الصوت.

وبالطبع، فهؤلاء لا يحملون مستلزمات العمل معهم في الشاحنة وإنما لديهم طريقة خاصة في التعامل يلخصها أحدهم، وهو فارس خطاب (أبو شادي)، وهي تسلم القطع المراد تبييضها من أصحابها وتسجيل أسمائهم عليها ومن ثم أخذها للورشة التي تقع في قرية قريبة من دمشق، وهناك يعمل على تبييض ما جمعه فارس من الزبائن، وفي مشواره اليومي في المدينة يسلم القطع المبيضة لأصحابها ويتسلم قطعا جديدة. ويبرر فارس اعتماده وبعض زملائه القلائل هذا الأسلوب بأنه ليس لديهم دكان في أسواق المدينة والبعض منهم ورث «عدة» الشغل عن والده وقرر الاستمرار في هذه المهنة «غير المربحة» كثيرا، يقول فارس متأوها، و«لكنها تستر الحال». ولكن ألا يمكن أن يقوم أحد هؤلاء المبيضين الجوالين بسرقة الأدوات النحاسية التي يتسلمها من الأهالي وعدم إعادتها خاصة أن بعضها ذو قيمة كبيرة وتباع بالكيلوغرام بسعر جيد.

سؤال يتعرض له فارس وزملاؤه كثيرا أثناء تجوالهم والبعض يخاف فعلا من تسليم نحاسياته لهم، خاصة أن هناك بعض النصابين الذين يمكن أن يقلدوا المبيضين الجوالين و«يسرقون الأدوات ولا يعودون، وهؤلاء يسيئون لهذه المهنة وهم لصوص وليس لهم علاقة بمهنة التبييض»، يقول فارس، مضيفا: «أما بالنسبة لنا فأصبحنا معروفين من الأسر ويثقون بنا باستثناء بعض ممن يمتلكون أدوات نحاسية تراثية (أنتيكا) عمرها يزيد على المائة عام فهؤلاء يخافون عليها. ويبحث هؤلاء عن محل ثابت لورشة مبيض، وعلى الرغم من ندرة وجود مثل هذه المحلات الثابتة إلا أن عددا محدودا من الشباب الدمشقي قرر أيضا المغامرة وافتتاح دكان في المناطق والأسواق الشعبية والقديمة بدمشق، ومن هؤلاء محمد مارديني، 25 عاما، الذي قرر خوض هذه المهنة من خلال دكان في شارع الملك فيصل بمنطقة العمارة الدمشقية القديمة منذ سبع سنوات، حيث شجعه معلما التبييض الشقيقان رضوان وعرفان النوري وهما جاران لأسرته في السكن، على خوض هذه المهنة وإعطائه الدكان ومستلزمات العمل مع إشرافهما عليه.

وبالفعل وافق محمد وأعجبته المهنة وقرر الاستمرار فيها كما يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لقد وجدتها حرفة جميلة وتراثية وتعرفني على الناس».

وحول الغاية ومراحل عملية التبييض قال مارديني: «الغاية من تبييض النحاسيات، وجود مادة سامة في النحاس فيقوم المبيض بطلائه بمادة القصدير حتى يمنع صعود هذا المادة السامة إلى سطح الوعاء النحاسي ويظل الوعاء صحيا وآمنا وسليما للاستخدام المنزلي في الطعام والشراب». أما المراحل التي تعبرها الأداة النحاسية في التبييض فيلخصها محمد قائلا: «في البداية تتم تحمية الأداة النحاسية ومن ثم تطلى بروح الملح المضاف له معدن التوتياء بقصد تخليص القطعة النحاسية من الأوساخ والشوائب التي قد تكونت عليها أثناء استخدامها بالمنزل، وزيادة في التنظيف نفركها أيضا بالرمل حتى لا يبقى عليها أي ذرات من الأوساخ، بعد ذلك نستفيد من التوتياء الحامية للصق مادة القصدير على القطعة النحاسية ونبدأ في عملية التبييض من الجدار الخارجي للقطعة ومن ثم الجدران الداخلية وقعر القطعة وهكذا حتى ننهي تبييضها».

عملية التبييض تستغرق وقتا يناسب حجم القطعة ما بين 5 دقائق للقطعة الصغيرة وحتى نصف ساعة للقطعة الكبيرة. ويشرح محمد تباين الجهد في التبييض بأن القطعة النحاسية ذات اللون الأحمر التي تكون جديدة ولم تخضع لعملية تبييض من قبل تحتاج لجهد أكبر من المبيض من تلك القطعة القديمة التي بيضت من قبل والتي يكون لونها أبيض؛ فالأولى تحتاج لمعلم تبييض ولكمية أكبر من معدن القصدير. وبشكل عام، فإن الأدوات النحاسية المطبخية المنزلية تحتاج كل عام لعملية تبييض بالقصدير حتى تعزل المادة السامة الموجودة فيها، خاصة أن القصدير يتلاشى بعد مرور عام من عملية التبييض. وحول مواصفات من يعمل في مهنة المبيض، يرى محمد أنه يجب أن يتحمل التعب والجهد والرائحة غير المستحبة والضجيج، وفي الصيف عليه أن يتحمل حرارة نار التحمية التي يكون وجها لوجه معها، وفي الشتاء عليه تحمل دخان روح الملح الذي ينتشر بشكل كثيف أثناء عملية التبييض، ويرينا محمد عددا من الحروق في وجهه ويديه يتعرض لها خاصة عندما يضطر للنزول داخل وعاء نحاسي كبير مثل قدور غلي الحليب (الحلات) لطلائها بروح الملح الحارق ومن ثم بالقصدير الذي يحرق أيضا عندما يكون حاميا وحتى عيناه تتعرضان لدخول روح الملح إليها أو لنثرات القصدير «فأبقى عدة ساعات لا أتمكن من فتح العين مع ألم شديد فيها».

محمد مارديني متزوج ولديه ولد، ويقول إنه لن يتخلى عن المهنة حتى آخر حياته حتى إذا أراد ابنه في المستقبل وراثتها عنه فلن يمانع فهي مهنة تراثية يجب المحافظة عليها ولكن بشرط أن يكون لديه دكان وورشة خاصة به.

ولا يخفي محمد سروره وسعادته عندما يرى السياح الذين يزورون المنطقة التي يعمل فيها يقومون بتصويره. فهر يشعر بسعادة تغمره الشعور نفسه ينتابه عندما يتلقى مدحا أو ثناء من زبون لاحظ التعب الذي يبذله في التبييض واستغرب أن هذا الشاب يعمل في هذه المهنة النادرة ويتحمل كل هذا الجهد على الرغم من وجود مهن مريحة وعصرية وقد تكون مربحة أكثر.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال