الاحـد 21 رجـب 1423 هـ 29 سبتمبر 2002 العدد 8706
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فتحية العسال: أخيرا .. فهمت سبب طلاقي

سيرة ذاتية بجزأين منذ المظاهرات المصرية ضد الاستعمار الإنجليزي حتى تجربة التعليم الذاتي

د. شيرين أبو النجا
تعتمد فتحية العسال الصدق منذ اللحظة الاولى للكتابة، فهي تعلن أنها ترددت كثيرا في البوح: «عن الاحساس بالمهانة لما حدث لي في طفولتي ومراهقتي، بفعل التخلف الذي كان سائدا»، حتى واجهتها ابنتها بالازدواجية المتمثلة في ادعاء التحرر والهروب من كتابة التجربة الشخصية. وربما كان هذا الادراك هو أحد دوافع كتابة السيرة. الكتابة ـ إذن ـ هي أحد أشكال التطهر النفسي عبر القاء التجارب على الورق وعبر التأكيد لذواتنا أننا لا نخجل منها، فيتحول العبء النفسي الى تجربة حياتية شكلت الرؤية وصاغت الأحداث.

كنت بجانبها على المنصة في قصر ثقافة اسيوط منذ عدة سنوات وذلك بمناسبة الاحتفال بيوم 16 مارس (آذار)، يوم المرأة المصرية، وكانت تتحدث عن قوة المرأة العادية والبسيطة والفلاحة، وعندما رشحت نفسها للانتخابات لم يتغير خطابها. وعندما شاركت في برنامج تلفزيوني بقناة الجزيرة كانت تتحدث بنفس الرؤية وذات المفردات، مشيدة بنفس المرأة البسيطة. هذه هي فتحية العسال ـ المناضلة التقدمية ـ التي ظلت متسقة مع ذاتها طوال الوقت، لم تتغير ولم تحد عن المسار. وعندما اتجهت الى التعبير باللغة الفنية كانت تتحدث عن نفس قوة الارادة الكامنة في نفوس النساء، فكتبت «هي والمستحيل»... نساء فتحية العسال لا يعرفن المستحيل ولا يستسلمن له، فهل هي تشبه نساءها أم أن هؤلاء النساء يشبهونها؟ هي وهن والمستحيل.

هذه الايام صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب الجزء الأول والثاني من السيرة الذاتية لفتحية العسال بعنوان «حضن العمر».. واذا كانت السيرة الذاتية هي احدى الانواع الادبية التي تلقى ترحيبا خاصا لان الكاتب يقدم فيها خلاصة التجارب بحلوها ومرها، فإن السيرة الذاتية التي تكتبها النساء لا بد أن تلقى ترحيبا مضاعفا، اذ نعيش في واقع لا يعترف بخصوصية تجربة المرأة في الحياة عموما وفي النضال خصوصا، كما انه واقع لا يرحب كثيرا بحكي النساء. حياة فتحية العسال ليست حياة عادية، فهي حياة حافلة مزدحمة على المستويين: الخاص والعام، حياة عاصرت فيها المظاهرات المصرية ضد الاستعمار الانجليزي وأكملت مسيرتها بالتعلم الذاتي حتى اصبحت من أبرز الكاتبات.

إلا أن الكاتبة ـ ايضا ـ ومنذ البداية ـ لا تتشح برداء العنترية وتعلن انها سوف تكتب كل شيء، بل تأسيا بفدوى طوقان «هناك أشياء عزيزة ونفيسة، نؤثر أن نبقيها كامنة في زوايا ارواحنا، بعيدة عن العيون المتطفلة». هناك ـ اذن ـ ذاكرة انتقائية تعيد ترتيب واختيار الاحداث بشكل يمنح النص أدبيته، إنها الذاكرة التي تعيد صياغة حبكة الحياة ليعاد تشكيل صورة الذات، فتبدو الذات التي هي متشرذمة في واقع الامر وكأنها ذات متماسكة في النص. وهي ذاكرة تحكي الماضي في لحظة الحاضر، فهو حكي مغترب عن زمنه مرتين، الاولى بفعل اختلاف الزمن، والثانية بفعل تأويل الاحداث عبر التذكر. الذات المحكى «عنها الآن» لم تكن هي نفسها ساعة وقوع الحدث، الانسان لا ينزل النهر مرتين، وقياسا على ذلك فإن استرجاع الاحداث لا يعني أبدا استرجاع الزمن كما كان، بل استرجاع روحه.

* أزمنة متقاطعة

* يتناول الجزء الاول الفترة من 1933 «تاريخ ميلاد الكاتبة» وحتى عام 1953 «عندما اعتقل زوجها عبد الله الطوخي». تحكي الكاتبة عن تكوينها النفسي وتكثف الاحداث التي وقعت لها بوصفها طفلة ومراهقة منتمية لجنس النساء، فقد مورس عليها مختلف اشكال القهر تارة باسم التقاليد وتارة باسم الشرع وتارة باسم المفروض. فبرغم ان العسال كانت تنتمي الى عائلة متوسطة إلا إنها حرمت من التعليم في المرحلة الابتدائية ووضعت تحت رقابة شديدة من قبل اخيها حسني، الذي قام بقص خصلة من شعرها ذات يوم عقابا لها على الوقوف امام النافذة، كما انها لم تفلت من قبضة يده عندما شاهدها ذات يوم تسير في احدى المظاهرات المناهضة للاستعمار الانجليزي «وهي واقعة تتقاطع مع ـ الباب المفتوح ـ للكاتبة لطيفة الزيات» (هل تتناص تجارب النساء بشكل ما؟). تظهر قوة ارادة العسال عندما تصمم على تعليم نفسها وتبدأ في كتابة قصص بتشجيع من والدها ـ وهو ما يجعل الأمر مفارقا، ينتهي الجزء الاول باعتقال عبد الله الطوخي عام 1953 بوصفه منتميا ـ مناضلا بالاحرى ـ الى الحزب الشيوعي. في كل هذه الاحداث التي تقدم بوصفها سردا مطعما بالحوار ـ تتقاطع لحظة الانفصال الذي وقع بين العسال وزوجها عام .1982 وكأن العسال تدفع بالسيرة كلها تجاه تفسير سبب هذا الانفصال، فيتحفز القارئ لاكمال الاجزاء بنهم آملا ان يصل الى تلك اللحظة. هناك اذن ثلاثة ازمنة متداخلة: زمن المراهقة والزواج والزمن الحاضر «لحظة الكتابة» ولحظة الانفصال (1982). توظف الكاتبة هذه التقاطعات الزمنية عبر تداخل المشاهد والايقاع السريع مما يكثف حالة التدفق الشعوري وزخم الصور. واللافت للنظر هو التشابه بين انتقال المشاهد وايقاعها وبين مشاهد الدراما «التي تخصصت فيها الكاتبة». القطع سريع وكأنه مرسوم على خشبة المسرح، في حين ان ايقاع لحظة الانفصال بطيء وثقيل مما يعكس الحالة النفسية والمزاج التأملي للكاتبة آنذاك.

لا يفوت الكاتبة ان تتأمل ـ بعد مرور الزمن ـ المفاهيم التي رسخت في ذهنها منذ الصغر عن مفهوم «الشرف»، وهو احد دعائم شرعية ممارسة القهر على النساء. فالشرف هو «تبييض الشاش» ليلة الزفاف وغير ذلك من الممارسات التي ما زالت معروفة حتى اليوم مثل الختان. تهدم العسال شرعية المفهوم بأكمله عندما تحكي قصة صديقتها انيسة التي لم تتزوج ممن تحب، وأجبرها اهلها على الزواج برجل آخر، فكان شرفها في ليلة زفافها هو شرف الكتكوت «أي دم الكتكوت»، تكشف هذه الواقعة ـ رغم الكوميديا الظاهرة ـ عن مأساة مجتمع يتواطأ جميع اطرافه لتحقيق مفهوم الشرف ولو شكلا. ولا تنكر الكاتبة انها استفادت من كل هذا المخزون في كتابتها المسرحية في ما بعد، هذه النظرة النقدية وان كانت تعبر عن وعي مكتمل الا انها ايضا تعبر عن ثقة الذات في رؤيتها، وعدم خجلها من افكار وتقاليد عاشت فيها مع اسرتها.

* الحاضر الماضي

* في الجزء الثاني من سيرة العسال يتقاطع الحاضر مرة اخرى مع الماضي. فقد قام اتحاد الكتاب بتكريم عبد الله الطوخي بعد رحيله عن دنيانا، وقرأت ابنته صفاء الطوخي جزءا من سيرته الذاتية «سنين الحب والسجن» وهو الجزء الذي يتذكر فيه اول ليلة قضاها في سجن مصر «قضى هناك سنتين». يدور الجزء كله عن حياة العسال اثناء اعتقال زوجها، فكأنها تواجه العالم لأول مرة بمفردها (1953 ـ 1955)، تتخلل هذه الفترة ايضا تداعيات لحظة الانفصال (1982)، مما يجعل الجزء بأكمله توثيقا لبداية نشأة عدة علاقات تاريخية، وبداية انخراط الكاتبة في النضال الجماهيري، إذ اصبحت مسؤولة عن لجنة العائلات التي تتابع اخبار ذويها المعتقلين، وهي لجنة مكونة في اغلبها من امهات المعتقلين، كما انها اصبحت ايضا حلقة الوصل بين السجن والخارج (لم تعرف هذا الا بعد مرور وقت)، ومن ثم انخرطت في الحياة الحزبية السرية حيث كان زكي مراد هو مسؤولها الحزبي وبعد اعتقاله حل صلاح حافظ محله، وساهمت سعاد زهير في عملية تثقيفها سياسيا. وشاركت في المظاهرات التي تنادي بالغاء الاحكام العرفية، وتوجهت الى محمد نجيب (الرئيس آنذاك) لتطالب بتعميم المعاملة (أ) على المعتقلين وفي النهاية ألقي بها في تخشيبة قسم المطرية أربعة عشر يوما بمفردها مع طفلها الرضيع ايهاب.

يموج الجزء الثاني بأحداث عامة، شاركت فيها العسال وبأحداث خاصة مثل علاقتها بأسرتها وبوالدة زوجها، كما يموج بأسماء مناضلين ومناضلات مثل عبد الرحمن الخميسي، فوزي حبشي، ثريا حبشي، زكي مراد، سعد زهران وغيرهم الكثير. وبرغم اعتقال الطوخي لم تتمكن العسال من رؤيته وتبادل الرسائل معه الا عبر المعلمة «جمالات كنكن» التي كان زوجها المعلم كنكن مسجونا على ذمة قضية مخدرات. ساعدت المعلمة جمالات العسال خارج السجن وساعد المعلم كنكن الطوخي داخل السجن عبر تسهيل تبادل الرسائل. يعد دخول شخصية جمالات كنكن في نسيج سيرة العسال بمثابة هدم للصورة النمطية السلبية التي نقولب داخلها شخصية المعلمة جمالات. جمعت المحنة بين فتحية وجمالات في لحظة صادقة منزهة عن كل غرض ومتجاهلة لكل الفوارق، مما يبرر ايمان العسال الشديد بالبشر في ما بعد.

لا يفوت العسال في استرجاعها للاحداث ان توجه نقدا ذاتيا للحركة السياسية الشيوعية آنذاك، وهو نقد لا يمس الرؤية السياسية بقدر ما هو موجه للرؤية الانسانية والسلوك المصاحب لها: «في الايام دي كانت حاجة بتأذي مشاعري.. حملة الاعتقالات كانت فيها أحزاب ومنظمات متعددة. وكل حزب وكل تنظيم له توجهه السياسي الفكري. وطبعا كانت بتحصل بينهم بعض المشاكل جوا السجن، لكن الصعب والأصعب جدا ان المشاكل دي تنعكس على العائلات بره». ايضا، لا يفوت العسال ان تتحدث عن موقف الرجل التقدمي من المرأة ـ وهو ما يؤكد خصوصية تجربة المناضلة ـ إذ كانت تعتقد أنهم ملائكة، ثم اكتشفت انهم «بيتكلموا في السياسة حلو قوي ويتكلموا في الثقافة أحلى وأحلى، لكن للأسف جواهم معفنين تجاه المرأة بالتحديد». وهي نبرة ورؤية تعيد الى الأذهان كتاب أروى صالح «المبتسرون» الذي روت فيه تجربتها ووصلت الى هذا الرأي الذي اثار حفيظة الكثيرين. لكن العسال لا تدين هكذا دفعة واحدة ولا تعمم بشكل خاطئ، اذ تستطرد قائلة: «طبعا الرجالة مش حاجة واحدة. لاني قابلت كمان الراجل الواعي الشريف المثقف الحقيقي، والانسان الحقيقي مش بس تجاه المرأة.. لأ.. وتجاه الحياة كلها».

* جدل الخاص والعام

* من الصعب عرض سيرة ذاتية مثل «حضن العمر» وليس من السهل الحكي عنها، فهي في النهاية سيرة متصلة ومتشابكة، تغوص في مساحات الخاص والعام وتتعامل معهما بنفس الاهمية، فالجزءان كأنهما يلهثان ليلحقا بموضوع الانفصال الذي ربما سنعرفه في الجزء الثالث والاخير. تخوض فتحية العسال منطقة شائكة لتكتب وتنزع كل ما يثقل الروح وهي تفعل ذلك بحرفية شديدة، فالمسألة ليست مجرد بوح أو فضفضة بل هي رسم لدراما حياتية باللغة العامية المصرية مما جعل الحوار يتمتع بمصداقية. فتحية العسال تبحث عن المستحيل: «عايزة اعرف انا حرة صحيح، ولا بادعي الحرية؟».

* كتابتي للسيرة هي إحدى وسائلي لتفسير طلب الطلاق من زوجي

* فكرت ان اشارك فتحية العسال السؤال عبر تحويل كل ما لدي من ملاحظات الى اسئلة، فالاجابات المباشرة احيانا ما تكون افضل من التحليل والتفكيك ثم اعادة التركيب.

* هل تصورت سيرتك الذاتية كشكل أدبي؟

ـ لعدة سنوات فكرت ان اكتب عن ذاتي بضمير الغائب وأن استخدم اسماء مستعارة كنت خائفة ولكنني في النهاية اكتشفت انه لا يصلح ان اكتب بغير لساني وبالأسماء الحقيقية. اتخذت في مقابل الخوف قرار الصدق، أن اكتب عن كل الوقائع وكل الاحداث مع مراعاة وجود أبناء لكل هؤلاء الاشخاص. أخذت قرار عدم المس بما يجرح مشاعرهم.

* بعد حوالي نصف قرن من التحاقك بمنظمة «حدتو» السرية، ما هو تقييمك كامرأة وانسانة للتجربة بأكملها؟ بمعنى اخر، هل تشاطرين أروى صالح رأيها الذي اعلنته في كتابها «المبتسرون»؟

ـ كنا نرى التجربة بأكملها كيوتوبيا رومانسية، تصورنا أن الشيوعيين ليسوا بشرا بل ملائكة. ولكنني ـ مع الاسف ـ دفعت ثمن كوني امرأة، دفعت ثمن اصراري الشديد على أن أظل امرأة وانسانة، رفضت القولبة النمطية التي تفرضها الشيوعيات على أنفسهن كنساء. ما رأيته من سلوكيات سلبية وإهمال للشكل والمظهر وأفكار خاطئة عن النساء يدفعني الى القول أنه اذا أردنا ثورة حقيقية فلا بد من تغيير جذري في التركيبة النفسية «فينا وفيهم».

* تبدو السيرة منذ الوهلة الاولى وكأنها محاولة لتفسير طلبك للطلاق من عبد الله الطوخي، هل هذا حقيقي؟ ولماذا كان تركيزك على الخاص رغم ان سيرتك الذاتية لا يمكنها ان تفلت من قبضة السياسي؟

ـ بالفعل كان قرار كتابتي للسيرة هو احد وسائلي لتفسير طلب الطلاق. كنت اظن ـ بل كنت اعلن ـ ان سبب الطلاق هو خلافنا على معاهدة كامب ديفيد. لكن عندما تأملت التجربة وغصت في اعماقها وجدت انني كنت ارفض سيطرة عبد الله علي كامرأة «ليس كانسانة». خرجت من عباءة وصايته علي وامتلاكه لي بطلب الطلاق. بعد خروجه من السجن وبعد مرور عدة سنوات على انخراطي في العمل النضالي كان يسألني «فين فتحية بتاعة زمان؟»، لم يعترف انني مستقلة. كيف يمكنني أن أمارس الحرية مع رجل غير متحرر من شبح الملكية والموروث. في كتابتي، أو بمعنى أدق، محاولتي لفهم سبب الطلاق، كنت ايضا اكتب عن تجربتي في الحياة النضالية، فأنا لا أرى انفصالاً بين الخاص والعام السياسي. ربما سيظهر ذلك بشكل اوضح في الجزء الاخير.

* اخيرا، أرى انه قرار شجاع منك ان تكتبي بالعامية المصرية، لكن ما الدافع الحقيقي وراء هذا؟

ـ في البداية كتبت جزءا كبيرا باللغة العربية الفصحى، لكنني شعرت بالاغتراب. فكتابتي للمسرح والتلفزيون جعلتني اجيد كتابة الحوار بالعامية. لا أجيد الفصحى ولكنني أحترمها بشدة وأقدسها وأحب جرسها ولذلك لا أتحمل ان أرتكب خطأ واحدا فيها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال