السبـت 13 ذو الحجـة 1431 هـ 20 نوفمبر 2010 العدد 11680
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عرض المنظومة الداخلية للخلايا الحية عبر تقنيات الرسوم المتحركة المتقدمة

عندما تلتقي السينما مع علم الأحياء.. «الجينات والجاز» سهرة تستخدم أفلاما للخلايا خلفية للعرض

تمنح القدرة على صناعة رسوم متحركة علماء الأحياء فرصة التفكير في الأمور بطريقة جديدة تماما
نيويورك: إريك أولسين*
عندما يفكر روبرت ليو في محطة «نجمة الموت» الفضائية في فيلم «حرب النجوم» لا تكون الفكرة الأساسية في ذهنه عن الفضاء الخارجي، بل عن الفضاء الداخلي؛ حيث قال: «لطالما رأيت أن أول رحلة يغوص فيها ليوك داخل محطة (نجمة الموت) طريقة مثيرة لكيفية استكشاف السطح الخارجي لخلية ما».

لم يتم اختبار هذا المشهد في الواقع بعد، إلا أن دكتور ليو، أستاذ علم الأحياء الخلوي ومدير تعليم علوم الحياة بجامعة هارفارد الأميركية، يقول إن هذه فكرة من ضمن أفكار كثيرة لديه لعرض تصوير مرئي افتراضي لبعض أكثر الأسرار عمقا أمام الجمهور من غير المتخصصين.

ويعتبر ليو من أحد رواد رسوم الجزيئات المتحركة، وهو مجال يتطور سريعا ويسعى لتوظيف قدرة السينما في علم الأحياء. ويعكف العلماء ومحركو الرسوم المتحركة، اعتمادا على عقود من البحث العلمي وأكوام من البيانات، على إعادة تقديم المنظومة الداخلية المعقدة للخلايا الحية بتفاصيل حيوية.

وأنتج هذا المجال جيلا جديدا من محركي الرسوم المتحركة العلماء، يفهم العمليات التي تحدث داخل الجزيء ويجيد استخدام وسائل صناعة السينما القائمة على الكومبيوتر.

تقول جانيت إيواسا، عالمة الأحياء الخلوية التي تعمل حاليا صانعة رسوم متحركة طبية بكلية الطب جامعة هارفارد: «في الواقع، تمنح القدرة على صناعة رسوم متحركة علماء الأحياء فرصة التفكير في الأمور بطريقة جديدة تماما».

وأضافت أنها بدأت العمل بالتصوير المرئي الافتراضي عندما رأت أول جزيء متحرك منذ خمس سنوات، وتقول: «لم يكن الاستماع فقط إلى العلماء وهم يصفون كيف يتحرك الجزيء كافيا بالنسبة لي، وكانت رؤيته يتحرك هي ما جعلته يبدو حيا».

حصلت إيواسا على منحة من مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية لثلاثة أشهر خلال عام 2006 في مدرسة غنومون للمؤثرات المرئية، وهو معسكر تدريبي في هوليوود؛ حيث كانت تعمل على الجزيئات بينما كان زملاؤها – وكلهم من الذكور - مهووسين بصناعة وحوش وسفن فضاء.

واعتمدت إيواسا في صناعتها لرسومها المتحركة على المصادر المتوافرة علنا مثل «بنك معلومات البروتين»، وهي قاعدة بيانات شاملة متنامية تضم إحداثيات ثلاثية الأبعاد لجميع الذرات الموجودة في بروتين ما. ولا تعمل إيواسا في معمل حاليا، إلا أنها تتعاون مع علماء آخرين.

وقال توماس كيرشاوسين، أستاذ علم الأحياء الخلوي بكلية الطب بجامعة هارفارد، ويتعاون كثيرا مع دكتورة إيواسا: «لم يكن كل ما حصلنا عليه من دراسة مجهرية وأشعة إكس وعلم البلوريات أكثر من لقطات. والرسوم المتحركة بالنسبة إلي عبارة عن طريقة لجمع هذه المعلومات كلها معا بطريقة منطقية، فيمكنني من خلالها أن أرى ما هو منطقي وما هو غير منطقي. إنهم يجبروننا على مواجهة فكرة إذا كان ما نفعله واقعيا أم لا». وعلى سبيل المثال يدرس دكتور كيرشاوسين العملية التي تغطي بها الخلايا البروتينات والجزيئات الأخرى، ويقول إن الرسوم المتحركة تساعده على تصور كيفية عمل بروتين له ثلاث قوائم يسمى كلاثرين داخل الخلية.

ويمكن القول: إن درو بري، عالم الأحياء الخلوية الذي يعمل لدى معهد «والتر أند إليزا هول» للبحث الطبي في ملبورن بأستراليا، مثل ستيفن سبيلغر في مجال رسوم الجزيئات المتحركة. ويحظى عمل درو بتقدير وإجلال لدقته وبراعته الفنية داخل عالم الجزيئات الصغير وتم عرضه في متاحف عدة، منها متحف الفن الحديث في نيويورك ومركز بومبيدو في باريس. وعرضت أعماله من الرسوم المتحركة عام 2008 كخلفية لسهرة للموسيقى والعلوم في متحف غوغنهايم تحت عنوان «الجينات والجاز».

وقال بري: «لطالما رسم العلماء صورا لشرح أفكارهم، لكننا نكتشف الآن عالم الجزيء ونستطيع توضيح ما يجري فيه والتعبير عنه، وبهذه الطريقة يزداد فهمنا».

لقد حصل دكتور بري في أكتوبر (تشرين الأول) على منحة زمالة ماك أرثر لعام 2010 التي يقول إنه سيستخدمها من أجل تطوير تصوير مرئي افتراضي يستكشف أنماط نشاط المخ المتعلقة بالوعي البشري.

ويعرف محركو رسوم الجزيء المتحركة الجدد أنهم يبدأون من حيث انتهى فنانون علماء موهوبون. وقد سارعوا إلى الإعراب عن تقديرهم للرواد في مجال رسوم الغرافيك الخاصة بالجزيئات مثل أرثر أولسون وديفيد جودسيل وكلاهما يعمل لدى معهد «سكريبس ريسيرش إنستيتيوت» في سان دييغو.

ولعل أكثر اللحظات أهمية لرسوم الجزيئات المتحركة كانت منذ 4 سنوات عندما أنتج برنامج التصوير المرئي العلمي بقسم الأحياء الخلوي والأحياء الجزيئية بجامعة هارفارد مقطع الفيديو «حياة الخلية الداخلية» بالتعاون مع شركة التصوير العلمي «زفيفو» التي يوجد مقرها في ولاية كونيتيكت. ويتناول المقطع الذي لا يتعدى 3 دقائق كرات دم بيضاء تهاجم الأمراض في الجسم. وعرض في مؤتمر سيغراف السنوي للرسوم المتحركة الرقمية عام 2006 وقد حظي باهتمام إعلامي كبير عند عرضه على موقع «يوتيوب».

آخر مقاطع الرسوم المتحركة التي أنتجتها «بيوفيشينز» هو «تزويد الخلية بالطاقة: ميتوكوندريا» وعرض في أكتوبر الماضي. يغوص مقطع الفيديو في الجزيئات المعقدة الموجودة في خلايانا التي تحول الطعام إلى طاقة. ويأخذ الفيلم، ذو الصورة عالية الجودة، المشاهد في جولة عبر خلال المنظومة الميكروسكوبية للخلية.

تتيح البرامج المتطورة مثل «مايا» لمحركي الرسوم المتحركة خلق عوالم حيوية، لكن لا يعتبر ذلك أمرا ضروريا أو مرغوبا فيه في علم الأحياء. وطورت شركة «ديغيزايم» في بروكلين بولاية ماساتشوستس طريقة يستطيع محركو الرسوم المتحركة من خلالها نقل البيانات من بنك المعلومات عن البروتين إلى برنامج «مايا» مباشرة، بحيث يسهل تحويل وتحريك الكثير من البروتينات التي يتجاوز عددها 63 ألفا.

ويقول جيل ماكغيل، المدير التنفيذي لشركة «ديغيزايم»: إن الوصول إلى هذه البيانات أمر في غاية الأهمية من أجل تحقيق الدقة العلمية. وأضاف: «نقطة البداية بالنسبة إلينا دائما هي العلم». وتساءل: «هل لدينا بيانات تدعم الصورة التي سنصنعها؟».

وبينما تتزايد حماسة الذين على صلة مباشرة بهذا المجال، يشك آخرون في الأوساط العلمية في قيمة هذه الرسوم المتحركة بالنسبة للبحث العلمي. وفي حين يقر بعض العلماء بإمكانية مساعدة هذه الرسوم في تحسين فرضية ما، على سبيل المثال، يقولون: إن التصوير المرئي الافتراضي قد ينحرف مساره سريعا باتجاه الخيال.

ويقول بيتر والتر، المحقق في معهد «هوارد هيوز» الطبي بسان فرانسيسكو: «من الواضح أن بعض الرسوم المتحركة أقرب إلى السينما منها إلى العرض المفيد. قد يصبح من الصعب التمييز بين البيانات والخيال».

وأقر دكتور ماكغيل بأن عرض عمليات الخلية قد يتخلله بعض التخمين؛ حيث يتمتع محركو الرسوم المتحركة بالحرية، فيما يتعلق باللون والمساحة، بالإضافة إلى بعض الخصائص الأخرى من أجل تسليط الضوء على وظيفة محددة أو جزء من الخلية. يقول ماكغيل: «كل الأمور التي نتناولها متناهية الصغر؛ حيث لا تصل إلى طول الموجة الضوئية».

لكنه زعم أن الصور المتخيلة ستزداد أهميتها في عالم يعج بالبيانات، وأوضح قائلا: «في ظل تعقيد متنامٍ وبيانات متزايدة، نحن أمام مشكلة كبيرة».

ومن المؤكد أن صناعة الصور المتخيلة ستلعب دورا مهما في التعليم؛ حيث يدير عالم الأحياء بجامعة هارفارد، إدوارد أوسبورن ويلسون، مشروعا لتطوير الجيل التالي من كتاب الأحياء الدراسي الرقمي الذي سيشتمل على تصوير مرئي معقد كجزء أساسي من المنهج الدراسي. سيتضمن المشروع الذي أطلق عليه اسم «الحياة على الأرض» تصويرا مرئيا افتراضيا من الأشياء الخاصة ببيري وسيكون تحت إشراف دكتور ماكغيل الذي يعتقد أنه قد يغير طريقة تعلم الطلاب لعلم الأحياء. ويقول ماكغيل: «أظن أن التصوير المرئي سيكون مفتاح المستقبل».

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال