السبـت 11 محـرم 1424 هـ 15 مارس 2003 العدد 8873
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

دعاء موسيقي

خالد القشطيني

مررت في حياتي بلحظات خالدة في سحرها الفني. شهدت مدينة البندقية من البحر عند الغروب. منظر لن انساه. رأيت اولا نوفا ترقص باليه جيسبل على مسرح دار الاوبرا الملكية في لندن. سمعت الجواهري ينشد في الكاظمية ميميته الشهيرة «اتعلم أم انت لا تعلم» سمعت الملا مهدي وبطانته ينشدون المدائح النبوية في تأبين واحد من اسرتي. شهدت الليلة الاولى لمسرحية «المسلي» يقوم بدوره لورنس اولفيه. حضرت حفلة عبد الحليم حافظ في قاعة الالبرت هول. لحظات وسويعات امتلكت كل حواسي. رأيت اوتو كالمبرر يقود فرقة البي بي سي في السمفونية التاسعة لبتهوفن.

سويعات مَن الله بها عليّ. مررت في الاسبوع الماضي بلحظات من هذا الوزن. دعاني صديق عازف في فرقة الاوركسترا الانجليزية الجديدة لسماع حفلة لها في مدينة برستل. وصلت قبل الحفلة بحوالي ساعة. قال لي، جئت قبل الاوان. لم لا تنضم الينا وتشاركنا في عشاء ما قبل العزف؟ لم اكن اعرف ان الموسيقيين يفعلون ما يفعله الجنود قبل المعركة. يأكلون ليعدوا انفسهم للمهمة الشاقة. كان عشاء خفيفا قوامه الساندويشات والسلطة والفاكهة. فيما كنا جالسين حول المائدة نحو خمسين عازفا ومغنيا، وقفت فتاة في سن الصبا وروعة الجمال. رفعت وجهها الى الاعلى. اغمضت عينيها. وراحت تتهدج بصوت هادئ رخيم:

«ربنا الذي في السماء، نحمدك أن اعطيتنا هبة الموسيقى، وعلمتنا كيف نتذوقها، وكيف نعزفها. ربي اعطني القوة والشجاعة عندما سأغني. هب لي صوتا من اصوات ملائكتك الطاهرين. ربي نجني من هفوات النشاز واجعل غنائي تسبيحة حمد لك».

قالت ذلك، ثم انطلقت تغني دورها في الحفلة، تستعيد وتعد نفسها له. لحظات وانضم اليها في الغناء الخمسون عازفا وعازفة في همهمة ساحرة كنسيم يمر بين الشجر.

لم اتمالك غير ان اجد الدموع تحتقن في مآقي عيني.

جلست الصبية لتستأنف الاكل. لحظات وقامت امرأة اخرى «الحمد لك يا رب ان وهبت الموسيقى للانسان، علمتنا ان نغني ونعزف، اعطيتنا الناي والكمان والوتر».

لم تكمل كلماتها حتى عاد العازفون ليهمهموا بلحن آخر مما سيقدمونه. رفع احدهم يده ليضبط لهم الايقاع والسرعة الصحيحة. انطلقت فتاة اخرى بالدعاء والحمد والصلاة...

«المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام والمحبة».

اقترب مني صديقي وهمس في اذني «عليك الآن ان تخرج لقد حضر الكوندكتر».

وقفت وخرجت مذهولا مسحورا بما رأيت وما سمعت. لحظات اخرى اضيفها الى ما اعتز به من اشراقات الفن. خرجت وفي طريقي سمعت الكوندكتر يعطي تعليماته الاخيرة للعازفين كجنرال يزود ضباطه بخطة المعركة. دخلت القاعة واخذت مكاني فيها. تدفق العازفون واحدا بعد واحد. اخذوا اماكنهم المرسومة. رفع الكوندكتر عصا القيادة فدوت اربعة اوباق نحاسية تسجل الضربات الاولى لمقطوعة هاندل وتضج الجوقة بكلمات: «حفظ الله الملك».

عدت الى لندن ورويت ما رأيت للفنانة الزميلة رؤيا غالي. قالت: دعني ابوح لك بسر. هذا ما افعله كلما اقتربت لحظة صعودي الى المسرح لأغني. اختلي مع نفسي في زاوية. اتلو آيات من الذكر الحكيم. اتوجه الى الله بالدعاء ان يجلي صوتي ويقوي عزيمتي ويصون غنائي من النشاز.

آه! ما اصدق ما قالوا. في الفن تلتقي الارض بالسماء ويذوب المخلوق في الخالق.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال