الثلاثـاء 24 ذو القعـدة 1431 هـ 2 نوفمبر 2010 العدد 11662
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

معهد الاستشراق بسراييفو في الذكرى الستين لتأسيسه

محمد الأرناؤوط*

تصادف هذه السنة الذكرى الستين لتأسيس معهد الاستشراق في سراييفو، الذي كان الوحيد من نوعه في يوغوسلافيا السابقة. صحيح أن القسم الأول للاستشراق كان قد افتتح في جامعة بلغراد عام 1926 ورأسه بوسني، هو فهيم بايراكتاروفيتش، الذي أصبح يلقب فيما بعد بـ«عميد الاستشراق اليوغوسلافي»، وأن جامعة سراييفو احتضنت عام 1950 القسم الثاني للاستشراق، كما أن جامعة بريشتينا بكوسوفو احتضنت القسم الثالث للاستشراق عام 1973، إلا أن معهد الاستشراق بسراييفو كان يمثل انقلابا في مفهوم الاستشراق، وأصبح يعبر عما كنا نسميه «مدرسة سراييفو» تمييزا عن «مدرسة بلغراد».

في عام 1974 التحقت بالعمل في قسم الاستشراق بجامعة بريشتينا، الذي كان يضم باعتباره الأحدث زملاء من كل أرجاء يوغوسلافيا السابقة (حسن كلشي، صباحات محمودي، مجاهد أسيموف، راده بوجوفيتش، فتحي مهدي، أسعد دوراكوفيتش، حارث سيلاجيتش... إلخ)، ولكن مع الزمن أصبح أكثر بطابع ألباني بوسني. وفي هذا السياق صحبت مجموعة من طلاب القسم في ربيع 1976 إلى سراييفو لزيارة معهد الاستشراق هناك الذي كان يديره آنذاك المرحوم سليمان غروزدانيتش.

كان المعهد آنذاك مهيبا بكوادره ومكتبته الغنية بالمخطوطات والوثائق ومعروفا بمجلته «إسهامات في الفيلولوجيا الشرقية»، التي كانت الوحيدة من نوعها في يوغوسلافيا السابقة والتي غدت معروفة في أوروبا الغربية بتعابير تلك الأيام.

في تلك الأيام، كان المعهد يمتلك واحدة من أغنى مجموعات المخطوطات الشرقية في البلقان؛ إذ إن عددها كان يبلغ 5263 مخطوطة في اللغات العربية والتركية والفارسية والبوسنية بالحروف العربية، وكانت تجتذب الباحثين من كل مكان ويعمل عليها الباحثون في المعهد فيما يقومون به من أبحاث للنشر سواء في مجلة المعهد أو ضمن إصدارات المعهد، التي توزعت على عدة سلاسل. وإلى جانب ذلك فقد احتوى المعهد على نحو ربع مليون وثيقة تتعلق بتاريخ البوسنة خلال الحكم العثماني لبوسنة 1461-1878.

وفي الحقيقة أن هذه الثروة من المخطوطات والوثائق كانت الأساس لتمايز المعهد أو لبروز «مدرسة سراييفو» ضمن الاستشراق اليوغوسلافي، فقد كانت المفارقة أن يمثل البوسني بايراكتاروفيتش الذي نصب كـ«عميد الاستشراق اليوغوسلافي» المدرسة الاستشراقية الأوروبية ذات النزعة المركزية التي تتعامل مع الآخر المغاير (الشرق) كموضوع منفصل عنها. ولكن مع تأسيس معهد الاستشراق في سراييفو نجد أن وثيقة تأسيسه قد جعلته يذهب في الاتجاه المعاكس. فقد نصت وثيقة التأسيس على أن أهداف المعهد تركز على «جمع ونشر المخطوطات الشرقية والوثائق المتعلقة بالبوسنة، ودراسة اللغات العربية والتركية والفارسية وآدابها وتأثيرها في لغة البوسنة وثقافتها، ودراسة ثقافة البوسنة في اللغات الشرقية». وبعبارة أخرى فقد ألغى «الاستشراق البوسني» المسافة بين الذات والموضوع وأصبح يقبل على دراسة التراث الشرقي الموجود في البوسنة باعتباره جزءا من الذات وليس تعبيرا عن الآخر المختلف.

ولأجل ذلك فقد أصبح معهد الاستشراق في سراييفو، و«مدرسة سراييفو» بشكل عام، هدفا للهجوم من قبل بعض المستشرقين الصرب الذين كانوا ينتمون إلى المدرسة الاستشراقية التقليدية أو المركزية الأوروبية. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يشارك بعض المستشرقين الصرب في الإعداد النفسي للحرب على البوسنة عام 1992، وهو ما فضحه الباحث الأميركي المتخصص في شؤون البلقان نورمان تسيغر في كتابه «دور المستشرقين الصرب في تبرير إفناء المسلمين في البلقان» (سراييفو 2000).

ومن هنا لم يكن من المستغرب أن تدخل المدفعية الصربية المحاصرة لسراييفو معهد الاستشراق في قائمة أهدافها «العسكرية» وأن تقوم بقصف مركز له في بداية الحرب (17/5/1992) حوله إلى حطام. وهكذا فقد ضاع في ساعات تراث إنساني من المخطوطات استغرق قرونا لكي يصل إلى ما كان عليه. كان للتدمير الهمجي للمعهد صدى مؤلم ولم أستطع أن أحبس دموعي في ذلك اليوم.

ولكن الباحثين في معهد الاستشراق لم يستسلموا بل اعتبروا أنهم في معركة أخرى لإثبات الذات المستهدفة. ويعترف الصديق أسعد دوراكوفيتش، الذي كان يعمل آنذاك في المعهد، أن أهم إنجازاته العلمية (أول ترجمة بوسنية لـ«ألف ليلة وليلة») كانت تحت القصف وعلى ضوء الشمعة خلال سنوات الحرب 1992-1995.

وقد انتقل العاملون في معهد الاستشراق إلى مقر آخر مع الفتات الذي بقي من القصف الصربي له. ومن هذا الفتات الذي نجا من القصف كان 35 مجموعا من المخطوطات التي تحولت إلى نواة المكتبة الجديدة للمعهد. وفي غضون ذلك قامت خبيرة المخطوطات في المعهد د.ليلى غازيتش بوضع ونشر «فهرس مخطوطات معهد الاستشراق - الأدب» عام 1997 وذلك بالاستناد إلى ما كان قد صور أو ذكر في مجامع أخرى. وبعبارة أخرى فقد جاء هذا الفهرس ليعبر عما كان في المعهد وليشير إلى الطموح باستمرار المسيرة. وبالفعل فقد اهتم المعهد بجمع واقتناء مخطوطات جديدة خلال 1995-2002 حتى أصبحت تستحق أن تفهرس. وهكذا قامت الدكتورة غازيتش بإعداد فهرس جديد للمخطوطات الأصلية الموجودة الآن في مكتبة المعهد ونشرها في 2009 بالتعاون مع مؤسسة الفرقان بلندن. وقد تضمن هذا الفهرس وصفا لنحو مائتي مخطوطة في اللغات العربية والتركية والفارسية والبوسنية بالحروف العربية تشمل مواضيع مختلفة (المصاحف وعلوم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه والتاريخ والأدب... إلخ) تمتد إلى عدة قرون. ففي هذه المجموعة يمتلك المعهد أقدم مخطوطة تعود إلى 822هـ 1419م وهي «شرح أسماء الله الحسنى» لمحيي الدين أبي العباس أحمد بن علي البوني.

في زيارتي للمعهد في 20/10/2010 سررت بلقاء الدكتورة ليلى غازيتش التي تعتبر أقدم العاملين في المعهد بعد أن قضت فيه أربعين سنة من البحث لم تزدها إلا حماسا في العمل، وهي التي ترأس الآن هيئة تحرير مجلة «إسهامات في الفيلولوجيا الشرقية». كانت تخطط للعدد 60 الذي كان يفترض أن يصدر بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس المعهد. في الحديث عن المعهد وهموم العمل، ومن ذلك ضعف التواصل مع المؤسسات الأكاديمية العربية، عبرت بألم عن أن بعض مجامع اللغة العربية التي ترسل أحيانا بعض إصداراتها تقوم بإرسالها إلى العنوان القديم للمعهد الذي لم يعد موجودا بعد تدميره في 17/5/1992، وكأن تلك الجهات لا تعرف ما حدث في البوسنة إلى الآن. فالتحية إلى معهد الاستشراق في سراييفو وإلى كل العاملين فيه الذين حولوه إلى رمز حي لسراييفو وللبوسنة.

*عضو هيئة تحرير مجلة «إسهامات في الفيلولوجيا الشرقية»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال