الاحـد 09 ربيـع الثانـى 1422 هـ 1 يوليو 2001 العدد 8251
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

البحث عن سفينة نوح في قاع البحر الأسود

أحمد عثمان

يقف روبرت بالارد في سفينة كشفية بالقرب من ساحل بلغاريا الجنوبي عند مدخل مضيق البسفور، تأهبا للبحث في اعماق البحر الاسود عن بقايا طوفان نوح (عليه السلام) وبالارد خبير اميركي متخصص في علوم المحيطات وسبق له ان كشف عن حطام السفينة «تايتانيك» الغارقة عام 1985. وسيستخدم الخبير الاميركي وسائل التكنولوجيا الحديثة في بحثه، تتضمن انسانا آليا (روبوت) للغطس، فيه معدات للاضاءة وكاميرات للتصوير.

قصة الطوفان التي وردت في القرآن الكريم والتوراة، لها تأثير كبير على خيال ملايين من الناس وافكارهم في جميع انحاء العالم. ومنذ بداية عصر الكشوفات الاثرية في القرن التاسع عشر، حاول الباحثون التعرف على المكان الذي عاش فيه نوح (عليه السلام). وتأثير الطوفان على الحضارة البشرية واعتقد رائد الفضاء الاميركي نيل آرمستورنج منذ حوالي عشرين سنة، انه عثر على البقايا الخشبية لفلك نوح فوق احدى قمم جبال آرارات بشرق تركيا. الا ان باحثين آخرين اعلنوا ان الموقع الذي استقرت به سفينة نوح لم يكن في تركيا، لكنهم اختلفوا في ما بينهم في تحديد مكان الطوفان أهو بالعراق او ارمينيا او جورجيا. ومنذ ثلاث سنوات ظهر رأي جديد، يؤكد ان طوفان نوح حدث عندما انكسر الحاجز الطبيعي بين البحر المتوسط والبحر الاسود، منذ سبعة آلاف وخمسمائة سنة.

فقد تمكن باحثان اميركيان من العثور على بقايا منطقة سكنية غارقة، عند قاع البحر الاسود قبالة الساحل في شمال تركيا، على عمق 300 قدم تحت سطح الماء، واصدر الباحثان ـ وهما الدكتور وليام ريان والدكتور والتر بيتمان من خبراء جيولوجيا البحار بجامعة كولومبيا الاميركية ـ كتابا بعنوان «طوفان نوح» عام 1998، تضمن ما توصلا اليه من نتائج وحصلت الجمعية الجغرافية الاميركية «ناشيونال جيوجرافيك سوسايتي» على تصريح من السلطات التركية، للعمل في المنطقة الواقعة جنوب البحر الاسود بشمال البلاد.

وبدأ فريق البحث الاثري العمل تحت سطح الماء بقيادة فريدريك هيبرت من جامعة بنسلفانيا قبل سنتين مستخدما سفينة مجهزة بأدوات الجس الالكترونية، وغواصة صغيرة تحمل كاميرات التصوير وتتحرك بنظام تحكم عن بعد (ريموت كونترول) بلا سائق. ولم تمض سوى بضعة ايام، حتى وجد الاثريون اطلال مستوطنة بشرية فيها بناء على شكل مستطيل طوله 15 مترا وعرضه 4 امتار، يعود الى العصر البرونزي منذ نحو سبعة آلاف سنة.

كما عثر في الموقع نفسه على آنية فخارية وألواح خشبية وفروع للاشجار الى جانب هياكل لسفينتين، كلها في حالة جيدة لم تتآكل بفعل البكتريا التي تعيش في الماء. ولقد كان البحر الاسود في الازمنة القديمة عبارة عن بحيرة مغلقة من الماء العذب، ليس لها اتصال بالبحر المتوسط. وحدث ذوبان جليدي منذ سبعة آلاف و500 سنة، ادى الى زيادة كمية الماء بالبحر المتوسط، مما رفع مستوى المياه فحطّم السّد الطبيعي لمدخل المضيق عند اقتحامه للبحر الاسود، مكونا مضيق البسفور.

وعندما اندفعت طوفانات المياه المالحة من البحر الابيض، اتسعت رقعة البحر الاسود نتيجة غرق المناطق الساحلية سواء في تركيا في الجنوب او في روسيا في الشمال. كما غرق الشريط البري الذي كان يربط اوروبا بآسيا الصغرى من قبل. واستنتج رايان وبيتمان ان هذا الطوفان هو الذي ورد في قصة نوح عليه السلام.

طوفان نوح وردت قصة طوفان نوح مفصلة في سورة هود في القرآن الكريم: «ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم. حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل. وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم. وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين. وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين».

ونوح هو الحفيد التاسع لآدم في القصة التوراتية، صنع فلكا من الخشب لما علم بقرب الطوفان: «وحدث بعد السبعة ايام ان مياه الطوفان صارت على الارض.. في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الارض اربعين يوما واربعين ليلة. في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث (ابناء نوح) وامرأة نوح وثلاث نساء بنيه معهم الى الفلك. هم وكل الوحوش كأجناسها وكل البهائم كأجناسها وكل الدواب التي تدب على الارض كأجناسها وكل الطيور كأجناسها وكل عصفور وكل ذي جناح. ودخلت الى نوح اثنين اثنين كل جسد فيه روح حياة. والداخلات دخلت ذكر وانثى من كل ذي جسد كما امرها الله. واغلق الرب عليه. وكان الطوفان اربعين يوما على الارض. وتكاثرت المياه ورقعت الفلك فارتفع عن الارض. وتعاظمت المياه وتكاثرت على الارض، فكان الفلك يسير على المياه.. فتغطت جميع الجبال الشامخة.. فمات كل ذي جسد كان يدب على الارض.. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط وتعاظمت المياه على الارض مائة وخمسين يوما.. وحدث من بعد اربعين يوما ان نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها، وارسل الغراب. فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الارض. ثم ارسل الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الارض. فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها، فرجعت اليه الى الفلك. فلبث ايضا سبعة ايام اخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك فأتت اليه الحمامة عند المساء واذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح ان المياه قد قلت على الارض. فلبث سبعة ايام اخر وارسل الحمامة فلم ترجع اليه ايضا.. فكشف نوح الغطاء عن الفلك ونظر فإذا وجه الارض قد نشف.. فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه. وكل الحيوانات والدواب وكل الطيور كل ما يدب على الارض كأنواعها خرجت من الفلك. (تكوين الإصحاح 7 ـ 8).

جلجامش ويتفق غالبية الباحثين على ان قصة الطوفان حدثت في بلاد العراق، خاصة بعدما تبين لهم وجود تشابه كبير بين قصة الطوفان التوراتية، وقصة طوفان قديمة ورد ذكرها في ملحمة جلجامش البابلية القديمة. فقد عثر رجال الآثار على 12 لوحا في العراق منقوش عليها كتابات اكادية مسمارية يعود بعضها الى القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وعند ترجمتها تبين انها تحتوي على نص ادبي كلاسيكي قديم. وجلجامش هذا ملك متجبر لمدينة ايريخ التي كانت في جنوب ارض الرافدين، تحداه واحد من افراد شعبه المضطهد اسمه انديكو للمصارعة. ولما انتهت المصارعة بين جلجامش وانديكو دون ان ينتصر اي منهما على الآخر، اصبحا صديقين. وخرج جلجامش وصديقه الى غابة لاشجار الارز كان يحرسها تنين جبار، فصرعاه واتيا باخشاب الارز الى المدينة الا ان الآلهة (حسب الاسطورة) غضبت منهما، وصرعت انديكو فأردته قتيلا. واراد جلجامش ان يحصل على سر الحياة الابدية، حتى لا تتمكن الآلهة من القضاء عليه. وهنا تأتي قصة الطوفان. اذا علم جلجامش ان هناك شخصا اسمه اوت نابشتيم استطاع الحصول على الحياة الابدية، عندما تمكن من انقاذ شعبه من خطر الطوفان الجامح. فخرج الملك باحثا عن اوت نابشتيم حتى عثر عليه هو الآخر، فسأله عن قصته. وعند مقارنة قصة الطوفان التي وردت بملحمة جلجامش مع القصة التوراتية، يتبين وجود تشابه كبير بينهما.

فنحن نرى ان اوت نابشتيم يصنع الفلك عندما يعلم بقرب حدوث الطوفان، ويأخذ معه زوجته وازواجا من الحيونات التي تعيش على الارض ويحدث الطوفان نتيجة لاندفاع الماء من تحت الارض ومن السماء، ويرسل نابشتيم طائرا خارج السفينة ليدله على نهاية الطوفان وانحسار الماء. لكن تختلف ملحمة جلجامش مع القصة التوراتية في نقطة واحدة، فبينما تقول القصة التوراتية بأن الطوفان اغرق العالم بأكمله، تذهب الملحمة الى ان بلد نابشتيم وحدها هي التي تغرق، وما ورد في القرآن هو غرق قوم نوح وحدهم.

طوفان أرمينيا من ناحية أخرى ادعى باحث بريطاني اسمه مايكل ساندرز انه وجد مكان برج بابل، في مكان آخر غير العراق. وقال ساندرز انه فحص الصور التي التقطتها الاقمار الصناعية لوكالة الفضاء الاميركية «ناسا» لسطح الارض، فوجد ان بعضها يبين الموقع الحقيقي لبرج بابل الشهير. وحدد موقع البرج في مدينة كاراكوزا بشرق جبال بنطس المجاورة لارمينيا، بالقرب من ساحل البحر الاسود في اقصى الشمال الشرقي للاراضي التركية، لأن اسم «كاراكوزا» معناه «باب إيل» او «باب الوهيم» اي «باب الرب»، وهو نفس المعنى ـ في رأيه ـ لاسم «بابل» فبحسب ما ورد في القصة التوراتية وصل ابناء نوح الى ارض شنعار في بابل بقيادة نمرود، وهناك شيدوا برجا عاليا، الا ان الرب عاقب البشر بسبب هذا البناء الذي كان يحاول الصعود الى عنان السماء، ففرق بينهم وبلبل السنتهم وجعل لغاتهم تتعدد وتختلف فما عاد بعضهم يفهم كلام البعض الآخر.

واعتمد ساندرز على نسخة من التوراة مكتوبة باللغة الآرامية تعرف باسم ترجوم يوناثان، جاء بها ان ارض شنعار لم تكن ببابل وانما كانت في منطقة بنطس في تركيا ولما كانت بنطس هذه هي ذات المنطقة التي يعتقد الباحثون الحديثون ان جميع اللغات الاوروبية خرجت منها، استند ساندرز الى هذا ليدعم صحة ما ذهب اليه بخصوص موقع برج بابل.

كذلك حاول الكاتب البريطاني ديفيد رول، اعادة تفسير نتائج الحفريات الاثرية الحديثة على اساس من روايات الكتب التوراتية. وفي كتاب باسم «اسطورة تكوين الحضارة» وحاول رول الرجوع الى الوراء الى الفترة التي تقع بين قصتي آدم ونوح (عليهما السلام) للبحث عن مكان جنة عدن وبلاد الطوفان. وتوصل الكاتب الى تحديد الموقع الذي وقفت عنده سفينة نوح في مكان آخر غير جبل ارارات. ومع ان ديفيد رول ـ مثله في هذا مثل ساندرز ـ ذهب الى ان برج بابل لم يكن موقعه في بلاد الرافدين الا انه، بعد نقل احداث الطوفان الى ارمينيا، جعل البرج في دولة البحرين بالخليج العربي. وينتهي رول الى ان بني اسرائيل كانوا من سلالة تركمانية جاءت من ارمينيا وان ابناء نوح ـ بعد الطوفان ـ هم الذين هاجروا الى مصر وصنعوا حضارتها، وكانوا هم الفراعنه الذين حكموها. وينسب اليهود انفسهم الى اصل عبراني سامي، نسبة الى عابر بن سام بن نوح عن طريق ابراهيم، وهم من سلالة سامية جاءت من جزيرة العرب.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال