السبـت 23 رجـب 1421 هـ 21 اكتوبر 2000 العدد 7998
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فصول من ملحمة الثورة المكسيكية

المؤرخ فرانك مكلاين يكتب سيرة زاباتا ومن خلاله فصول الثورة التي غيرت أميركا اللاتينية

لندن: نامق كامل
من المؤكد ان في تاريخ الثورة المكسيكية (1910 ـ 1920) مواد واحداثاً تفوق ما قدمه خيال منتجي السينما الاميركية في هوليوود. فما زالت الثورة المكسيكية إلى الآن تحمل في طياتها الكثير من التفاصيل المثيرة والمدهشة لم يتم بعد الكشف عنها. اضافة إلى ذلك هناك ايضاً مادة غنية من الحقيقة تكمن في ذلك العنف والتراث الرومانتيكي للثورة حيث انها دفعت فرانك مكلاين مؤلف كتاب «فيللا وزاباتا» إلى ان يطلق على روايته اسم «الالياذة» وان يقارن شخصياتها الرئيسية مع الشخصيات التي وردت في نص الملحمة الاغريقية الأصلي.

يصف فرانك مكلاين المكسيك بانها بلد الغموض والتناقض ثم يحاول في كتابه هذا ان يقتفي اثر الثورة المكسيكية من خلال حياة اهم شخصيتين فيها واكثرهما بروزاً وشهرة: باتشو فيللا واميليانو زاباتا. وفي مقدمته للكتاب لا يخفي مكلاين استعانته احياناً ببليوغرافيا فردريثي كاتس وجون دوماك وكذلك كتاب ألان نايت «الثورة المكسيكية» غير ان مكلاين على خلاف غيره ممن تناولوا الثورة المكسيكية يبدي حساسية شديدة وحذراً كبيراً إزاء بطليه وعالميهما وذلك بسبب ان فيللا وزاباتا هما شخصيتان مختلفتان رغم انهما يشتركان بسمة واحدة وهي عدم رغبتهما بالحكم.

الفلاح القائد كان كلاً من فيللا وزاباتا شخصين بسيطين، ليسا بسياسيين تقليديين. ففيللا هو قاطع طريق بالطبيعة والتطبع لكنه كان يميل جداً ويعجب بالمثقفين امثال مادريو الذي يعتبر الاب الروحي له. كذلك كان فيللا يخفي في داخله بعض الطموحات الخارجه عن طبيعته المكسيكية الشمالية. كانت الثورة تعني اليه معركة ضد الحكومة المركزية الجائرة لاجل تحقيق الحقوق الاقليمية والمحلية. كذلك معروف عنه انه وقع عام 1914م عقداً هوليوودياً خاصاً مع شركة «موتوال» السينمائية بقيمة (25) الف دولار لتصوير كل معاركه تحت ضوء النهار أو اقامة الديكورات وادائه دوره بنفسه. وكانت شهرة فيللا قد شاعت قبل ذلك في كل من اميركا الشمالية والمكسيك باعتباره روبن هوود عصره.

اما زاباتا المتحدر من مدينة موريلون الجنوبية فقد كانت له اهداف وبرامج تقريباً. كان حلمه يتمثل باعادة الأرض المسروقة إلى الفلاحين ولم يكن يقبل اي مساومة على ذلك. وزاباتا هو ابن لفلاح هجين تختلط فيه الدماء الاوروبية والهندية الاميركية وكان يعمل في تربية وبيع الخيول. اعتقل زاباتا لاول مرة عام 1898 وذلك لاشتراكه في عملية احتجاج فلاحي قريته ضد ادارات المزارع التي استولت على اراضيهم. بعد خروجه من السجن استمر زاباتا يمارس اعمال التحريض بين صفوف الفلاحين. في عام 1905م انتخبه اهالي قريته رئيساً لهيئة الدفاع عنهم وبعد نقاشات عسيرة وفاشلة مع اصحاب ادارات المزارع استولى زاباتا ومجموعة من الفلاحين بالقوة على الاراضي التي سرقت منهم ثم وزعوها في ما بينهم.

عام 1910م خسر فرانسيسكو ماديرو وهو صاحب ارض من الشمال الانتخابات لصالح الدكتاتور بورفيريو دياز فهرب إلى الولايات المتحدة الاميركية حيث اعلن نفسه رئيساً ثم دخل بعد ذلك المكسيك ثانية بمعاونة العديد من الفلاحين الثوار. وفي مارس (آذار) 1911 استطاعت جماعة صغيرة تنتمي إلى زاباتا من الاستيلاء على مدينة غواتلا وقطع الطريق المؤدية إلى العاصمة مكسيكو. بعد اسبوع على ذلك استقال دياز وغادر إلى اوروبا بعد ان عين رئيساً مؤقتاً خلفاً له ثم دخل زاباتا ومعه خمسة آلاف مقاتل إلى كورنافاكا عاصمة ولاية موريلوز.عاد ماديرو إلى البلاد ودخل العاصمة مكسيكو مكللاً بالنصر، والتقاه زاباتا الذي طلب منه ان يبذل قصارى جهده للضغط على الرئيس المؤقت لاعادة الارض إلى الفلاحين. في المقابل أصرّ ماديرو على نزع سلاح الفلاحين الثوار وعرض على زاباتا مكافأة يستطيع بها شراء ارض له، فرفض زاباتا هذا العرض وبدأ بنزع سلاح جماعته لكنه توقف في اللحظة التي ارسل فيها الرئيس المؤقت جيشه لمحاربة الثوار.

مرحلة جديدة انتخب ماديرو رئيساً للجمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1911م والتقى زاباتا ثانية ولكن دون احراز اي تقدم أو نجاح. وضع زاباتا وبمساعدة المدرس اوتيليو مونتانو خطة «ايالا» التي تعلن ان ماديرو غير قادر على تحقيق اهداف الثورة وجدد الموقعون على الخطة التزامهم بالثورة ووعدوا بتعيين رئيس مؤقت إلى حين انتخاب رئيس جديد. كذلك اقسموا على اعادة الارض المسروقة إلى الفلاحين من خلال مصادرة الاراضي من ملاك المزارع وتعويضهم عن ثلث مساحة المزارع الأمر الذي رفضه هؤلاء الملاك فهددهم زباتا بانتزاع الارض دون تعويض ورفع شعار «الارض والحرية».

في خضم حملته هذه اخذ زاباتا يوزع الارض التي يتم الاستيلاء عليها بلا تعويض. كان زاباتا يخفي في الواقع تحت مظهره المعروف بالشاربين المتدليين والعينين الباردتين والقبعة المكسيكية العريضة انساناً مفعماً بالعاطفة والحماس وصاحب مفاهيم بسيطة يسعى جاهداً إلى تحقيقها. كان «الزاباتيون» يتجنبون اسلوب حرب العصابات، وكانوا يزرعون ارضهم، فيما بنادقهم على ظهورهم، ينطلقون إلى القتال حيثما تطلب الامر وعند نهاية المعركة يعودون ثانية إلى حقولهم ومحاريثهم. في بعض الاحيان كان زاباتا يجند الآلاف من الرجال المحاربين لقاء دفع رواتب لهم من خلال فرض الضرائب على المدن الريفية وانتزاع المال من الاثرياء.

وحينما تم عزل الجنرال فكتوريانو هورتا وأُغتيل ماديرو في فبراير (شباط) 1913م وصل زاباتا ورجاله عند ضواحي مدينة مكسيكو ورفضوا عرض هورتا للاتحاد معه فأدى ذلك إلى منع هورتا من ارسال كل قواته لمحاربة الفلاحين الثائرين في الشمال ممن شكلوا تحت إدارة السياسي المعتدل فينو سيتانو كارانزا الجيش الدستوري لدحر الدكتاتور الجديد. كان هورتا أضطر في يوليو (حزيران) 1914م لأن يغادر البلاد. كان زاباتا يعلم جيداً ان رجال كارانزا الدستوريين يخشونه. وحينما دُحر هورتا دعا زاباتا الدستوريين لقبول خطته «إيالا» وحذرهم من انه سيستمر في القتال بشكل مستقل حتى تنفذ خطته. في اكتوبر (تشرين الأول) 1914م دعا كارانزا إلى لقاء كل الفصائل الثورية المقاتلة. رفض باتشو فيللا الذي كان يقود اهم جزء من الجيش في الشمال حضور الاجتماع معتبراً مدينة مكسيكو أرضاً عدوة. بعد ذلك انتقل الاجتماع إلى مدينة اوغاسكالينتس حيث حضر كل من جماعة فيللا وزاباتا. وفي الحقيقة فان هاتين الجماعتين تؤلفان الاغلبية الساحقة من المقاتلين. وفي الاجتماع اتفق على تعيين الجنرال أولاليو غويتريس كرئيس مؤقت. رفض كارانزا هذا القرار وانتقل مع حكومته إلى مدينة فيراكروز.

اندلعت الحرب بين المعتدلين (الكارانزيون) والثوريين (الاصلاحيون). ففي الرابع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 1914م امر زاباتا جيشه الذي اخذ يُدعى الآن بجيش تحرير الجنوب ويبلغ تعداده اكثر من خمسة وعشرين الف رجل ـ للاستيلاء على مدينة مكسيكو. بعد اسبوعين على ذلك التقى زاباتا وفيللا عند مشارف العاصمة وزارا القصر الوطني واقسما على ان يحاربا معاً حتى ينصبا رئيساً مدنياً في القصر. كذلك قبل فيللا خطة «ايالا» التي وضعها زاباتا.

في ديسمبر (كانون الأول) 1914م نشبت الثورة في مدينة مكسيكو لكن زاباتا وفيللا اخفقا في ايجاد ارضية مشتركة. أدى هذا الاخفاق إلى نشوب الحرب الاهلية ضد الرئيس المكسيكي غارانزا الذي الحق اخيراً الهزائم الأولى بباتشو فيللا. وهنا يصف مكلاين الطابع الحديث للحرب في اعتمادها على طرق السكك الحديد، الديناميت، البنادق الاوتوماتيكية والاسلاك الشائكة والخنادق وكل ما انتجته الحرب العالمية الأولى ومقارنتها مع ما كان يمتلكه ويتصف به فرسان فيللا.

استحدث زاباتا لجاناً فلاحية لتوزيع الارض، وكان يمضي معظم الوقت في مراقبة اعمالهم لكي يتأكد من انهم لا يمارسون المحسوبية ولا يفسدهم ملاّك الأرض. بعد ذلك اسس أول منظمة للتسليف الريفي. ثم اعاد تنظيم مصنع سكر موريلوز وجعله تعاونياً. كانت الحرب مستمرة. واستولى زاباتا على مدينة يوبلا وكسب عدة معارك وفي عام 1917 قام جنرالات كارانزا بدحر فيللا وعزلوا عنه زاباتا. ثم دعا كارانزا إلى اجتماع دستوري لكنه لم يدع إليه زاباتا. في نهاية الاجتماع تم التصديق على المعاهدة وصدر الدستور وانتخب كارانزا رئيساً للجمهورية.

اثناء ذلك زار زاباتا المبعوث الاميركي وليم غينتس ونشر سلسلة من المقالات في الولايات المتحدة قارن فيها الحالة التي يعيشها القطاع الذي يسيطر عليه زاباتا مع فوضى قطاع الدستوريين حيث كتب يقول «ان الثورة الاشتراكية الحقيقية يمكن ان تجدها فقط بين الزاباتيين» حينما قرئ المقال على زاباتا قال «الآن استطيع ان اموت بسلام. اخيراً انصفونا».

بعد ذلك بفترة قصيرة ادعى كولونيل اسمه يسوع غوجاردو كان يعمل لدى بابلو غونزاليس الذي يقود عمليات قتالية ضد زاباتا انه يريد الانضمام إلى الفلاحين ودبر لقاءً سرياً مع زاباتا في المركز الزراعي في موريلوز حيث تم وضع كمين لزاباتا فامطره جنود كاراتزا بوابل من الرصاص وأردي قتيلاً. بعد ذلك نقل إلى فواتلا وتم دفنه هناك.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال