الاحـد 15 محـرم 1425 هـ 7 مارس 2004 العدد 9231
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

خوان غويتيسولو إلى أميركو كاسترو: طرد المسلمين من إسبانيا.. جرح لن يندمل أبدا

إبراهيم الخطيب *
فيما بين 1968 و1972 تبادل المؤرخ أميركو كاسترو (1885 ـ 1972) والكاتب خوان غويتيسولو ( 1931) 28 رسالة تعكس، في مجملها، انشغالهما العميق بما هو إسباني. وبتاريخ إسبانيا ومستقبلها، كما تعكس اهتمامهما المشترك براهن بلادهما في أواخر الستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي، على بعد بضع سنوات من وفاة فرانكو، وانهيار رمز «اسبانيا الكاثوليكية المطهرة». إن إحدى أبرز الافكار التي يقع التأكيد عليها في هذه الرسالة هي أن وضع مستقبل اسبانيا على السكة الصحيحة يقتضي أيضا فهم ماضيها التاريخي على حقيقته. هكذا يتساءل أميركو كاسترو في رسالة: «كيف لبلد أن يصلح شؤونه، وهو غير مدرك لهويته في الماضي؟». كان أميركو كاسترو مقيما في أميركا حينئذ، وكان خوان غويتيسويلو يقيم في باريس منذ مغادرته لبلده في أواسط الخمسينات، لذا عبرت الرسائل التي تبادلاها عن ميلاد وتطور صداقة ثقافية وعقلية بين مبعدين يحاولان النظر عن كثب الى واقع بلادهما، كما يحاولان التعرف على إنتاج كل واحد منهما، رغم تباين المجالات التي يهتمان بها. لقد كان منطلق هذه الصداقة رسالة بعثها خوان غويتيسولو الى أميركو كاسترو ويخبره فيها أنه قرأ كتابه المركزي: «إسبانيا في سياق تاريخها» (1948ـ1954ـ1957) وكيف كانت تلك القراءة «مخصبة وباعثة على التأمل»، بل أنها مكنته من فهم تاريخ بلاده بكل ما انطوى عليه من تحولات جوهرية «يحاول الحاضر تجاهلها». وجوابا على هذه الرسالة، بعث أميريكو كاسترو الى خوان غويتيسولو رسالة يعبر فيها عن إعجابه بكتابه «إسبانيا والإسبانيون» (1969) الذي رأى في مضمونه «أصالة مثيرة للدهشة»، بل أنه لم يتردد في التعبير عن تأثره ببعض تحليلاته قائلا: «من الآن فصاعدا أرى الشكل الذي سينسجم فيه تأويلي مع تأويلك: إن اسبانيا متعددة وليست واحدة».

منذ ظهور كتابه «إسبانيا في سياق تاريخها» سنة 1948، وإلى غاية وفاته، ظل أميركو كاسترو يلح، دون كلل، على الأهمية الحاسمة لدراسة دور المسلمين من أجل فهم تاريخ إسبانيا، بل أنه لم يتردد في تفنيد أفكار المستعربين الاسبان حول هذا الموضوع الهام. كان يرى أن مجيء العرب الى إسبانيا لم يكن حادثا عابرا في تاريخها، كما لم يكن مجرد عبور نحو آفاق أخرى، بل كان «إقامة حيوية ( Estancia Vital)» ترسخت بعمق في أرض شبه الجزيرة، وفي عصور التعايش بين الديانات الثلاث (المسيحية واليهودية والاسلام) التي تواصلت ثمانية قرون، وهي القرون التي لم تكتف فيها اسبانيا باستلهام أشياء المسلمين وتقنياتهم وأساليبهم الفنية والعمرانية، بل تشبعت أيضا بمفرداتهم وأساليبهم التركيبية والمجازية في مختلف الحقول الدلالية.

لم يكد يصدر كتاب خوان غويتيسولو «عربة المؤخرة» (1967) حتى لاحظ النقاد كثافة إحالاته على تحليلات أميركو كاسترو. يتألف هذا الكتاب من سلسلة مقالات تحليلية تتناول جوانب من تاريخ الأدب الاسباني كما تهتم بابراز خصوصية الدور النضالي الذي يتعين أن يلعبه الكاتب إبان سنوات الدكتاتورية. لكن المقالات تتضمن أيضا احتفاء ملحوظا بجرأة المؤرخ على إعادة فحص الدراسات التي تهتم بتاريخ اسبانيا وبفعل الاسبان في تاريخهم. بيد أن أفكار أميركو كاسترو لن تقوم بدورها المؤثر على كتابات خوان غويتيسولو إلا أثناء تأليفه كتاب «إسبانيا والإسبانيون» وأيضا أثناء شروعه في كتابة رواية «ضون خوليان» (1970). يقول خوان في رسالة: «لقد كانت قراءتي لكم أساسية بصورة مطلقة، إذ أدركت لأول مرة كيف كان تاريخ إسبانيا، واستطعت تأويل سلسلة من الوقائع لم يكن لها أي شرح معقول دون ذلك.. ولقد أبانت لي تحليلاتي للنصوص الأدبية الإسبانية إلى أي حد كنتم مصيبين في أبحاثكم».

إن طريقة خوان غويتيسولو في تأليفه مادة كتابه «إسبانيا والإسبانيون» تستجيب، دون أدنى شك، لتأثيرات أميريكو كاسترو. فشأنه شأن أستاذه، لم يكن يطمح فقط الى دحض وتفنيد المواقف التي يدافع عنها التاريخ الرسمي وسدنته، وإنما كان يرغب أيضا في علاج بعض إشكالات إسبانيا ومستقبلها. هكذا وضع الكاتب على عاتقه مهمة تسفيه الأساطير الأبدية التي شكلت، حسب التاريخ الرسمي، جوهر ما هو إسباني وذلك ما أشار إليه أميركو كاسترو في رسالة عندما قال: «الغريب هو أن الأفكار المتعلقة باسبانيا تقوم على معتقدات جماعية، أكثر من اعتمادها على مبادئ عقلية واضحة». في هذا السياق، يطري خوان غويتيسولو مقاربة كاسترو لمسألة الأعراق الثلاثة (Las tres castas ) مبرزا أهمية مساهمة المسلمين في تكوين الثقافة والمزاج الاسبانيين، ومؤكدا على أن الاعطاب المترتبة عن طرد المسلمين من إسبانيا تعتبر مصدر العديد من الاشكالات التي يعاني منها الحاضر: «إن أسس الخلاف بين الاسبان ظهرت بوضوح منذئذ، ولذا فان الجرح الذي أحدثه قرار الطرد في سنة 1492 لن يلتئم أبدا».

لقد ساعدت أطروحات أميركو كاسترو المعبر عنها في كتابه «إسبانيا في سياق تاريخها» خوان غويتيسولو على إدراك معرفة أفضل بالماضي التاريخي لبلده، كما أن استعراب المؤرخ أتاح له إمكانية المصالحة بين اهتماماته المتنامية بالشرق والغرب الاسلاميين ـ وهو ما اكدته رحلاته العديدة الى إيران ومصر وتركيا وفلسطين والجزائر والمغرب والشيشان والبوسنة ـ وبين انشغاله بحاضر اسبانيا وتطوراته المنظورة. هكذا غدا ما هو اسباني وما هو اسلامي، في تصوره، وحدة واحدة لا يمكن الفصل بين طرفيها دون المجازفة بانهيار الكل. ومنذ ذلك الوقت، لم يترك خوان غويتيسولو فرصة تمر دون الإشادة بالمكون الاسلامي في تاريخ اسبانيا وأدب شبه الجزيرة الايبيرية، وهو المكون الذي يعتبره الكاتب مخصبا على جميع الاصعدة، بل عنصرا مميزا للتاريخ الاسباني عن بقية التواريخ الاوروبية.

لقد وجدت رواية «ضون خوليان»، وهي نص مركزي في التطور الشكلي والموضوعاتي لأدب خوان غويتيسولو، نقطة انطلاقها في أفكار اميركو كاسترو، حيث استطاع الكاتب نقلها الى مستوى التخييل، بل لجأ مرات عديدة الى أسلوب التناص بغية إدراج تلك الأفكار في نسيج روايته، لقد استشهد خوان بعبارة لاميركو كاسترو في صدر الفصل الثاني من روايته كـ «قول مأثور»، كما ذكره ضمن لائحة «المسهمين» المثبتة في نهايتها، وهو ما يعتبر «تكريما أدبيا» للمؤرخ. أكثر من ذلك برهنت العديد من الدراسات على أن استعمال رمز «ضون خوليان» (يليان الغماري، حسب المؤرخين المسلمين)، الذي كان له، ولايزال، تأثير واضح على الروح الاسبانية، يعتبر نقدا لمفهوم «الجوهرالاسباني»(Esencia Hispanuca) غايته تدمير الأساطير الأصولية، والدفاع عن الحضور الاسلامي كفعل تاريخي مركزي، والسعي الى إعطاء الأدب الاسباني نزوعا حسيا يناقض التعفف المنافق الذي فرضته الكنيسة.إنه لا بد من الاشارة ختاما إلى أن أفكار أميركو كاسترو حول تعايش الثقافات الثلاث ما زالت حاضرة في روايات خوان غويتيسولو المتأخرة، متجلية في هيئات جديدة تناسب الواقع الراهن والاحداثات العصرية الموازية. نكتفي بالتلميح هنا الى فكرة «الحاضرة الخلاسية» (La urbe meteca) التي نوه بها الكاتب في عدة مناسبات: حاضرة معاصرة، حيث تتعايش مختلف الجماعات العرقية والدينية، والتي تم تجسيدها في اسبانيا إبان القرون الوسطى على شكل انسجام واندماج حضاري عميق، لقد طابق خوان غويتيسولو، في تسعينات القرن الماضي، بين هذه الحاضرة ومدينة سراييفو البوسنية التي ترمز، شأنها شأن طليطلة، الى الانسجام الثقافي والسياسي بين مختلف الاعراق والديانات، وهو الانسجام الذي وقفت حائلة دون تحققه النزوعات القومية، ووسواس الطهارة العرقية، وآفة نبذ الآخر.

* كاتب وناقد من المغرب

* الكتاب: رسائل أميركو كاسترو الى خوان غويتيسولو

* الناشر: دار بريتيكستوس ـ مدريد

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال