الجمعـة 19 رمضـان 1424 هـ 14 نوفمبر 2003 العدد 9117
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

واحة الراهب: «رؤى حالمة» جزء من سيرتي الشخصية

الممثلة والمخرجة السورية تحدت رفض عائلتها ودرست الإخراج في فرنسا وعملها بالتمثيل جاء مصادفة

القاهرة: «الشرق الأوسط»
جميلة فتاة حالمة تنتمي لأسرة متوسطة الحال، والدها ضابط سابق في الجيش السوري، وأمها ربة منزل بسيطة ذابت ملامح شخصيتها أمام استبداد الزوج الذي يعاملها هي وأبناءها بقسوة شديدة حيث تغلب عليه الروح العسكرية.

تعيش جميلة في أحد الأحياء السورية التي تجمع العديد من النماذج البشرية لشخصيات تحمل بداخلها كماً كبيراً من التناقضات التي تنعكس على شخصية جميلة التي يزداد انفلاتها على نفسها أمام سطوة الأب والخوف من الحياة بسبب قلة خبرتها.

ولهذا نجدها تستغرق في أحلام اليقظة فتشعر بانجذاب لاستاذها الذي تكتشف انه يعاني ازدواجية المثقف، وفي النهاية تقرر جميلة الهرب من بيت أسرتها وقت الاجتياح الاسرائيلي لبيروت لتنضم لكتائب المتطوعين.

هذه هي الخطوط الأساسية لفيلم «رؤى حالمة» للمخرجة واحة الراهب التي عرفناها كممثلة قبل أن تتجه لعالم الاخراج، واحة بدأت حوارها مع «الشرق الأوسط» قائلة: الفن يجري في عروقي كسريان الدم، فوالدي كان عاشقاً للفنون التشكيلية، والأدب والموسيقى، رغم عمله كدبلوماسي في الخارجية السورية، كما ان عمي هو الروائي هاني الراهب صاحب رواية «الطوفان» ولهذا نشأت محبة للفنون بكافة أشكالها، ولهذا درست الفنون التشكيلية إلا ان عملي بالتمثيل جاء بالمصادفة البحتة، حين ذهبت مع صديقتي والتي كانت تهوى الفن وكان لديها اختبار في إحدى فرق الهواة التي يشرف عليها الفنان وليد قوتلي، ففوجئت به يطلب مني الصعود على خشبة المسرح وأداء أي مشهد ارتجالي كوميدي، وبعد انتهائي من أدائه صفقوا لي فكان انضمامي للفرقة والتي قدمت معها أول عمل مسرحي في تاريخي من تأليف إميل حبيبي وقمت فيها بدور الست بدور التي ترمز للشعب الفلسطيني، ونجح الدور ولفت لي الانظار كممثلة، ثم توالت أعمالي التمثيلية.

* وماذا عن الاخراج ؟

ـ لم أرتب يوماً أن أعمل بالاخراج ولكن جاءت الفكرة أثناء جلسة عمل مع المخرج محمد ملعي في فيلم «احلام المدينة» وهو مخرج مقتدر متمكن من أدواته، وقتها شعرت ان الاخراج هو المجال الأقرب لروحي لاني دائما كنت أشعر انه ينقصني شيء سواء أكنت رسامة أو ممثلة فالاخراج هو الصورة الكاملة والابداع، فالمخرج يستطيع ايجاز الحياة في ساعتين، وكنت وقتها استعد للسفر لفرنسا لاتمام دراستي العليا في الفن التشكيلي ولكن قررت تعديلها لدراسة الاخراج وبدأت جس نبض من حولي من أسرتي وأصدقائي وزملائي وللأسف كلها كانت آراء محبطة جدا، ولم أجد من يشجعني في قراري، ولكن تحديت كل هذه الآراء وسافرت لدراسة الاخراج، لايماني ان بداخلي شيئا أريد التعبير عنه، وتأكد هذا الاحساس أثناء دراستي بالسنة الأولى حين قدمت مشروعي الأول «منفى اختياري»، ومنذ ان قرأه استاذي على الورق تحمس بشدة وساعدني في تقديمه وهو فيلم روائي قصير، وللمفاجأة ان شارك في مهرجان قليبة ونال الجائزة البرونزية والتي اعتبرها أهم جائزة في حياتي على الرغم من انني نلت العديد من الجوائز إلا انها ستظل الأهم لانها اكدت لي انني على الطريق الصحيح وان الاخراج هو طريقي.

* وماذا بعد العودة الى سورية، وكيف استقبلك اصدقاؤك وزملاؤك في الفن؟

ـ بعد العودة تم تعييني في المؤسسة العامة للسينما التي قدمت من خلالها فيلمي الثاني «جداتنا» وهو فيلم روائي تسجيلي قصير مدته 15 دقيقة ونال الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق، وطوال فترة عملي بالمؤسسة كان بداخلي رغبة لتقديم عمل روائي طويل أكتبه، وفعلا بدأت الكتابة وكان «رؤى حالمة» وقدمته للمؤسسة ونال إعجاب الجميع بلا استثناء، ولكن للمفارقة لم يتحمسوا لانتاجه على الرغم من الاشادة به وبدأت المعركة بيني وبينهم، وهي معركة بين عقليات انتهى عمرها الافتراضي تعتقد ان المرأة مكانها في الصفوف الخلفية ولا حق لها في التقدم ومزاحمة الرجال في مجال احتكروه لسنوات، واستمر تأجيل المشروع لمدة تسع سنوات بدون إبداء أي أسباب، أحيانا يطلبون مني تعديلات وأحيانا أخرى يبدون ملاحظات تافهة بلا قيمة حتى يئست تماما ونسيت أمر السيناريو، ولكني لم استسلم بل حاربت تلك العقلية الذكورية، وفضحتها حتى تم اسقاطها واسناد الادارة لعقلية أخرى تقدر قيمة المرأة في مجال العمل.

* هل تحمل شخصية جميلة بعض من سيرتك الذاتية؟

ـ نعم، فالكاتب لا يمتلك سوى ذاته التي هي زاده ومعينه عند الكتابة الى جانب بعض الشخصيات التي رأيتها عن قرب وبعضها سمعت بها، فالشخصية التي لعبتها في الفيلم هي فتاة أعرفها جيدا و«جميلة» تشبهني فأنا مثالية مثلها كما انني في فترة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت قررت السفر للدفاع عنها أنا وبعض صديقاتي ولكن للأسف لم نجد جهة تساعدنا وهذا ما فعلته جميلة.

* ما الذي أردت طرحه من خلال شخصية جميلة؟

ـ ان سبب تخلفنا هو انفصالنا عن الواقع الذي نعيشه ما زلنا أسرى لماضي انتهى فجيلنا مظلوم لأنه يقع بين جيل الماضي الذي يبحث عن بطولات زائفة وأحلام أكبر من طموحاته لم يحققها فانغلق على نفسه ومارس ضغوطه وسطوته على الجيل الذي يليه، فنحن جيل محبط، الى جانب انني أردت عرض قضية هامة جدا وهي قضية المرأة لأننا لن نحرر أوطاننا اذا لم نحرر المرأة، فالانسان الذي تربى على الذل والهوان لن يخلق جيلا معتزا بنفسه ويملك حرية قراره ولهذا لا بد من تحرير المرأة من الخوف والقهر والاستعباد.

* وهل يؤمن زوجك بحقوق المرأة وضرورة اعطاءها مساحة من الحرية للإبداع؟

ـ قبل زواجي كنت أقول لأسرتي انني لن أتزوج لأنه من الصعب العثور على رجل يؤمن بحرية المرأة وينظر إليها كشريكة له في الحياة وليس تابع وكانت هذه رؤيتي، حتى انني كنت اقول انني لن اتزوج ابدا، حتى التقيت بزوجي فوجدته متفهم تماما لدور المرأة وعملها ويحترمني ويشاركني آرائي.

* يشعر من يرى شخصيات فيلمك كلها شخصيات سلبية مثل شخصية الأم والبنتان (جميلة وخنساء) لماذا؟

ـ لأنها فعلا شخصيات منقادة خائفة، فالأم المنقادة للأب دوما تبث الخوف في بنتيها وهذا واقع الكثيرات، فالأهل يزرعون الخوف في نفوسنا منذ الصغر وكل شخصيات الفيلم مدانة ومحبطة أيضا فالأب القاسي داخله شيء من الحنان فهو مجني عليه لأنه انخدع بشعارات النضال والبطولة وانكسرت داخله الاحلام الزائفة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال