الخميـس 04 ذو الحجـة 1423 هـ 6 فبراير 2003 العدد 8836
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الوثائق السرية البريطانية عن مؤامرة الجنرال أوفقير لإسقاط طائرة الحسن الثاني 1952 ـ 1972 (1 من 4)

العاهل المغربي أبقى موعد عودته من فرنسا أمرا سريا والبريطانيون لم يخفوا إفادة العقيد أمقران حول تورط الجنرال

حسن ساتي

* غضب الملك الحسن الثاني على السادات انعكس على العلاقات بين القاهرة والرباط

* العقيد الطيار محمد أمقران يكشف لسلطات جبل طارق انتماءه إلى جماعة ضباط يقودها الجنرال أوفقير

* البعثة العسكرية الأميركية عاشت لحظات عصيبة بسبب تزويد فنييها لطائرات الانقلابيين بالوقود

* لا بد أن يكون المغاربة مندهشين من سبب ذهاب وحدة عسكرية كاملة تدربت في أميركا في الاتجاه الخطأ بهذه الصورة

* أوفقير اقترح على الحسن الثاني في مايو 1972 بأغادير اغتيال العقيد القذافي

* أوفقير تخوف من ان سياسة الملك تجاه الانتخابات ستقلل من موقعه الخاص.. فقرر التخلص منه

* الوضع الفرنسي في المغرب أصيب ببعض الضرر لأن أوفقير إنتاج فرنسي.

قصة محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها الجنرال محمد اوفقير في 16 اغسطس (آب) 1972 مستهدفا حياة الملك الحسن الثاني وهو في الجو على متن طائرة مدنية، تتعدى بكثير قصص الانقلابات الفاشلة والناجحة في حقبة الستينات والسبعينات التي امتلأ بها جسد افريقيا، فهناك انقلاب السودان، مايو (ايار) 1969، وانقلاب ليبيا سبتمبر (ايلول) 1969، وانقلاب يوغندا 1971، وهناك.. وهناك.

قصة هذا الانقلاب، الى جانب حيثياتها السياسية المثيرة، توحي بتأمل في الحياة والقدر، والموت والاجل، ولكم ان تتصوروا، ملك تقصف طائرته المدنية في الجو فتهبط بسلام، ولا يجرح، دعك ان يموت، وبعد دقائق من هبوطها تقصف صالة كبار الزوار والفناء الممتلئ بالمستقبلين، فلا يموت، وبعد دقائق اخرى، يقصف قصره الملكي حيث كان من المقرر ان يذهب الى هناك ليدير تداعيات القصفين السابقين، فلا يصاب لانه وببصيرة نافذة لم يذهب الى هناك.

الحلقات الاربع المدعومة بوثائق منتقاة من اكثر من 500 وثيقة تغطي اهم الاحداث التي يدشنها عبر الحلقة الاولى السفير البريطاني الاسبق في الرباط، آر. دبليو. بيلي، فيرصدها بالدقيقة وكأنه مخبر صحافي، ويستصحبها بالتحليل وذلك من صميم تخصصه.

* وثيقة رقم: تقرير دبلوماسي 72/427

* التاريخ: 24 اغسطس 1972

* الى: وزير الخارجية.. سري

* من: سفير حكومة جلالة الملكة بالرباط

* الموضوع: الملك الحسن ينجو ثانية 1ـ اقلع الملك الحسن في ظهر مبكر من يوم 16 اغسطس (آب) 1972 برفقة حاشيته من برشلونة على متن طائرة بوينغ 727 عائدا للرباط بعد رحلة لفرنسا استغرقت 3 أسابيع. اقلعت، في المقابل، بعد دخوله الاجواء المغربية، ست طائرات حربية من طراز F-5 من قاعدة القنيطرة الجوية لتقابل الطائرة الملكية، ولكن ثلاثا منها اطلقت عند الساعة 10:16 النيران على الطائرة الملكية، تعطلت ماكينتان من الماكينات الثلاث فيما تحطم المخزن التحتي واصيب بدن الطائرة بالتواءات من جراء اطلاق قذائف من عيار 20-mm.

أولت الطائرات المحاربة انتباها خاصا لمؤخرة طائرة الملك، على خلفية انه يفضل الجلوس عادة في مؤخرة الطائرة، ولكنه لم يكن هناك هذه المرة، فوجدوا ان الانظمة «الهيدروكليركية» للطائرة قد توقفت. وبمعجزة ما لم يصب احد على ظهر الطائرة بأذى. علما ان قائد سرب الطائرات المقاتلة في هذه العملية كان الرائد (الوافي) كويرة قائد قاعدة القنيطرة الجوية.

2ـ ابدى قائد الطائرة الملكية هدوءا مصحوبا بالخداع في ايقاف الهجوم على الطائرة عند هذا الحد، فأوحى الى مهندس الطيران في الطائرة بالتحدث عبر الراديو الى المهاجمين، فقال لهم الاخير ان قبطاني الطائرة قد قتلا وان الملك اصيب بجروح خطيرة في مؤخرة عنقه، واضاف المهندس قائلا «فكروا في زوجتي واطفالي». فانسحب المهاجمون الى قاعدتهم في القنيطرة للتسلح مجددا فيما اغتنم قائد الطائرة محمد القباج (اصبح فيما بعد قائدا لسلاح الجو) الفرصة في هذه الاثناء، وبعد 20 دقيقة، هبط بنجاح بطائرة، بالغة الاصابة، وسط سحب من الدخان في مطار الرباط العسكري، فيما اصبحت اي فرصة لتحرك الملك دون اثر ودون شهود مفقودة لمنفذي الانقلاب.

3ـ اتجه الملك من المطار العسكري مباشرة الى غرفة كبار الزوار بالمطار المدني، حيث قام بتحية حرس الشرف وتحية الشخصيات الكبيرة المصطفة لاستقباله، ثم قضى بعض الوقت في اصدار التعليمات، لينسحب بعدها، وبصورة مرسومة، الى سيارة صغيرة متوجها الى الصخيرات على بعد نحو 20 ميلا جنوب الرباط مستعملا طرقا فرعية. وبمجرد، او بعد وقت وجيز من مغادرته، حلق فوق المطار سرب من الطائرات المقاتلة وبدأت في قصف صالة كبار الزوار والمنطقة الخلفية لها، واطلقوا النيران على موكب الاستقبال الذي كان لا يزال هناك، وهذه من اللحظات التي شهدت معظم الاصابات التي حدثت، فمات 8 وجرح 50 بينهم 4 وزراء. قال الملك بعدها ان الطائرات المقاتلة رأت طائرة البوينغ قادمة نحو المطار حينما اقلعت الاولى بعد اعادة التسلح، ومن المحتمل ان يكون شخص ما بالمطار قد اخبرهم بهبوطها.

4ـ غادر الملك المطار فيما غادر الحرس الملكي عائدا للرباط بصورة فوضوية بعد ان احترقت عدة عربات، فظلت سيارات الاسعاف تصرخ في وادي أبي رقراق. ثم هاجم سرب آخر من طائرات F-5 عند الساعة 50:18 القصر الملكي في الرباط، بالمدفعية الثقيلة وليس بالصواريخ كما ساد الاعتقاد الاول. وهنا ايضا، فان شخصا ما، مرة اخرى، ومن الواضح، كان على اتصال بسرب الطائرات، ولكنه شخص لم يكن ليعلم ان الملك قد ذهب للصخيرات فيما كان الاعتقاد السائد ان الجنرال محمد اوفقير كان في برج المراقبة بمطار الرباط حتى من قبل اعلان وفاته، اذ لم يكن بين جموع المستقبلين وفق ما هو طبيعي، وقد اعلن الملك الآن ان الجنرال ذهب لبرج المراقبة، فيما ذهب مباشرة بعدها الى مقر القيادة العليا للجيش دون ان يحيي الملك بعد ان رأى طائرة البوينغ قد هبطت وان الملك على قيد الحياة.

5ـ لم يتحقق هدف مدبري المؤامرة بوجود الملك حيا في الصخيرات، فيما عادت الحياة في الرباط وبسرعة الى طبيعتها بعد دقائق قليلة من القلق التالي لقصف مطار الرباط. واستمرت الحركة في تدفقها ولم تعد هناك اي علاقة احتلال عسكري للمراكز الاستراتيجية. ولم يقم الجيش بتحرك مضاد فيما عدا وصول طابور من القوات عند الساعة 00:20 ليحتل قاعدة القنيطرة الجوية ويعتقل طياري F-5 الذين كانوا يعدون لهجمة اخرى. اصبح من الواضح ان الانقلاب قد فشل، وان الملك وحكومة الملكية العلوية لا تزال تقود البلاد.

6ـ والذي حدث ان محنة هذه السفارة قد بدأت متزامنة مع قصف القصر الملكي. كنت بنفسي في جبل طارق في زيارة للحاكم، ولذلك احطت بسرعة حينما هبطت مروحية مغربية عند الساعة 34:18 بالمطار هناك. تلقى القائم بالأعمال محادثة هاتفية من احمد الطيبي بن هيمة، وزير الشؤون الخارجية الساعة 10:19 مصحوبة بمعلومات ان مروحية مغربية قد هبطت، او ستهبط بعد قليل في جبل طارق، وان طاقمها متورط في عصيان وأن من الأهمية القصوى بمكان للدولة المغربية معرفة اسماء الضباط في الحال وان تتم اعادتهم للمغرب. تم اخطار جبل طارق بالوصول المحتمل للطائرة العمودية، فيما كانت هي قد وصلت سلفا.

7ـ في غضون ذلك، اكتشفت سلطات جبل طارق ان المروحية تحمل نائب قائد سلاح الجو المغربي العقيد محمد أمقران الذي تطوع بالقول انه عضو في جماعة ضباط قادها اوفقير، تم ابلاغ سفارة جلالة الملكة بهذه المعلومة هاتفيا. في مثل هذه الحالات، يكون من شبه المؤكد ان خطوط تلفونات السفارة قد وضعت تحت المراقبة، وفوق ذلك، واذا لم يكن أمقران قد اعيد للمغرب، فسيكون بوسعه تكرار ما قال في مكان آخر، ويكشف معه انه قد اخبر سلطات جبل طارق بذلك. واذا اعيد، فمن غير المحتمل، ان يتمكن من اخفاء المعلومات عن مستجوبيه. وقتها كان اوفقير لا يزال، وفق المتاح من معرفة، قويا، وبالتالي، من الممكن ان يكون قادرا على عمل شيء مرة اخرى، ولكن وبقراءة كل المظاهر، كان الانقلاب قد فشل. واذا كان للحكومة المغربية ان تكون يوما على علم بان تلك المعلومة قد كانت في حوزة حكومة جلالة الملكة، حتى ولفترة قصيرة، ولم تمررها للرباط، فانه لن يكون بوسع العلاقات المغربية ـ البريطانية ان تشفي ما بقي من هذا النظام في السلطة (الاشارة للمعلومة المتعلقة بإفادة أمقران.. التوضيح من «الشرق الاوسط»).

في المقابل، واذا ما اصبحت المعلومة علنية، وكان هناك نظام آخر على رأس السلطة، فسيكون من الصعب عليه ان يثق في حكومة اجنبية اخفت عن حكومة اقامت علاقات صداقة، معلومة على مثل هذا القدر من الاهمية.

وفقا لذلك، وحينما هاتف وزير الخارجية المغربي بعد دقائق قليلة القائم بالاعمال، احاط الاخير الاول بإفادة امقران، موضحا ان الافادة بلا صلاحية فيما عدا كونها كلمات الشخص الذي قال بها، وان كل الذي سئل عنه الضباط المغاربة وطاقم الطائرة هو اسماؤهم فقط. الوقت كان حوالي بعد الساعة 00:20 من يوم 16 اغسطس، والى ذلك، فطوال ليل 17/16 اغسطس وكل يوم 17 اغسطس، ظلت هذه السفارة تتلقى طوفانا من طلبات الملك الحسن، عبر وزير الشؤون الخارجية، باعادة الطائرة.

والى ذلك لم يكن تقدير الملك لنا خافيا حينما اخبرته عند 00:19 من يوم 17 اغسطس بقرار الحكومة البريطانية، فقد اعيد الرجال على طائرة مغربية غادرت الساعة 40:22 يوم 17 اغسطس فيما عادت الطائرة العمودية بطاقم مغربي ظهر يوم 19 اغسطس.

8ـ مات الجنرال اوفقير في وقت ما خلال ليل 16/17 اغسطس، وقال البيان الرسمي انه انتحر بعد منتصف الليل فيما كان قد تم تصويره لبعض الوقت بالرجل صاحب الولاء الشخصي الكبير للملك، وقد انهى حياته بسبب انه فشل في المعرفة المسبقة بهجوم الصخيرات ومن بعد اختياره لطيارين لم يكن يعرف عدم ولائهم. ومن بعد ايضا، وحوالي الساعة 00:02 وبعد ان رأى الملك الرائد كويرة الذي قاد الهجوم والذي تحطمت فيه طائرته F-5، اصبح على قناعة بأن رواية أمقران صحيحة، وان اوفقير مذنب في تدبير الانقلاب، فيما بدا ان التحري والتحقيق اللاحق مع الطيارين الآخرين قد اكد كل ذلك. تم دفن اوفقير كمنتحر في اليوم التالي بلا صلاة في قريته بودنيب في النواحي الجنوبية لجبال الاطلس العالية.

9ـ الى ذلك ظلت الشائعات تدور، وليس في هذا ما هو غير طبيعي، بأن اوفقير قد قتل بواسطة الحرس الخاص الملكي وبتعليمات من الملك، وانه اذا لم يكن مذنبا لما مشى في القصر الملكي بالصخيرات. وفي المقابل، وعلى عكس ذلك، لا بد من حسبان الشائعات الاخرى بعد الصخيرات، بأنه كان احد المنظمين هناك، ولكنه، ومع الاعدام السريع والمتهور للجنرالات الستة والعقداء الاربعة، لم يتم اكتشافه (الاشارة لأوفقير.. «الشرق الأوسط»)، ووفقا لمحمد بن هيمة وزير الداخلية، فان اوفقير، الذي كان على اتصالات هاتفية مع الملك، حضر الى الصخيرات، ولكنه وبعد ان علم من وزير شؤون المحاكم (العدل) ان أمقران هبط في جبل طارق وان الرائد كويرة لا يزال حيا، تيقن من ان اللعبة قد انتهت، فأقدم على الانتحار.

10ـ من الجدير بالملاحظة هنا، ان الحياة في المغرب اكتسبت كل المظاهر الطبيعية بدءا من قصف القصر الملكي والى اللحظة. ومع ان هناك حالة طوارئ، ولكن يمكن رؤيتها بصعوبة.

11ـ علاقتنا مع المغاربة لا يمكن ان تكون حسنة، لانه، وحينما طالبت بضمانات، وفق التعليمات، بالمعاملة الحسنة او الصحيحة للضباط الذين اعدناهم، قدمها لي الوزير في الحال قائلا ان الضباط قد تم اخضاعهم للكشف الطبي وفق اجراءات قانونية مؤسسة وستتم محاكمتهم قريبا وفقا لقوانين العدالة العسكرية الصارمة والدستور المغربي. واضاف الوزير، انهم يرتدون زيهم الرسمي العادي، وان التحري يمضي في مكتب المدعي، فيما كشف الملك في المؤتمر الصحافي بانه، وعلى اية حال، قد تدخل شخصيا وتحدث للقضاة العسكريين ابان محاكمة 1091 ضابطا ومجندا من المتهمين في انقلاب الصخيرات، وانه وللحقيقة قد اعفى القضاة من الجيش لانهم تساهلوا مع المتهمين فيما كانت تعليماته تقول بالعكس، وان امتيازات الرحمة موقوفة على يديه وليس اي شخص آخر. وألقى باللوم على اوفقير في نسخ تعليماته. وحينما طالبت بان لا يكشف الملك في مؤتمره الصحافي عن مصدر معلوماته فيما يخص افادة أمقران، تشاور الوزير في الحال مع الملك، وعاد ليؤكد لي خلال نصف ساعة، بان حكومة جلالة الملكة ستعطى ما يشبعها تماما حول هذه النقطة، فيما كانت رسالة الملكة للملك الحسن قد لاقت ابرازا خاصا في الصحافة الرسمية. الاختبار الثاني سيكون في محاكمة الضباط الذين اشتركوا في المؤامرة وخاصة اولئك الذين اعيدوا من جبل طارق لتبقى قيد النظر احتمالات اعدامهم من عدمها. وللملك الحسن سمعة طيبة تجاه نوعية الرحمة او الشفقة التي يتحلى بها، ولكن محاولتين استهدفتا حياته في الصخيرات وطائرة البوينغ قد يضعا تلك الرحمة تحت بعض الضغوط.

12ـ الى ذلك كان للاميركيين مسار صعب ليلة 16 اغسطس بعد الشائعات التي انطلقت حول اعادة تزويد فنييهم للطائرات المهاجمة بالوقود، ولكنهم تدبروا امرهم لتوضيح موقفهم مع منتصف الليل فيما ظلت بعثتهم العسكرية مهزوزة بعمق. لا بد ان يكون المغاربة مندهشين تجاه سبب ذهاب وحدة عسكرية كاملة تدربت في اميركا في الاتجاه الخطأ بهذه الصورة. والى ذلك ساء حال الوضع مع التقارير المؤذية التي حملتها جريدة «النهار» في بيروت والتي قالت بتورط المخابرات الاميركية (CIA) في المؤامرة. كما اصيب الوضع الفرنسي كذلك ببعض الضرر، لانه وبرغم فضيحة (المهدي) بن بركة، فالسائد ان اوفقير انتاج فرنسي فيما ادت توجهات قطاع من الصحافة الفرنسية الى كثير من الامتعاض. والى ذلك ايضا فلم يؤد غضب الملك الحسن على انور السادات الى اي خير في العلاقات مع مصر، والملك وصف المؤامرة بانها حادث عرضي فيما اعترف علنا بانها تعبر عن فشل اساسي في الحياة السياسية والاجتماعية بالمغرب. والى ذلك دعا للوحدة الوطنية، مشيرا الى نواياه نحو سيطرة حاسمة على الجيش بتولي قيادته المباشرة بنفسه، مع الاستمرار بحكم شبه دستوري كما مثله دستور مارس (آذار) 1972. ومن الواضح انه سيبقى على امساك قوي بزمام القرارات السياسية.

13ـ اعتقد ان علينا ان نفترض ان المغاربة على حق في اعتقادهم ان اوفقير هو المحرك الاساسي في هذا الامر. فمن الواضح والمهم القول ان الملك قد ابقى على زمن عودته من فرنسا امرا سريا، وبالتالي فان شخصا في وضع عال هو الذي عرف بخطة الرحلة كاملة مما ادى الى ارسال الطائرات الحربية لترافقها جوا، وهو امر لم يطالب به الملك. والى ذلك، فحالة اوفقير، وبتراكم حيثيات كثيرة، يكون من الصعب دحض حيثياتها، لان هناك الدليل الذي سبق وقدمه الملك حول سلوك وملاحظات اوفقير مساء 16 اغسطس، وهناك اقتراحه الذي قدمه للملك في مايو (ايار) بأغادير باغتيال العقيد معمر القذافي، وهناك دوره كما كشفه كويرة وأمقران للملك، واخيرا انتحاره. ومن الملاحظات البارزة ايضا ان الامر باضاءة مدرج قاعدة القنيطرة قد صدر من مكتب اوفقير قبل هبوط طائرات F-5 التي هاجمت القصر، علما ان القوات الجوية المغربية لا تقوم بطلعات جوية في الليل.

ومن التساؤلات التي دارت سلفا في هذا الشأن، ان رجلا في موقع اوفقير، وبمثل هذه القبضة على القوات المسلحة، كان من الممكن له ان ينفذ عملية تمتلك نجاحا بمقومات اكثر ضمانة. وهنا تجيء ثلاثة اعتبارات:

1ـ يبدو، وحتى مع الحالة التي تم بها التنفيذ، انه من المؤكد ان ثلاث طائرات F-5 حربية تستطيع ان تسقط طائرة مدنية غير مسلحة اذ ما هاجمتها. ولكن اوفقير لم يضع في الاعتبار انه من الممكن رصد هذا الهجوم من خارج المغرب. ولذلك، ومع الاختفاء الكلي للملك، يكون من الحقيقة المطلقة بمكان ان اوفقير لم يكن هو الملاك الحارس.

2ـ تطلبت هذه الطريقة عددا قليلا من المتآمرين ـ الملك قال بان المتورطين لا يتعدون 15 ضابطا ـ فيما كانت عملية اعادة تنظيم القوات فاعلة، وكان التحكم جيدا. ربما لم يستطع اوفقير ان يراهن على الجيش لجهة الانتقاص من الملك لمجرد ان يستبدله بوضع اوفقير على السلطة.

3ـ اذا كان هدف اوفقير تأسيس حكومة وصاية على ولي العهد، فربما يكون قد تخوف من ان يؤدي تحريض الجيش ضد الملك الى تحريض الضباط ذوي العواطف الحقيقية ضد الملكية الى الاستيلاء على السلطة وتأسيس جمهورية لن يكون هو فيها، وبقراءة سجله، ضعيف الامل في الامساك بزمام سلطتها.

14ـ لذلك، من المحتمل اخذ هذا الامر كثورة قصر. وربما تخوف اوفقير من ان سياسة الملك تجاه الانتخابات ستقلل من موقعه الخاص، وربما كان اوفقير وطنيا رأى في الملك العقبة الوحيدة الحقيقية امام التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وهو بالتأكيد مقبول لدى المعارضة. وربما تخوف من ان الملك بدأ في الاشتباه فيه. وانه وبذهاب الملك، وبوجود ولي العهد طوع يديه، يكون الحاكم المؤثر في البلاد.

15ـ يواجه الملك الحسن الآن مأزقا قاسيا وبصورة اكبر مما واجه في يوليو (تموز) من العام الماضي. فقد كان يملك في ذلك الوقت، او اعتقد انه يملك، قوات مسلحة متماسكة خلفه، ولكنه انخدع. بدأ خطوة التحكم، ولكن الآلة التي استخدمها انكسرت بين يديه. ومع ذلك، فقد يساعد هذا التناقض في عملية التنظيف. ففي هذه المرة، توافر له اعضاء المؤامرة الكبار ليتحرى معهم. ولكن هناك قابلية تجاه ان تذهب القوات في رحلة مطاردة يصعب معها ان لا تطال عددا كبيرا من الضباط الكبار، اذا لم نقل انه قد تم بالفعل، الى الآن، استبدال قادة القوات الجوية والبحرية، فيما احيل جنرال آخر من الكبار الى التقاعد. تولى الملك شخصيا الادارة المباشرة للقوات المسلحة، ولكنها وبمرور الزمن، وبالتأكيد، سينتابها الشك. القوات التي لا يتطرق الشك لولائها هي الدرك (الملكي) والقوات المساعدة (المخازنية)، وهي قوات الدعم التقليدية للنظام العلوي.

من الخطر بمكان التنبؤ بالرجل القنبلة، ولكن العقيد احمد الدليمي، رئيس جهاز امن الملك، وبالدليل، كان في قلب كل لحظة حرجة خلال هذه الازمة، وهو رجل يضع فيه الملك سلفا كل ثقته.

16ـ لم تصب هذه الازمة لا الشعب ولا الوزراء بأي نوع من الاضطراب، فلم تكن هناك مظاهرات، فيما لم نشهد سفرا للوزراء، وليس هناك شره في الشراء بالمتاجر. ولكن الاسئلة حول المستقبل السياسي اثيرت. الملك اعلن انه سيضع ثقته في انتخابات دعا الجميع للمشاركة فيها، فيما اشار الى استعداده لفتح حوار مع المعارضة اذا ما تراجعت على الاقل قليلا عن مواقفها التي اتخذتها في مارس.

على صعيد المعارضة، تبدو الاشارات واعدة، فقد اصدر علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال، بيانا قويا قال فيه انه مع الملكية والديمقراطية الدستورية، فيما بدا جناح اتحاد النقابات على استعداد للمشاركة حتى في حال تقديم القصر لتنازل هامشي.

من المنظور ان هذه الصدمة الثانية ستدفع الملك للتحقق من ان نجاح الملكية الدستورية لا بد وان يمتلك حكومة لا تملك فقط الصلاحيات والسلطة، وانما قاعدة شعبية وملكية تتمكن بها من الممارسة. بوسع الصدمة ايضا ان تدفع الاحزاب للتحقق من ان حقائق السلطة ستجد طريقها، اذا تعاونت مع الملك. بوسع المغرب ان يتوقع الآن فترة مطولة من التوتر والضبابية وكلاهما ينشأ من الشعور بأن ما حدث «يمكن ان يحدث ثانية».

17ـ ارسلت نسخا من هذه الرسالة الى حاكم جبل طارق وممثلي جلالة الملكة في اديس ابابا، الجزائر، عمان، بون، بروكسل، القاهرة، كوبنهاغن، داكار، دبلن، هولندا، الكويت، لوكسمبورغ، مدريد، اوسلو، باريس، روما، طهران، طرابلس، تونس، وواشنطن. والى ممثل المملكة المتحدة الدائم بالأمم المتحدة، والى الناتو، والى المجموعة الاوروبية.

* أر. دبليو. بيلي السفير ـ الرباط

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال