السبـت 17 رمضـان 1431 هـ 28 اغسطس 2010 العدد 11596
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«النارجيلة» تتحول إلى موضة في كردستان

الفضائيات تساعد على انتشارها في المقاهي.. والشبان يهددون بمقاومة منعها

محسن محمد صاحب محل بمدينة أربيل متخصص في بيع النارجيلة وتبوغها وما يتبعها من مستلزمات («الشرق الأوسط»)
أربيل: شيرزاد شيخاني
لم تأت حكومة إقليم كردستان بشيء من عندها حين أصدرت مؤخرا تحذيرا رسميا بمخاطر تدخين النارجيلة التي أصبحت «موضة» العصر في كردستان وأخذت بالانتشار كالنار في الهشيم. فقد أصبح من النادر أن تجد مقهى أو ناديا في مدن كردستان لا يقدم «النارجيلة» لزبائنه، بل إنها أصبحت مطلوبة حتى من النساء يدخنها في بيوتهن كما أكد لنا أحد الباعة بمدينة أربيل.

ويبدو منظر الشباب الجالسين على مقاهي أرصفة الشوارع وهم يمسكون بخرطوم النارجيلة يطيرون دخانها في الهواء، شيئا شبيها بالتفاخر والتباهي قبل أن يكون انتشاء بعبق الرائحة الطيبة المنبعثة من الدخان، حيث يتفنن تجار التبغ في مزجه بروائح أنواع معينة من الفواكه، أو حتى بخلطه بالعسل.

فقد امتثلت حكومة الإقليم بالتحذير الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية من خطورة التدخين بواسطة «النارجيلة» على اعتبار أن مادة النيكوتين التي تنجم عن تدخينها في جلسة واحدة تعادل تدخين 30 سيجارة.

وجاء في تقرير عممته المنظمة على الدول الأعضاء فيها، أن تدخين النارجيلة فيه كل مسببات الإصابة بأمراض السرطان والسل والتهاب الكبد الوبائي، نتيجة تعاقب الأفواه على فوهة خرطوم النارجيلة الواحدة. وأكد التقرير أن الاعتقاد بأن تدخين النارجيلة أقل خطرا من تدخين السجائر غير صحيح، بل هي أشد ضررا نتيجة ابتلاع دخان النارجيلة ممزوجا بدخان الفحم المستخدم في إشعال النارجيلة.

لذلك دق وزير صحة كردستان ناقوس الخطر، معلنا أن وزارته منهمكة حاليا في إعداد مشروع قانون لمنع تدخين النارجيلة، وهذا ما أحزن محسن محمد، صاحب محل متخصص في مدينة أربيل في بيع النارجيلة وتبوغها وما يتبعها من مستلزمات.

القانون المقترح حتى لو صدر فإنه لن يمنع تدخين النارجيلة إلا في المرافق العامة أو الأماكن المغلقة كما القانون الخاص بتدخين السجائر. وهنا شعر محسن بنوع من الارتياح والاطمئنان، ففتح شهيته للحديث مع «الشرق الأوسط»، وأشار إلى وجود إقبال شديد من الشباب على شراء النارجيلة، بل إنه زاد بالقول «كيف يمنعونها وهناك هذا الإقبال الكبير عليها من قبل الفئة الشبابية؟». وأضاف «صدقني بأن ثلاثة من الشبان جاءوا قبل يومين إلى محلي وعندما أبلغتهم بأن الحكومة بصدد منع تدخين النارجيلة، استشاطوا غضبا، وهددوا بأنهم سوف ينقلبون على الحكومة إذا أصدرت قانونا يمنع تدخينها»!. وأوضح محمد «طبعا لا تذهب بخيالك بعيدا إلى حد أن تتوقع منهم أن يفجروا أنفسهم، بل كان مقصدهم أنهم لن يصوتوا لحزب السلطة إذا ما أصدر هذا القانون كما أكدوا لي ذلك».

ويبدو أن عشق هؤلاء الشبان الثلاثة يشبه عشق الشاعر الشيخ معتصم بن محمد الذي ألف قصيدة حب في النارجيلة ومطلعها:

«اغنم زمانك فإنه لن يدوم إلا ثوانيا.. والمعسل إن لم يكن فما للدنيا من معانيا الشيشة هي صاحبي في حلي وترحاليا.. إن غابت غاب عقلي وقلبي وروحيا لمجلسي هي مؤنس في صبحي وليليا.. ومن طلب العلا سهر اللياليا إن سامرتها وجالستها فمعذر.. فهي لي كمقام قيس من ليليا فإن كانت هي جليسي في مجلس.. فأنا صخرة لا أتزحزح من مكانيا».

والشيشة التي تغنى بها الشاعر هي النارجيلة ذاتها، وهي كلمة فارسية تعني «جوزة الهند» التي كانوا يستعملونها في تدخين التبغ، وسماها المصريون «جوزة»، والبعض يسمونها (شيشة) لأن أهم جزء في النارجيلة يصنع من الزجاج. فيما يعتقد البعض أن النارجيلة وهي الأداة المعروفة للتدخين، مشتقة من كلمة (نارجين) أو( نارجيل)، وهي قشرة ثمرة جوز الهند، وتتخذ هذه القشرة وعاء أو أداة لتدخين التبغ أو ما يسميه البعض «التتن» وهو نبات من الفصيلة النخيلية. وهي تسمى في بادية وريف العراق بالـ«غرشة»، وفي مصر بالـ«شيشة»، وفي سورية ولبنان «أركيلة» وفي اليمن «المداعة» وفي الإمارات «الجذوة».

ويستخدم فيها التبغ المخلط بروائح التفاح والعسل والخوخ وما شابهها من الفواكه الطيبة.

وينتشر تدخين النارجيلة بشكل كبير في مدن الشام ومصر والأردن وبعض دول الخليج، لكنها ظاهرة مستحدثة في كردستان، وقد جاءت كما يبدو من خلال غزو الفضائيات وعروض الأفلام والمسلسلات، فكما يؤكد محمد عبد الله، وهو أحد التجار المستوردين للتبغ الخاص بالنارجيلة، عن مصدره «معظم الأنواع تأتي من الإمارات بالدرجة الأولى ثم سورية والأردن، وقياسا إلى أسعار السجائر فإن أسعار تبغ النارجيلة أقل، ولهذا يشتد الإقبال عليها». ويشير إلى أجود أنواعها وهو «الفاخر» ويستورد من الإمارات. ولفت التاجر إلى أن الحكومة لا تفرض أي ضرائب جمركية على استيراد هذا التبغ، لذلك فإن أسعاره أقل من السجائر، كما أن الإقبال عليه يزداد يوما بعد الآخر، حيث تحول فعلا إلى «موضة شبابية».

وبالعودة إلى محسن صاحب المحل يذكر أن المشترين ليسوا محصورين بالشباب، فهناك رجال من مختلف الأعمار، بينهم وزراء وأعيان وشخصيات اجتماعية كبيرة هم زبائن دائمون. ويضيف «لا بل هناك زبائن من النساء أيضا، يدخن النارجيلة في بيوتهن، وهن عارفات بأنواع التبغ ويشترين دائما الأجود منه».

وأكد «الناس يأتون من أوروبا إلى محلي لشراء التبغ الخاص بالنارجيلة، ولدي طلبات من الكثير من الشباب الكردي هناك، كما أن أجانب يأتون لمحلي لشراء التبغ». وبالفعل لم يطل الحديث بنا حتى دلف المحل أحد الأشخاص من جنسية أوروبية ويتحدث الإنجليزية طالبا نوعا محددا من التبغ المعسل.

وأشار محسن إلى أن «تدخين النارجيلة أفضل من السجائر، لأن النارجيلة لا تستطيع أن تحملها معك أينما رحت، ولذلك فإن تدخينها محدود جدا وفي فترة معينة، كأن تجلس في مقهى لساعة أو ساعتين، أو تجلس في البيت عند المساء، على عكس السيجارة التي تحملها في جيبك أينما حللت، وليست هناك ساعة محددة لتدخينها، ولا أعرف كيف أن النارجيلة توصف بأنها أخطر من السيجارة، فالشخص يدخنها عادة لمرة واحدة ولساعة محدودة، ليس كالشخص الذي يدخن علبة أو علبتين من السجائر يوميا».

ومع انتشار الظاهرة أصبحت معظم مقاهي الشوارع والكازينوهات تقدم النارجيلة للزبائن، ويقول جلال أحمد، وهو صاحب مقهى في أربيل «الطالبون هم من الشباب الذين يرتادون المقهى بعد المساء، ويبقون إلى ما بعد منتصف الليل وهم يدخنون النارجيلة ويتبادلون أحاديثهم». ويشير «لقد أصبح البعض منهم روادا بالمقهى لمجرد وجود النارجيلة فيه، فليست كل المقاهي تقدمها للزبائن، لكني شعرت بأن هناك إقبالا عليها ولهذا اشتريت عددا منها لتقديمها للزبائن الدائمين».

ويقول سيروان (ن) إنه يدخن النارجيلة منذ سنة ونصف السنة، ويريد بذلك أن يترك التدخين، وعندما واجهناه بحقيقة التحذيرات التي تشير إلى أن ضررها يكمن في استعمالها من قبل العديد من الأشخاص قال «أحمل معي مادة مطهرة أمسح بها فوهة الخرطوم، ولذلك لا أخاف من العواقب رغم أنني أعرف بأن هناك من سبقني إلى تدخينها».

وعما إذا تحول تدخين النارجيلة فعلا إلى موضة، قال (ك.س) «نعم تستطيع قول ذلك، لأنها تنتشر، وأصبحت معظم المقاهي تقدمها، ومحلات السوبر ماركت تبيع التبغ الخاص بها، وهناك طلب متزايد عليها، فأنا وصديقاي نرتاد هذا المقهى لمجرد تدخين النارجيلة في المساء».

أما عماد (23 سنة) فيقول «لقد اعتدت عليها ولا أستطيع الاستغناء عنها، حاولت مرات أن أتركها، لكن كلما حضرت إلى هذا المقهى، تغريني روائح الدخان العطرة، فلا أجد مناصا من طلبها».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال