الجمعـة 01 جمـادى الاولـى 1423 هـ 12 يوليو 2002 العدد 8627
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المطربة المغربية المعلومة بنت الميداح: شتموني في البداية .. ثم مدحوني

الرباط: «الشرق الأوسط»
نشأت الفنانة الموريتانية المعلومة بنت الميداح في أسرة فنية عريقة، فكان والدها المختار ولد الميداح من أوائل المؤسسين لنظام التناسق اللحني بين الكلمات المنشدة باللغة العربية الفصحى والمقامات المحلية، التي أداها كبار المنشدين والمطربين الموريتانيين، حين تغنوا بقصائد حسان بن ثابت وبقصائد الفخر لكبار الشعراء العرب ثم قصائد نزار قباني وغيره الغزلية . اكتسبت المعلومة منذ حداثة سنها ملكات الانشاد وأداء أصعب الألحان، كيف لا وقد رضعت لبن التطريب والعزف على الآلات من ثدي والدتها سليلة أسرة «أهل بوبان» المعروفة بتمرسها وتخصصها في العزف على الآلات الوترية من «التدنيت» ثم «آردين» فالآلات الوترية الحديثة. وكانت المعلومة وهي في السادسة عشرة من عمرها تطرب لما يتناهى الى مسمعها من أغاني عربية أو غربية من ذوات الايقاع السريع، فتمنت في قرارة نفسها لو تنجح يوما في التأسيس لتوجه جديد يخرج الأغنية المحلية من طابعها التقليدي لتأخذ شكلا ومضمونا مختلفين أكثر قربا من الواقع الذي اختلفت ايقاعاته وتعددت ألوانه التعبيرية والجمالية.

التقت «الشرق الأوسط» في الرباط بالفنانة الموريتانية لتحدثها عن «مدرستها الفنية» وعن «نادي أصدقاء المعلومة» وعن اهتماماتها الفنية المتنوعة ومشاريعها المختلفة داخل موريتانيا وخارجها، نعرض لها في حوارنا التالي معها:

* ساهمت نشأتك في أسرة فنية عريقة في صقل مواهبك، واستطعت في وقت وجيز تسجيل اسمك في قوائم الفنانين والفنانات الذين اقتصر دورهم في الماضي على التغني ببطولات قبائل العرب المحاربة والتأريخ للأحداث الكبرى وحتى في التفاخر بالأنساب والألقاب وبالانتماء.. كيف تقيمين دور «ايكاون» ( طبقة الفنانين) في العصر الحديث و ما هي امتداداته؟

ـ توزع الفنانون على القبائل العربية المحاربة ـ كما تفضلت ـ واقتصر دورهم في التغني ببطولاتها وأمجادها، فسميت الأغاني بأسماء قادة وشيوخ القبائل كـ»أولاد امبارك» و»أولاد أحمد بن دمان» بل وأطلقت أسماء الخيل والفرسان على أهم ما قيل في أغراض الحماسة والفخر وتخليد الانتصارات، فكان «ايكاون» الضمير الناطق والمسجل لحياة القبائل العربية هاته على غرار ما سمعنا عنه وقرأنا في التاريخ العربي القديم. والى جانب دورهم التاريخي ودورهم في المحافظة على التراث وحفظه، لم يغفل الفنانون قط دورهم التطريبي، فاجتهد الفنانون ومنهم أجدادي في تحسين الأداء ان على مستوى الشعر أو مستوى الألحان فاستحدثت مقامات جديدة وتم تطوير أخرى.

ولن يبتعد دور الفنانين في العصر الحديث عن ما كانوا يقومون به وان اختلفت الوسائل والطرق، فمع تأسيس الدولة الحديثة انصرف المطربون والشعراء للتغني بالأعياد الوطنية والتعبير عن ضمير الأمة ومطامحها، كما انصرفوا لتحديث عطائهم الفني وتطويره لمسايرة العصر ومستلزماته.

* أين أنت من هذه اللجة الفنية التي تعددت فيها الأسماء سواء داخل موريتانيا أو خارجها. حدثينا عن مشروعك التحديثي الذي أثار عليك انتقادات شديدة من النقاد وكذلك من بعض زملائك الفنانين والفنانات؟

ـ من واجبي اثارة انتباهك الى أنني ما زلت أعتبر نفسي في بداية الطريق، والحديث عن مشروع فني أقوده شخصيا، هو كلام أقدر أنه أكبر مني بكثير. صحيح أنني حاولت التأسيس لتوجه جديد في الأغنية الموريتانية، ونجحت فيه الى حد ما، ولكنني أحسب أن الطريق كما لم يكن سالكا في الماضي، قد يكون كذلك في المستقبل.

لقد حاولت مع بداية 1986 ادخال بعض التعديلات على جسم الأغنية، كلمات ولحنا، مع تحري بعض الدقة ما أمكن، ومع الحرص كذلك على المحافظة على الهوية العربية والافريقية لبلدي بايقاعاتها ومقاماتها الأخاذة.

* هي ذي بعض ملامح مدرسة المعلومة الفنية، أليس كذلك؟

ـ ليس بالضبط. لأن الحديث عن المدرسة قد يكون سابقا لأوانه، وقد لا أعيش تحقيق هذا الحلم الكبير الذي راودني منذ نعومة أظافري. لقد لاقى مشروعي الجديد الكثير من الانتقاد، سواء من الصحافة ـ وكانت حينها الصحيفة الوحيدة (الشعب)، تمطرني سبابا في هذا العدد، ومديحا في العدد الآخرـ وكذلك من النقاد ومن بعض زملائي الفنانين من المحافظين.

وفي ذات الوقت كانت أصوات لأساتذة الجامعة وللطلاب ترتفع مساندة لهذا المشروع الطموح، بل أعلنوا تأسيسهم لناد أسموه « نادي أصدقاء المعلومة» لنصرة التوجه التحديثي الذي قدته باصرار، فحققت الانتصارات تلو الانتصارات حتى أصبحث أمثل بلدي في جل المهرجانات الجهوية منها والدولية، وأصبح الاقبال كبيرا على أغاني التي أختار كلماتها بدقة وأصوغ لها الألحان التي أراها مناسبة لذوق الجمهور المحلي والعربي والأجنبي.

* ماذا يميز المعلومة عن غيرها من الفنانين والفنانات الموريتانيين والعرب؟

ـ بذلت مجهودا لأكثر من عشر سنوات أبحث في خزائن التراث العربي والاسلامي والافريقي عن شيء يمكن أن يميزنا عن غيرنا، خصوصا حين ندمج هذا الثراء والتنوع الثقافي والفني الذي حبانا الله به دون سوانا.

لقد مزجت بين المقامات العربية والافريقية في ألحاني، واخترت من الكلمات المنظومة باللهجة «الحسانية» المحلية الأقرب الى الفهم، وعمدت لاستعمال الآلات والمزج فيما بينها، وهو مجهود يتطلب دربة وتمكناً ربما أتميز بهما عن غيري.

حاولت جهد استطاعتي تقريب الأغنية الموريتانية من الجمهور العربي، الذي عبر لي في أكثر من مناسبة عن امتنان واعجاب أكاد ألمسه في حلي وترحالي وفي زياراتي للبلدان العربية والأجنبية.

صابرة وصادقة مع نفسي ومع جمهوري، هي ذي أنا وسأظل كذلك ما حيت.

* الأغنية قادرة على التعبير عن ضمير الأمة، الى أي حد استطاعت الفنانة المعلومة ترجمة أحاسيسها الانسانية في انحيازها وتبنيها لقضايا شعبها وأمتها؟

ـ دعني أولا أبتدئ من موطني لأقول انني كنت من الأوائل الذين جهروا صراحة بمشاكل المحرومين والمظلومين في موريتانيا في الوقت الذي كانت فيه الأصوات المنادية باقرار العدل والديمقراطية قليلة بل ومنعدمة.

لقد غنيت للحرية وللتعددية ولحقوق الانسان ومحاربة التمييز والعنصرية ضد الأقليات الزنجية، كما غنيت للتضامن وترسيخ قيم الأخوة والمساواة الى غير ذلك من القيم النبيلة التي ما أزال أدافع عنها. وبقدر احترامي للمسؤولين في بلدي، بقدر اصراري على الدفاع عن المواطنين والعامة من أصحاب الحقوق، لأنني لا أضمر قناعتي بأن وطني وشعبي يستحق وضعية ومستوى عيش أحسن مما هو عليه الآن، وستكون رسالة مني صادقة لأولياء الأمور في موريتانيا ليعملوا ما استطاعو حتى يتبوأ المواطن في كل المحافظات المكانة اللائقة به بكرامة وكبرياء.

* وماذا عن قضايا الأمة العربية، وما تتعرض له من هجومات تهدد وجودها ومقدساتها بل وكرامتها؟

ـ في هذا أيضا كنت حريصة دوما كغيري من الفنانين والفنانات في موريتانيا على تسجيل حضوري. وسأعود بك الى سنة 1986، حين خصصت ريع أول حفلة عمومية لي في العاصمة الموريتانية لدعم نضال شعبنا في فلسطين، وكانت السهرة تحمل شعار»جيل الغضب».

غنيت لفلسطين، كما غنيت للانتفاضة الباسلة التي انطلقت شرارتها الأولى ستة 1987، وغنيت أيضا للتضامن مع شعب العراق الذي تعرض لهجمة شرسة توجت بالحصار المستمر الذي أتى على كل شيء. الفنان سيظل مرتبطا دوما بقضايا أمته، ولا يمكنه أبدا العيش في برج عاجي ينتظر غيثا من السماء أو الهاما يأتيه من كوكب آخر. وبمناسبة الهجوم الهمجي الأخير على المقدسات في فلسطين، غنيت للشهيد محمد الدرة، وشاركت في عمل فني كبير يحيي بسالة أطفال ونساء وشيوخ فلسطين.

* أسألك عن انحصار اشعاع الأغنية الموريتانية في بعض السهرات والمهرجانات التي تنظم في هذا القطر أو ذاك. هل يمكن الحديث عن أزمة في التواصل أو عن غياب استراتيجية تسويقية للفنانين الموريتانيين واضحة المعالم قمين بالتعريف بابداعاتهم الفنية؟

ـ الاثنان معا.. ودعني أؤكد لك أن عدم تشجيع الحكومة والوزارة الوصية للفنانين والمبدعين الموريتانيين من أهم أسباب انحصار المنتج الفني في موريتانيا عامة محيط ضيق.

يقولون أن بلدنا بلد المليون شاعر، الا ان أحدا لا يعرف عن شعرائنا الا النزر القليل، وبدرجة أقل فنانينا ومبدعينا. وأرى في هذا الباب ان على الحكومة ان تبذل مجهودا لمساعدتنا على التواصل مع غيرنا، كما على منتجينا العرب ان يطردوا عنهم فكر استعصاء الأغنية الموريتانية على الفهم، والتوجه للترويج لما أسميه شخصيا بالفوازير المغناة في «كليبات» تختار لها الوجوه الحسنة والمناظر الخلابة التي لا أرى رابطا بينها وبين كلمات الأغنية في كثير من الأحايين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال