الاثنيـن 23 شعبـان 1421 هـ 20 نوفمبر 2000 العدد 8028
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

شواطئ الدلتا المصرية تتراجع أمام البحر ومستوى أرضها ينخفض

«رشيد» أكثر المناطق تضرراً من الزحف البحري ومصدات خرسانية لدفع الأمواج

القاهرة: ضاحي عثمان
منذ ربع قرن تقريباً والأراضي الواطئة في العالم أو المنخفضة نسبياً تعيش سيناريو الرعب، كما يصفه جمهور علماء المناخ الذين يتوجسون من زيادة متوقعة في معدلات درجات الحراة في العالم نتيجة لتعاظم تركيز الغازات حابسة الحرارة في الغلاف الجوي وهو ما أطلقوا عليه ظاهرة: الاحتباس الحراري، أو المستنبت الزجاجي. وهذه الغازات هي ثاني اكسيد الكربون الناتج عن الزراعات الكثيفة والزيادة المطردة في الأنشطة الآدمية ومجموعة أخرى من الغازات الناتجة عن التوسع في عمليات الاحتراق وإزالة الغابات أمثال: الميثان واكسيد البتروز والازوون والملوثات الاخرى. وهو الأمر الذي يؤكده خبير البيئة بالامم المتحدة العالم المصري محمد عبدالفتاح القصاص الذي يوضح بأن هذه الغازات ستؤدي الى حدوث هذا الاحتباس الحراري الذي يعني ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار بضع درجات، مشيراً الى ان التقديرات المتفائلة تقول انها ستتراوح بين 0.5 الى 1.5 درجة مئوية، لكن في تقديرات فريق المتشائمين تتراوح بين 1.7 و4.4 درجة مئوية بحلول منتصف القرن الواحد والعشرين.

ويقول الرئيس التنفيذي لجهاز شؤون البيئة المصري الدكتور ابراهيم عبد الجليل ان هذا الاحتباس الحراري ظاهرة خطيرة ستقود الى تغيرات مناخية ان صدقت ستكون لها آثار كارثية كما يصورها علماء البيئة والمناخ في أسوأ سيناريو قد تشهده البشرية في المستقبل، مشيراً الى ان الكارثة ستبدأ بتحرك الغطاء الجليدي الغربي للقطب الجنوبي بفعل ارتفاع درجات الحرارة لتدخل كمية المياه المخزونة والذائبة من هذا الخزان العملاق الى المحيطات وليرتفع منسوب مياه البحار في تقدير المتشائمين 6 أمتار تقريباً بينما ستتراوح الزيادة وفقاً لفريق المتفائلين بين 20 الى 65 سم بحلول نهاية القرن الواحد والعشرين، وهو الأمر الذي سينجم عنه اغراق المناطق الساحلية في مناطق عديدة بالعالم وتدمير المساحات المنزرعة وزيادة ملوحة التربة وغرق دلتاوات الأنهار.

وقد رشح علماء البيئة والمناخ أكثر المناطق تضرراً في هذه الكارثة بأنها ستكون شواطئ الولايات المتحدة الاميركية ودلتا نهر النيل في مصر، ودولة بنجلاديش والصين والعديد من الجزر المبعثرة في البحار أو المحيطات، مشيرين الى ان فصول الكارثة ستنتهي بحدوث حركات هجرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية من جراء الدمار الذي سيحيق بمساحات كبيرة من الأراضي الواطئة أو المنخفضة نسبياً في العالم حيث ستغدو غير صالحة للزراعة أو السكن. واوضح العلماء ان قائمة الاتهام تشير الى غاز ثاني اكسيد الكربون الذي لوحظ زيادة نسبته من 315 جزءاً في المليون في منتصف القرن العشرين الى ما يزيد على 400 جزء في المليون عند نهاية القرن وان كانت نسبته أقل من 25 في المائة من نسبته الآن في العصر الجليدي الذي لم يمر عليه 10 آلاف سنة، وتشمل صحيفة الاتهام كذلك الفريون وأكاسيد النيتروز والميثان وهي كلها غازات حابسة للحرارة ومسببة للاحتباس الحراري الذي يهدد الحياة على الأراضي الواطئة في العالم.

اختلافات في المنسوب ويؤكد خبير البيئة بالأمم المتحدة محمد عبدالفتاح القصاص ان الدلتا المصرية تتهددها الاخطار التي يتجادل حولها علماء البيئة في العالم شأنها في ذلك شأن دلتاوات الانهار الكبرى التي تتعرض لظاهرة الانخفاض البطيء في مراحل ما بعد استكمال التكوين نتيجة استكمال النظام وتداخل الرواسب التي تكونها، مشيراً الى ان دراسات علماء معهد بحوث الشواطئ بمحافظة الاسكندرية اثبتت من خلال الارصاد البحرية وجود اختلافات في منسوب الأرض بالنسبة لمنسوب البحر الابيض المتوسط، ويبلغ نصف الميليمتر سنوياً في الجانب الشرقي للدلتا وبالتحديد عند منطقة المنزلة، وان هذا الاختلاف في المنسوب بين الدلتا والبحر في الجانب الغربي عند رشيد وادكو والاسكندرية أقل من نصف الميليمتر سنوياً، مؤكداً ان هذا التغيير قد يرجع الى الارتفاع البطيء في منسوب مياه البحر المتوسط والانخفاض التدريجي في منسوب أراضي دلتا نهر النيل.

ويقول استاذ الجيولوجيا بكلية العلوم في جامعة المنصورة الدكتور عادل فريد: «انه وفقاً لما يقرره علماء المناخ فإن الدلتا المصرية ستكون في خطر شديد نظراً لوجود شواهد تاريخية تدل على ان الدلتا تنخفض في القطاع الشرقي انخفاضاً ذهب بمدن معروفة في التاريخ بمواقعها في حوض بحيرة المنزلة الآن وهذه المواقع تحت الماء حالياً، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للقطاع الغربي للدلتا، اي ان الدلتا تتعرض لميل وليس لهبوط متساو».

ويقول خبير المياه والأراضي بالأمم المتحدة الدكتور اسماعيل الرملي ان الملك مينا موحد القطرين في تاريخ مصر القديم أقام مشروعات ضخمة لضبط النيل بأن أقام الجسور المرتفعة غرب النيل وشرقه لضبط ايقاع الفيضان. وفي الزمان الحديث استعان المصريون بالوسائل التكنولوجية فأقاموا القناطر الخيرية ما بين عامي 1843 و1861 ثم تتابعت مشروعات الخزانات والقناطر والسدود ورياحات الري في مصر والسودان حتى استكمل السد العالي ما بين 1960 و1968، مؤكداً ان الدلتا المصرية بنتها الرواسب التي كان يحملها النهر في فيضانه كل عام، وكان البناء أزيد مما تنحره العوامل البحرية من أمواج وتيارات موازية للشاطئ، وكانت الحصيلة هي استمرار بناء الدلتا، وكان ذلك أوضح ما يكون عند مصبي النهر في دمياط ورشيد، ولكن عندما بدأت عمليات ضبط النيل منذ منتصف القرن التاسع عشر ببناء القناطر الخيرية بدأت قدرة البناء تتناقص، بتناقص كميات الرواسب أو الطمي التي كان يحملها النهر الى الشاطئ، وتناقص كميات المياه المندفعة في موسم الفيضان من المصبات نحو البحر، الأمر الذي انقص من قدرتها على دفع مسرى التيار الشاطئي بعيداً عن خط الشاطئ، مشيراً الى ان ذلك يعني وقف قدرة النظام على البناء ومن ثم تعاظم النحر البحري على شواطئ الدلتا مما يعني ان ظاهرة الاحتباس الحراري ان تحققت، حتى ولو وفقاً لتقديرات المتفائلين، ستمثل كارثة حقيقية على مستقبل الدلتا المصرية. وقد تكونت هيئة لمشروعات حماية الشواطئ بوزارة الاشغال والموارد المائية ومعهد لبحوث الشواطئ تابع لمركز بحوث المياه. وتتولى الهيئة تنفيذ مشروعات المواقع المهددة، سواء بالنحر، أو بالغرق، وتنفق عشرات الملايين من الجنيهات سنوياً.

تأكل كبير ويقول مدير معهد بحوث الاراضي والمياه والبيئة التابع لوزارة الزراعة المصرية الدكتور نبيل المويلحي ان الدراسات حول شواطئ الدلتا التي تم الاستعانة خلالها بتقنيات الاستشعار عن بعد قد أوضحت ان المساحات المتآكلة عند مصب النيل في دمياط بلغت 2108 فدادين خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وذلك بمعدل 49 فداناً سنوياً، مشيراً الى ان الدراسات اوضحت ان معدل التآكل عند مصب النيل بمدينة رشيد قد بلغ ذروته مقارنة بسائر الشواطئ المصرية حيث يتآكل منه سنوياً 60 فداناً، وقد بلغت المساحات المتآكلة من المنطقة ذاتها 733 فداناً خلال الـ13 سنة الأخيرة فقط، مشيراً الى ان الدلتا المصرية قد حرمت سنوياً نتيجة ضبط النيل باقامة السدود والقناطر من كمية الطمي سنوياً بحجم مائة مليون طن، كان يحملها النيل، وهو الأمر الذي يزيد من تراجع الدلتا أمام هجمات الأمواج والتيارات البحرية.

وأوضح ان الدراسات التي أجراها فريق علمي مكون من اساتذة الجيولوجيا وعلوم البحار بالجامعات المصرية بتمويل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا قد اوضحت انه على مدى القرن التاسع عشر تقدمت الدلتا المصرية في البحر الابيض المتوسط مسافة تتراوح بين 3 و4 كيلومترات، ولكن مع بداية القرن العشرين وبدء عمليات ضبط النهر ببناء ست قناطر وثلاثة سدود، بدأت الدلتا في التراجع بفعل عمليات التآكل والنحر حيث بلغ متوسط التراجع عند رشيد 60 متراً، وعند دمياط بلغ 30 مترا، وعند بلطيم بلغ 10 أمتار في النصف الأخير من القرن العشرين، مشيراً الى انه بعد بناء السد العالي جنوب مصر سادت عمليات النحر البحري للشواطئ المصرية الشمالية فأحدثت انقلاباً جذرياً في التوازن البرمائي وأصبح التراجع خطراً دائماً يهدد الساحل الشمالي للدلتا، الأمر الذي يهدد بفقدان 4 آلاف كيلومتر مربع من الشاطئ وحتى جنوب البحيرات المصرية الشمالية.

ويؤكد ان عوامل التعرية المختلفة تتسبب في فقدان سطح التربة في الدلتا عموما حتى 3 سنتيمترات سنوياً وهو الأمر الذي يزيد من انخفاض الدلتا في الوقت الذي يتراجع فيه صب ماء النيل في البحر للحاجة الزراعية الشديدة لمياه الري مما يزيد من اندفاع مياه البحر المالحة في أعماق الدلتا فيزيد من مشكلاتها ويهدد صلاحية تربتها الى جانب زيادة التآكل البحري لشواطئها سنوياً مع حدوث انخفاض طبيعي لمستوى الدلتا وهو ما يشكل تحديا كبيرا للعلماء المصريين في ظل توقعات وسيناريوهات الاحتباس الحراري التي تهدد باذابة جليد الدائرة القطبية وارتفاع مستوى ماء البحر وغرق دلتا مصر ومعها العديد من دلتاوات الانهار الكبرى في العالم التي يزيد عددها على نصف عدد الأنهار العالمية البالغ 214 نهراً.

ويقول احمد عثمان رئيس المجلس المحلي لمحافظة البحيرة، التابعة لها مدينة رشيد، ان منطقة رشيد تحظى باهتمام كبير منذ عدة سنوات لحمايتها من النحر البحري وذلك بعمل مصدات خرسانية في خطوط موازية للشاطئ في عمق البحر على بعد 200 الى 400 متر من الشاطئ عن طريق عمل اشكال محددة من الخرسانة المسلحة تلقى بشكل عشوائي لتنظيم خطوط تمثل جبالا خرسانية تتحطم عليها الأمواج والتيارات البحرية بعيداً عن الشاطئ وتحفظ هدوء البحر في الأجزاء المحاذية لاطراف الدلتا المصرية، مشيراً الى ان اطوال هذه المصدات الخرسانية تزيد على 3 كيلومترات بشكل متبادل بحيث لا تشكل حائطاً مستمراً بل متقطعاً لتظل البيئة البحرية المحاذية للشاطئ كما هي دون تغيير حفاظاً على سلامتها، وهو نفس الأمر الذي تم اتباعه بشاطئ لسان مدينة رأس البر بدمياط.

ويذكر رئيس مدينة رشيد مصطفى القاضي ان مساحات واسعة من رمال شاطئ رشيد سحبها البحر في تياراته الشديدة الأمر الذي أدى الى ضياع المصيف الذي كانت تتمتع به رشيد ولكن المصدات الخرسانية أوقفت من هذا النحر ويكاد النحر ينتهي تماماً، مشيراً الى ان هذا التآكل لم يمس الاراضي الزراعية البعيدة أو المساكن لانها بعيدة عن البحر ولكن تمس الشواطئ الجميلة التي يمكن استغلالها سياحيا، لذلك تم وضع خطط تنموية لاستغلال هذه الشواطئ بالشكل الأمثل سياحياً في مشروعات كبيرة لحمايتها من البحر والنحر.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال