الاربعـاء 18 شعبـان 1424 هـ 15 اكتوبر 2003 العدد 9087
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وفاة الفقيه البصري مالئ دنيا السياسة المغربية وشاغلها

السياسي المخضرم توفي في مستهل عطلة نقاهة وجثمانه يوارى الثرى اليوم بالدار البيضاء

الرباط: علي أنوزلا ومحمد الراوي
توفي فجر أمس في مدينة شفشاون الجبلية (شمال المغرب) السياسي المخضرم محمد البصري الشهير باسم «الفقيه البصري» عن عمر يناهز الثالثة والسبعين. وجاءت وفاته بعد فترة وجيزة من عودته من باريس حيث خضع لعملية جراحية في القلب.

وكان لوفاته وقع المفاجأة،إذ أن الصحافة المغربية الصادرة صباح أمس نشرت برقية تحمل توقيع «الفقيه» تقدم فيها بالشكر لكل الذين آزروه في محنته الصحية الأخيرة، وفي مقدمتهم العاهل المغربي الملك محمد السادس.

وذكرت مصادر حضرت الساعات الأخيرة من وفاته، أن الفقيد، الذي يتوقع أن تجري مراسيم دفنه اليوم (الأربعاء) في مدينة الدار البيضاء، كانت حالته الصحية مطمئنة، وهو يسامر صفوة من رفاقه حتى ساعة متأخرة من الليل.

وأضافت المصادر ذاتها لـ«الشرق الأوسط» أن الفقيه البصري عاودته نوبة قلبية حوالي الرابعة فجرا، قبل أن يسلم الروح بعد حوالي ساعة من ذلك.

ويعتبر الفقيه البصري أحد مناضلي اليسار المغربي وأحد قادة جيش التحرير. ولد في منطقة دمنات (شرق مراكش) وبعد دراسته في كتاب قرآني التحق عام 1944 بمعهد بن يوسف في مراكش، حيث بدأ نشاطه المقاوم للاحتلال الفرنسي. واعتقلته سلطات الاحتلال عام 1954 وتمكن في 1955 من الفرار من سجن القنيطرة.

وبعد الاستقلال شارك الراحل في تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اثر انشقاق عن حزب الاستقلال عام 1959، وتولى إدارة صحيفة «التحرير» الناطقة بلسان الحزب الجديد.

وفي 1966 غادر المغرب باتجاه المنفى الاختياري قبل أن يعود الى أرض الوطن منتصف عام 1995 وعمل منذئد على مشروع «الكتلة التاريخية» الذي حاول من خلاله لم صفوف التيارات السياسية المختلفة الهادفة لوضع حد للعديد من الممارسات السياسوية إعلاء للمصلحة العامة. وكان مشروعه هذا يسعى لجمع قوى اليسار واليمين والتيارات الإسلامية تحت أهداف مشتركة محددة.

وبمناسبة وفاة الفقيه البصري وجه الملك محمد السادس برقية تعزية لعائلة الراحل الذي وصفته البرقية الملكية بأنه «أحد قادة المقاومة المجاهدين من أجل استقلال المغرب وتحريره ووحدته وعزته».

وبغياب الفقيه البصري يكون المغرب قد فقد وجها بارزا ظل يميز حقبة تاريخية بكاملها تميزت بمخاضات سياسية مريرة ميزتها الصراعات الحادة.

وخلال السنوات الاولى من استقلال المغرب أي في منتصف الخمسينات كان الفقيه البصري الشخصية الثانية والوحيدة بعد الملك الراحل محمد الخامس الذي يلقي خطابه بعد خطاب السلطان في كل مناسبة لتخليد ذكرى ثورة الملك والشعب.

لكن رهانات السياسة وصراعاتها أدت الى ابتعاد البصري عن القصر الملكي ليدخل المغرب كله في مرحلة من الصراع السياسي المفتوح على كل الاحتمالات بما فيها تصفية الحسابات السياسية عن طريق اللجوء الى حمل السلاح. وخلال سنوات الستينات عاش المغرب على ايقاع صراع سياسي عنيف دفع البصري ضريبته بصدور عدة احكام بالاعدام غيابيا في حقه قبل ان يفر الى المنفى عام 1966.

وتصلح حياة الفقيه البصري في المنفى تصلح ان تكون سيناريو لمسلسل درامي لما عاشه الرجل من مغامرات اثناء تنقله بين عواصم الغرب والشرق والشخصيات التي التقى بها ومن بينهم من تركوا بصمات خالدة في تاريخ شعوبهم واممهم.

لكن البصري المنفي ظل حاضرا بقوة داخل المغرب فيما له من تأثير على الاحداث داخل ساحة سياسية في حالة مخاض دائم. وفي الوقت الذي استكن فيه الفاعلون السياسيون الاساسيون في المغرب الى الهدنة التي بدت تباشيرها تطل على المغرب مطلع الثمانينات سعت السلطة الى فتح القنوات مع خصم الامس العنيد ، واستمرت المفاوضات مع الرجل الذي كان يجسد لوحده آخر قلاع الماضي الصامدة عقدا كاملا من الزمن حتى تحققت شروط عودته كما ارادها هو، فكانت العودة التي ارادها بطولية منتصف التسعينات، لكن الرفاق الذين اختاروا طريقاً آخر في سعيهم الى السلطة غير تلك التي ظل الفقيه البصري وفيا لها جعله ذلك الاختيار يجد نفسه في خلاف مرير معهم، وساهم في حدوث انشقاق داخل حزب الاتحاد الاشتراكي الوريث الشرعي لحزب الفقيه البصري «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية».

ورغم ان البصري اختار ان ينأى بنفسه عن الصراع الذي مزق صفوف رفاق الامس، الا انه بحكم تاريخه الطويل كان يمثل ملجأهم، هذه هي المفارقة لجيل صاعد من المناضلين داخل الحزب رأى هو فيهم جزءاً من ماضيه البعيد الذي قضاه في الصراع مع الاستعمار والكفاح من اجل السلطة، ورأوا هم فيه مثالهم الذي يحتذى.

وطيلة حياته الحافلة بالصراعات ظل الفقيه البصري يمثل خصما صلبا في اعين خصومه، رجل مبادئ لا يحيد عنها امام اتباعه ومشايعيه. وحتى عندما فتح القصر الملكي ابوابه امام العجوز الثائر بعد غياب استمر ثلاثين سنة عنه، وكان ذلك مع تولي الملك محمد السادس الحكم قبل اربع سنوات، الا ان الرجل ظل هو الرجل. وحتى عندما ألم به المرض قبل اسابيع، ظل مالئ دنيا السياسة المغربية وشاغلها، وسيظل كذلك حتى بعد ان غيبته الاقدار.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال